| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2011-07-08 |
جريمة أنطون سعاده |
|
كانت الطبقة السياسية مرتاحة لوضعها المستقر منذ أجيال، تتوارث السلطة التي قبضت عليها بالرشى والخداع والتزلم للسيد الأجنبي. وكانت أمينة لسيدها في الخارج مهما تبدّل، مطيعة أوامره، منفذة تعليماته بدقة، حريصة على مصالحه، وينالها منه ما ينالها من الفتات المتساقط من موائده. جاء أنطون سعاده يتحدث لغة جديدة، أراد تعليمها لكل الشعب. لغة تحمل الكثير من الكبرياء والعنفوان والتحدي، لغة تعيد الى الشعب ثقته بنفسه وتزيل الحواجز المصطنعة التي تقسمه وتعطل تواصله، لغة تجعله مواطناً مسؤولاً يتمتع بالمساواة الكاملة مع اخوته في الوطن. لغة تعطيه الحرية وتعلمه الواجب وتربيه على النظام وتمنحه القوة. لغة تفجر طاقاته الإبداعية لأنها تحرره من الجهل والخرافات والأوهام، وتحرّره من كل عوامل الخوف التي حرصت الطبقة السياسية على تعزيزها واستثمارها. لغة تخرجه من القرون الوسطى وتدخله ثقافة العصر. لغة نهضة حقيقية تؤسس لاستقلال الأمة واستعادة سيادتها، وتضع حدّاً للمؤامرات والأطماع الخارجية، وتحوّل الوطن من ساحة تتصارع عليها الأمم الكواسر الى وطن لأمة سيدة حرة تساهم في الثقافة الانسانية بشكل رائد ومميز، معيدة بشكل متجدد مسيرة الابداع الحضاري الذي أسهمت في وضع قواعده منذ فجر التاريخ. لغة سعاده الجديدة يفهمها الأميّ ويعجَب بها المثقف والفيلسوف. لغة مباشرة تخاطب العقل والوجدان وتؤمّن مصلحة الأمة التي هي مصلحة جميع الشعب. "لم آتكم بالخوارق والمعجزات بل بالحقيقة التي هي أنتم " (سعاده). الحقيقة هي أنكم شعب واحد وأمة واحدة، ليس لأنكم من أصل واحد، بل لأنكم تشتركون في الحياة الواحدة. ليست كل عشيرة أو طائفة أمة لها قضيتها الخاصة ومصالحها الخاصة كما يوهمونكم. أنتم لستم قطعاناً ورعايا تقودها الطبقة السياسية خدمة للأجنبي. أنتم لستم قبائل وطوائف تقاد الى الاقتتال الديني والمذهبي، لتمرير مشاريع الغرب ومخططاته. مصالحكم الأساسية في الحياة واحدة، من حقكم التعليم والطبابة والعمل وضمان شيخوختكم، من حقكم الحياة الحرة والكريمة في وطنكم من دون منّة من أحد. يحاول الأجنبي بالتعاون مع الطبقة السياسية القائمة تقسيمكم وتفتيتكم وإخضاعكم فكرياً وثقافياً، وتغريبكم وإلهاءكم، ليسهل اخضاعكم وسلبكم حقوقكم والقضاء على مستقبلكم. الوقوف على أبواب السفارات ليس حلاً لمشاكلكم، والهجرة الى بلدان حرة لن تفيدكم. "إن لم تكونوا أنتم أحراراً ومن أمة حرة فحريات الأمم عار عليكم" (سعاده). "حق الصراع هو حق التقدم ولسنا متنازلين عن هذا الحق للذين يبشرون بالسلام ويهيئون للحرب" و"القوة هي القول الفصل في اقرار الحق القومي" (سعاده). هذه هي لغة سعاده التي أزعجت الطبقة الحاكمة في الداخل وأزعجت أسيادها في الخارج. لذلك بدأت المؤامرة ضده منذ بداية نشر لغته. فحاولوا ولا يزالون يحاولون منعها من الوصول الى الشعب. وحاولوا قتله مرات عدة زمن الانتداب الفرنسي وزمن دويلة الاستقلال المزعوم. اللغة التي توحد الشعب هي الجريمة الكبرى في نظر الطبقة الحاكمة وفي نظر أسيادها. هي جريمة في نظرهم لأنها لغة الوعي والنهوض، لغة الوحدة والمقاومة، لغة الحرية والسيادة والاستقلال، اللغة المعطلة لمصالح الاستعمار ومصالح الطبقة المحلية. وهي لغة مرفوضة لأنها تفضح اللغة القائمة، وتفضح النفاق والأكاذيب في خطاب السلطة، لذلك يجب أن يُعدم صاحبها ويجب أن يلاحَق ويضطهد أتباعها. لم يجر اغتيال سعاده، لأنه أعلن الثورة، بل بسبب اللغة الجديدة التي نشرها. لغة سعاده هي جريمته عند أهل السلطة. لذلك أعدموه بمحاكمة مهزلة، قرارها متخذ في الدوائر الاستعمارية الأجنبية. جريمتنا نحن إذا لم نقرأ هذه اللغة، وإذا لم نعمل على نشرها حتى تنتصر وتزيل اللغة الكريهة المستمرة في نشر الحقد والبغضاء والفتن. جريمتنا إذا لم نعمل بمقتضى أصول لغة سعاده وقواعدها، وإذا لم ننطلق من مرتكزاتها إلى الآفاق المفتوحة بنور العقل ومنهج العلم وعزيمة الإرادة لتحقيق مصالح الأمة.
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |