«تنذكر لما تنعاد»، هذا هوالشعار الذي رفعته فاعليات سياسية وقوى المجتمع المدني في ذكرى الاحتفالات السنوية للحرب الأهلية التي اندلعت العام 1975 واستمرت رسميًا سنتين قبل ان تفتتح حروب الطوائف والمذاهب والزواريب التي وضعت أوزارها عام 1989 .
فهل فعلاً أصبحت ذكرى 13 نيسان مجرد تاريخ في روزنامة الذاكرة اللبنانية أم «ستنعاد» في ظل هذا الكم الهائل من الاحتقان السياسي والطائفي والمذهبي الذي يلبد الأجواء والانقسام العامودي للمجتمع اللبناني وافتقاد جسور التواصل بين دفتيه؟
هل يمكن ان تتكرر التراجيديا اللبنانية وهل المسرح اصبح مهيأ أم ان الظروف السياسية والاجتماعية والعسكرية مختلفة الآن عما كانت عليه في منتصف السبعينيات؟
في شباط العام 1975، شهد لبنان اضطرابات مختلفة كان أخطرها مظاهرة الصيادين في صيدا ضد شركة البروتيين التي قيل ان الرئيس كميل شمعون كان يمتلكها، وكانت تسعى إلى احتكار الصيد البحري، ما يهدد آلاف العائلات بالجوع. لكن التظاهرة انتهت إلى اغتيال معروف سعد، فاستعر الجمر تحت الرماد.
أما الشرارة الحقيقية لبدء الحرب الأهلية اللبنانية كانت في 13 نيسان 1975 حين تعرضت «قوات» حزب الكتائب لحافلة كانت تقل عناصر من فصائل فلسطينية إلى مخيم تل الزعتر مروراً بمنطقة عين الرمانة. وقد أدى الكمين إلى مقتل 27 فلسطينياً ولبنانياً. سميت الحادثة بحادثة «البوسطة» التي سرعان ما أعقبتها تفجيرات متنقلة كانت النذير الأول لاندلاع الحرب بدءاً من المحور الشهير الشياح- عين الرمانة، ثم إلى كل أنحاء البلاد، بين الفلسطينيين والكتائب.
كانت بيروت الشرقية محاطة بمخيمات الفلسطينيين مثل منطقة الكرنتينا ومخيمي تل الزعتر والضبيه. في 18 كانون الثاني 1976، قامت الميليشيات المسيحية يومها باقتحام منطقة الكرنتينا الواقعة تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية. وقتلت 1500 من سكان المنطقة. ردت القوى الفلسطينية بعدها بيومين باقتحام بلدة الدامور المسيحية وقتل المئات من سكانها، ما دفع الآلاف من الاهالي إلى الهرب بحراً حيث كانت الطرق البرية مقطوعة. وقد أدت هاتان الحادثتان إلى هجرة جماعية للمسلمين والمسيحيين حيث لجأ كل منهم إلى المنطقة الواقعة تحت نفوذ طائفته. انقسمت بيروت الشرقية وبيروت الغربية بشكل متزايد إلى بيروت المسيحية وبيروت المسلمة.
عام 1976 تحالفت الأحزاب والتيارات المسيحية اليمينية وهي حزب الكتائب بقيادة بيار الجميل، ورئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية، حزب الوطنيين الأحرار بقيادة كميل شمعون، حراس الأرز بقيادة إتيان صقر، والتنظيم بقيادة جورج عدوان، فشكلت الجبهة اللبنانية. في حين أنشأ بشير الجميل القوات اللبنانية بعد ارتكابه مجازر الصفرا واكوا مارينا التي استهدفت «نمور الاحرار» وهي الميليشيا العسكرية لحزب الوطنيين الاحرار. فأحكم الجميل قبضته الحديدية على المناطق المسيحية وبات صاحب القرار الأول فيها.
في حزيران 1976 كانت الميليشيات المسيحية على وشك الانهزام اما م زحف الحركة الوطنية المظفر. حينها طالب الرئيس فرنجية وشمعون وبيار الجميل سورية بالتدخل لوقف القتال.
بين الأمس واليوم
هذا كان في الماضي، أما اليوم فالوضع يختلف، الا ان الذهنية هي نفسها التي تغذي الطائفية التي تولد الصراعات المذهبية والانقسام المجتمعي والسياسي والمناطقي. وزعماء الحرب هم انفسهم الا انهم يحاضرون اليوم عن السلام وعن اسباب هذه الحرب وما زالوا هم اسياد اللعبة.
بالامس كان الخلاف بين القوى المسيحية والفلسطينيين، أما اليوم فالخلاف بين بعض القوى المسيحية المنضوية تحت لواء 14 آذار وبين حزب الله وحلفائه وضمنهم القسم الأكبر من المسيحيين، على خلفية سلاح المقاومة.
ومع ذلك، يعتبر رئيس حزب الكتائب السابق كريم بقرادوني ان وضع السلاح اليوم مختلف عن العام 75، وهذا يوجب على قوى 14 آذار، ان تغير من نهجها المعتمد فحزب الله حزب لبناني ولا خوف على توطينه، وسلاحه هوللدفاع عن لبنان ولتحرير ما تبقى من ارض محتلة من قبل «اسرائيل» ولسنا بحاجة الى تدخل خارجي والى قرارات دولية لنزع سلاحه، في حين ان الفلسطيني، كما يقول بقرادوني، كان يستخدم سلاحه ضد اللبنانيين، وكان هناك خوف من توطينه في لبنان، وكنا بحاجة الى تدخل عربي وحتى اقليمي لوقف استعمال سلاحه ضد اللبنانيين .
انقسام مسيحي
وفي موازاة ذلك، فإن الخطاب السياسي المسيحي اليوم ليس موحدا أوذا مضمون واحد على المستويين الداخلي والاستراتيجي، بل ينقسم الى خطين: الأول يمثله التيار الوطني الحر الذي ابتعد عن الحالة السياسية التي كان ينتهجها في بداية الحرب المشؤومة، وخطابه اصبح مغايراً لما كان عليه في ذلك الزمن الرديء لكي يلتقي مع الموقف الوطني العربي والقومي، ومع محور المقاومة والممانعة والتصدي للعدو «الاسرائيلي». فالتيار الوطني الحر يفخر اليوم بسلاح المقاومة الذي حافظ على كرامة اللبنانيين كما يقول انصار التيار. والعماد ميشال عون يسأل كيف يجب أن ندافع عن أنفسنا إذا لم يكن لدينا مقاومة. وللمرة الأولى في عدوان تموز يقف المسيحيون في مواجهة أعتى حرب «إسرائيلية» الا ان هذا التحول النوعي والتاريخي في الخطاب السياسي الى جانب المقاومة وضد الاحتلال، لم يرق للبعض في الداخل والخارج فأراد معاقبته مع التذكير بان خياره هومواجهة «إسرائيل» لا معاداة السنّة كما يروّج أنصار المستقبل.
والشق الثاني من الخطاب يتمثل بخطاب حزب الكتائب والقوات اللبنانية اللذين يلتقيان مع المشروع الاميركي «الاسرائيلي» للبنان ولهذه المنطقة .
واذ تعتبر بعض الاوساط أن الخيانة هي فعل ارادي، فانها تحصل أحيانا عبر التلاقي الموضوعي بين خطاب سياسي محلي وموقف «اسرائيلي». وهنا ينبغي ان تتنبه هذه القوى جيدا الى كون مواقفها المعلنة وخياراتها السياسية تصب في مصلحة العدووان تعيد النظر في خطابها العام وخياراتها لكي لا تحسب عليها تهمة الخيانة، لا سيما أن خطاباتها تمس بالثوابت الوطنية والعيش المشترك والاحترام المتبادل بين الطوائف وبقضايا وطنية.
كل ذلك، يحمل في طياته إرهاصات حرب أهلية جديدة، لكن ما يحول دون ترجمتها على الأرض بحسب مصادر سياسية، هوانعدام فرص الصدام الثنائي بين معسكرين، وما يمنع ذلك هو، الفريق الذي يملك السلاح الأقوى بالرغم من كل وتيرة التحريض العالية ضده. والعامل الثاني عدم وجود محاور دولية متقاتلة أو تتنافس على النفوذ كما كان الحال بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي عام 1975، أضف إلى ذلك، خسارة «إسرائيل» جبهة كبيرة كانت تنفذ مشاريعها في لبنان وذلك بعد انضواء السواد الاعظم من هذه الجبهة بقيادة العماد ميشال عون تحت لواء المقاومة والمعسكر الوطني.
|