إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

دجلة والفرات وصراع البقاء

راجي سعد

نسخة للطباعة 2011-08-12

الارشيف

في بداية التاريخ المتمدن استطاع الانسان الذي يقطن على مصب نهري دجلة والفرات ان يواجه التحدي البيئي من صحراء مجاورة ومناخ حار وفياضانات موسمية فسخر هذه البيئة لتطوره وتحسين معيشته بحفر القنوات واستغلال المياه لري الاراضي وكان نتيجة ذلك ان تأسست الزراعة وتأسس معها اول اجتماع بشري حضاري فاضت خيراته عن احتياجاته. لتصريف هذه الخيرات، ابتدا السومريون التجارة ووضعوا الشرائع والقوانين لتنظيم المجتمع الذي توسع شمالا على طول ضفاف النهرين فتفاعل ايجابيا مع الآكاديين والبابليين ومن ثم الاشوريين ولم يوقف وهجه وامتداده الحضاري الا الفواصل الطبيعية من جبال طوروس وزغروس في الشمال والشرق والصحراء في الجنوب.


هذا الاشعاع الحضاري الآتي من ضفاف دجلة والفرات في الشرق لم يجد له منفذا الا على ضفاف المتوسط في الغرب حيث لاقاه اشعاع حضاري كنعاني-آرامي كان هو الآخر قد وضع مداميك اساسية في نقل الانسان من عصره الحجري الى مسيرة التمدن من خلال احرفه الابجدية وتبادله التجاري لانتاجه الصناعي مع شعوب حوض البحر المتوسط. هذا اللقاء الحضاري امتزج وتفاعل بشكل طوعي ومتجانس فانشأ امة اكتمل اشعاعها على كامل بيئتها الطبيعية الخصبة من زغروس الى المتوسط ومن طوروس الى الصحراء العربية. رغم ان الاشوريون انتصروا على الآراميين عسكريا لكنهم تبنوا احرف ابجديهم ولغتهم لسهولتها واصبحت الاحرف الآرامية-الكنعانية لغة الامة الاشورية (تطور الاسم في ما بعد ليصبح سوريا) واصبحت هذه الاحرف في ما بعد اساس كل اللغات في العالم. بين الزراعة والصناعة والتجارة والابجدية استطاعت هذه الامة الفتية ان تنقل الانسان من الحياة البدائية الى حياة جديدة اصبح فيها العقل يتحكم بالموارد الطبيعية وفُتح فيها المجال للتواصل بين جميع الامم لخير الانسان.


هذا الابداع الحضاري اصيب بعدة نكسات اعاقت تقدمه وكادت ان تضيع هويته وكان اولها في العام 539 ق.م. عندما غزاه الفرس من الشرق وقضوا على الدولة البابلية. تبع هذا الغزو غزوات اخرى اغريقية ورومانية استمرت حوالي 11 قرنا حتى القرن السابع بعد الميلاد. أخطر ما حصل خلال هذه الفترة هو انشطار الامة السورية الى شطرين شرقي تحت سيطرة الفرس وغربي تحت سيطرة الاغريق ومن ثم الرومان. هذا الانشطار زاد في تجويف بادية الشام و"كاد يفصل بين الشّام والعراق أو بين شرق سوريا وغربها لولا النّهران السّوريان العظيمان الفرات ودجلة اللّذان حفظا استمرار العمران السّوريّ وإمكانية تكاثره وتوثيق الحياة القوميّة ضمنه." كما ذكر سعاده في كتابه نشوء الامم.


بعد اكثر من 1100 سنة من الجمود والتراجع بسبب الغزوات والهجرات المتتالية استطاعت الامة السورية ان تستوعب كل الهجرات الجديدة التي اتت اليها خلال هذه الفترة ونهضت بهم ثانية بعد الفتح العربي عند انتقال قيادة الدولة الاسلامية الى دمشق في العام 661م ومن ثم بغداد في العام 750م. هذا الانبعاث الجديد لم يكن ممكنا لولا الثروه المادية لهذه الامة المتمثلة بشبكة الانهر السورية التي تربطها من دجلة والفرات وروافدهما في الشمال والشرق الى بردى والعاصي والاردن والليطاني في الغرب، ولولا الثروة النفسية-الروحية المتمثلة بشعب حي اجاد استعمال هذه الثروة فكرا وصناعة وغلالا. خلال هذه الفترة عولمة سوريا الاسلام وقادت الامبراطورية الاسلامية من الصين الى أوروبا فقدمت للبشرية الكثير في علم الرياضيات والفلك والطب وغيرها


