ردود الفعل الدولية، خصوصاً الأميركية منها والأوروبية، على خطاب الرئيس بشار الأسد الذي ألقاه على مدرج جامعة دمشق لم يكن مفاجئاً، لأن هؤلاء هم أصحاب ورؤوس المؤامرة المدبّرة لسورية وقيادتها وشعبها، وهم لا يريدون في الحقيقة الإصلاح والحرية للشعب السوري، كما يدّعون، بل همهم الأساسي هو تغيير النظام في الدرجة الأولى، وإذا عجزوا عن ذلك، فسيسعون على الأقل إلى إضعافه لكي يتمكنوا من إمرار مشاريعهم التقسيمية في الوطن العربي، خدمة لبقاء “إسرائيل” وأمنها واستقرارها ضمن محيط عربي ممزق لأن كل دولة فيه منشغلة في همومها الداخلية، وعلى وجه الخصوص بقاء حالة الإرباك الأمني والاستنزاف مثلما يحاولون فعله في سورية.
فخطاب الرئيس الأسد جاء في مرحلة فاصلة ودقيقة من حيث التوقيت والمضمون، وهو حرص على أن يكون مضمونه موجّهاً الى الداخل فقط، وليس الى الخارج، لأن الرئيس الأسد على قناعة تامة أنه طالما كان الداخل السوري موحّداً ومتماسكاً، فمواجهة الخارج تصبح من الأمور الثانوية، وعندها فقط يتراجع التدخل الخارجي الفاضح في شؤون سورية الداخلية.
وترى مصادر سياسية مواكبة لسير الأمور في سورية، أن خطاب الرئيس الأسد جاء بمثابة الإعلان عن الانتقال إلى الهجوم في قيادة التغيير السياسي، بناء على المصالح والأجندة السورية، والتصدّي للمخطط الاستعماري والمؤامرات التي لم تتوقف يوماً، كونها ثمرة موقفها ودورها وخيارات شعبها الاستقلالية المقاومة، لأن الأصل في التصدّي للمؤامرات هو بناء المناعة الداخلية، وإقفال الطريق أمام أي استثمار يقوم به أعداء سورية لإحداث ثغرات ومشكلات داخلها، فالقاعدة الأساس في خطة الرئيس الأسد للإصلاح والتغيير، هي أنها الطريق الوطنية السورية لبناء المناعة الداخلية في وجه المؤامرة الاستعمارية الأميركية ـ “الإسرائيلية” التي انخرطت فيها قوى وجهات إقليمية وعربية عديدة، جنّدت جماعات وحالات سورية في حركتها.
لقد رفع الرئيس الأسد سقف المشروع الإصلاحي بطرح الخيارات أمام الشعب، سواء في حال كان المطلوب تعديل الدستور، وبالتحديد المادة الثامنة منه، والانتقال إلى نظام برلماني تعددي جديد من خلال قانوني الأحزاب والانتخابات الجديدين، أو عبر تشكيل جمعية تأسيسية سورية تضع دستوراً جديداً، وفي وسط هذا الخيار الدستوري أدرج الرئيس مجموع الخطوات السياسية والتشريعية التي أنجز العمل عليها أو يكاد، لتكريس التعددية السياسية والإعلامية والحزبية في الحياة العامة السورية.
هذه الخطوات الإصلاحية الكبيرة التي نفذ قسم منها، والآخر في طريقه إلى التنفيذ، لم تر فيها الدول الأوروبية ولا الولايات المتحدة تطوراً مهماً في الحياة السياسية السورية، لأن هذه الدول مع بعض الكيانات العربية المشبوهة، هي التي اتخذت قراراً منذ سنوات بضرورة تركيع سورية، والضغط عليها، من أجل تحقيق أهداف أخرى، لها طابع استراتيجي في المنطقة. فسورية ليست دولة نفطية، ولا تملك ثروات معدنية مدفونة في أرضها، ولكنها تملك الموقع الاستراتيجي والقومي في هذه المنطقة، موقع الممانعة والمواجهة ودعم حركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، من أجل كل ذلك كان الاستهداف لسورية ينطلق من مبدأ حماية وجود “إسرائيل” في المنطقة، والاستيلاء على النفط والثروات الأخرى فيها.
ولكن السؤال يبقى لماذا مضمون خطاب الرئيس الأسد لقي ترحيباً واهتماماً من قبل دول كبرى في العالم مثل روسيا والصين والبرازيل والهند، ولم يلق ترحيباً من الدول الأوروبية المتمثلة حالياً في تولي مهمة العداء لسورية وهي فرنسا وبريطانيا. الجواب واضح لأن روسيا والصين وغيرهما ليستا شريكتين في التآمر على سورية وشعبها، بغض النظر عن لعبة المصالح.
بكلمة واحدة، حمل خطاب الرئيس الأسد الإعلان عن انطلاق مرحلة جديدة في تاريخ سورية، مع بداية الحوار الوطني والإعلان عن خطة التحديث والإصلاح، وهذا ما يجعل العازفين عن المشاركة في الحوار بسبب الرهانات على الخارج وتدخلاته المعادية لسورية في عزلة عن الغالبية الساحقة داخل سورية التي حسمت أمرها وعبّرت عن ثقتها بقيادة الرئيس بشار الأسد الاستقلالية التحررية ومشروعه الحضاري الديمقراطي.
ة واليت نفذ قسم منها والآخر في طريقه إلى التنفيذ لم تر فيها الدول الأوروبية ولا الولايات المتحدة تطوراً
|