كان وليد جنبلاط ولا يزال، هيرقليطس السياسة في لبنان.. الثبات الموروث عن بارمنيدس، كسل خطر، وامتناع عن القفز إلى طوق النجاة، والعبور إلى شاطئ الأمان الطائفي. أليس لذلك ينقلب جنبلاط على نفسه وعلى الجميع؟ أليس لأن الأمان الوطني منعدم، والسلم الطائفي مقلقل؟
لا جديد أبداً، في تنقلات جنبلاط. إنها قاعدة سياسية «مباركة»، يفرضها منطق البحث عن تسوية. فإذا تعذرت التسوية على مستوى البلد برمته، فلا بأس من الفوز بتسوية جزئية تحفظ الموقع وتتجنب الهاوية.
غير أن جنبلاط، في إطلالته الأخيرة، عبر الـ M.T.V، مع الزميل وليد عبود، تحوّل إلى حكيم، رافضاً ان يتشبه بملائكة 14 آذار الجدد. وأسفرت حكمته الجديدة، عن اجتراح معجزة، غير قابلة للإنجاز: معجزة التسوية، بين السيد حسن نصر الله وما ومن يمثل، وبين سعد الحريري وما ومن يدور في فلكه.
العبور إلى التسوية المفترضة، تتطلب ما لا طاقة للاثنين عليه. فهي تقضي، بأن تستمر المحكمة في عملها، لكشف الحقيقة، على ان يترك «للقدر» (هكذا بالضبط) حظه في ممارسة العدالة. فالمحكمة، التي يستحيل إيقافها لأنها خارج الارادة اللبنانية (إذا اتحدت) ستفضي إلى اتهام ومحاكمة وعقوبات. ولا شك بأن من سمتهم المحكمة متهمين ومن ستسميهم، في ما بعد، ستصدر بحقهم احكام... غير قابلة للتنفيذ. وعليه، فإن الحقيقة مستعجلة والعدالة مؤجلة.
والعبور إلى التسوية، يلزم الحريري، بأن يقبل بمنطق المصارحة والمصالحة. وليس المسامحة. لأن الأخيرة مرفوضة من «حزب الله»، كونها تفضي إلى قبول بالاتهام، وبأن عناصر فيه، قامت بالارتكاب.
حتى الآن، يبدو أن التسوية معقدة، أو مستحيلة. لأن الحريري، متمسك بحذافير المحكمة، ونصر الله مستبعد لما يمت إليها بصلة. فلا الأول يغفل عن معرفة القتلة، ولا الثاني مستعد لقبول التهمة. ثم إن الرأي الملتئم حولهما، مقتنع بما يشبه المسلمات. ففريق الحريري، يظهر بجلاء ان القتلة هم من حزب الله، ويضمر أخطر من ذلك، تماماً كما أكد في السابق، ان القتلة هم الضباط الأربعة ومن خلفهم سوريا. أما فريق حزب الله، فمتأكد، بما يشبه المسلمات الإيمانية، ان المطلوب، ليس المتهمين، بل سلاح المقاومة. وهذا السلاح، تعرّض على مدار عمره، إلى طعنات من الخلف، ومواجهات في الصدر، وصلت إلى شن «حرب دولية» في تموز 2006، لإخراجه من المواجهات الإقليمية والداخلية.
حتى الآن، تبدو محاولة جنبلاط، كمن يجمع الماء والنار معاً. فمن يقنع الحريري بعكس قناعاته؟ ومن يقنع حزب الله بغير خياراته؟ وخلف القناعات والخيارات، دول عظمى، وأطراف إقليمية، وشعوب طائفية ومذهبية وأموال لا عد ولا حصر لها؟ من يمكنه أن يقوم بأدنى من ذلك؟ لقد حاولت «السين سين». أفشلتها أميركا وسوريا، فأخرجت الحريري من السلطة... وهناك خوف من خروج كبير ومديد، إلا إذا ربح الرهان على تغيير جذري في سوريا.
إنها معقدة، وعلى ألف طاق وطاق، وباللهجة الدرزية، على «ثلاثة طوق» بعد الثلاثمئة.
العبور إلى التسوية، يبدأ «بالمرحبا». فلا مشافهة بعد اليوم، بين الرجلين إلا بحضور شهود (غير شهود الزور). والعبور إلى التسوية يلزمه معجزة نسيان أربعة عشر قرناً من التاريخ المستعاد، بكل فجاجة، بين السنة والشيعة.
لقد كان جنبلاط دقيقاً وصادقاً إلى حد اليأس.. فما يقدر عليه هو هيرقليطيا، لا يستطيعه نصر الله والحريري. فالأول مؤتمن على السلاح والقضية، والآخر مؤتمن عن الدم والضحية. ولا أحد قادر على بيع ذرة مما لديه، وإذا فعل، خسر الدنيا والآخرة السياسية والنضالية. فأحياناً. تأكل الجموع آلهتها. فلا تسوية... ولو اجتمعت ملائكة السياسة وشياطينها. هذا هو لبنان أيها السادة!
|