مرة اخرى لم يكتب لهذا الاشعاع الحضاري ان يستمر اكثر من ثلاثة قرون فاستمرت الهجرات والغزوات وتفككت الدولة المركزية في بغداد وتقاسم غنائمها الفرس والمغول والصليبيين والعثمانيين الاتراك، ومن ثم الفرنسيين والانكليز الذين افرغوا كل حقدهم وغضبهم على امة هنيبعل وهشام وهارون الرشيد وصلاح الدين في معاهدة سايكس-بيكو فشلعوها اربا واقاموا الدولة العنصرية اليهودية على جنوبها. رغم تفتيت الامة السورية ورغم مرور اكثرمن 60 سنة على قيام دولة اسرائيل والدعم المادي والمعنوي الغربي لها، لم تستطع بعد ان تكسر روح وارادة الامة السورية في البقاء والنهوض. يعرف الغرب واسرائيل تمام المعرفة ان هذه الامة ما زالت قادرة على النهوض اذا آمنت بعقيدة توحد ارادتها ويعرفون ايضا ان نهوضها سيهدد الدولة العنصرية الصهيونية ويضع حدا لمطامع الغرب الاستعماري وبذلك سيُغير وجه التاريخ. لتفادي هذا المصير الآتي، لا بد من سايكس-بيكو ثانية تحت اسم شرق أوسط جديد تسلب من هذه الامة روحها بفرز شعبها في الشام والعراق على اساس عرقي طائفي، ولا بد من سلب هذه الامة معظم مواردها المادية وجر شعبها للتقاتل على الفتات لضمان عدم انبعاثها ونهضتها من جديد.


ان الغزو الاميركي الوحشي على العراق اسس النوات لمشروع سايكس-بيكو-2 فاسس الدولة الكردية التي لا ينقصها الا الاعلان عن نفسها واسس شبه دولة شيعية وسنية في الجنوب والوسط. هذا الغزو فرض نفسه على كامل المشرق فها نحن اليوم نراه ينتقل الى الشام باساليب مختلفة لخلق صراع سني-علوي او اكثري-اقلوي لن ينتج عنه اذا نجح الا تفتيت للشام ولبنان تحت عناوين فدرالية وديمقراطية مختلفة. هذا التقسيم سيشرع للدولة اليهودية عنصريتها كدولة صافية العرق والدين وكاحدى الدول العنصرية التي تعج بها المنطقة.


بموازاة ذلك تنفذ خطة اكثر خطورة لسلب هذه الامة ثروتها التي ضمنت لها النهوض والابداع بعد كل مرة ظنها فيها اعدائها منقرضة. عندما عرض الاتراك مشروع جنوب شرق الاناضول المعروف بالغاب (GAP) على الاميركيين كان الرد ان المشروع محدود ويمكن ان يكون اكثر طموحا وشمولا. وسعت تركيا المشروع على دجلة والفرات ليشمل 22 سدا لري اكثر من 1,7 هكتار و19 محطة لتوليد الطاقة الكهربائية، وبذلك تحجب عن الشام والعراق اكثر من 60% من مياه دجلة والفرات التي مصدرها تركيا وتهدد البلدين بالتصحر. الاسرائيليون بدورهم ابدوا اهتماما ملحوظا بالمشروع بعد العام 1993 فقدموا الهبات والقروض والمساعدات التقنية التي كانت عاملا اساسيا لضمان استمرار المشروع، ووقعوا على بروتوكولات مع الحكومة التركية سمحت لهم بشراء الاراضي في منطقة المشروع المتاخمة للحدود الشامية-العراقية. لقد أُنجز اكثر من 85% من المشروع واهمها سد اتاتورك ومن المتوقع ان ينتهي العمل بالمشروع بعد الانتهاء من سد أليسو العملاق على دجلة قبل 2020. النتائج الكارثية على الشام والعراق لم تنتطر الى 2020 فها هي قد بدأت تتجلى بتهجير 300 الف شامي من منطقة الجزيرة الى دمشق والساحل في 2009 وبفقدان الشام لاكثر من نصف انتاجها من القمح والعراق لاكثر من نصف مجمل انتاجه الزراعي في العامين الماضيين!. هذا غيض من فيض فالأتي قد يكون اعظم، ففي تقرير صادر عن الامم المتحدة (يونيسف) هذا العام وفي تقريرين للمنظمة الدولية للبحوث ولمنظمة المياه الاوروبية في 2007، استنتجت جميعها احتمال موت نهري دجلة والفرات في العراق في العام 2040 بسبب السدود التركية والتغيرات المناخية. كذلك فالعالم الياباني، أكيو كيتوه، من معهد متيولوجيكل للابحاث في اليابان، الذي يدرس تحولات الطقس وتأثير السدود التركية، توقع "زوال الهلال الخصيب القديم في هذا القرن والعملية قد بدأت".

ان مسالة دجلة والفرات ليست مسالة بيئية بحت يمكن المساومة عليها. ان دجلة والفرات هما هبة الامة السورية واساس رقيها ومجدها. على ضفافهما انصهرت الشعوب وتمازجت فكونت الامة السورية التي اعطت العالم احدى اعظم الحضارات التي نقلت الانسان من العصر الحجري الى العصر المتمدن، وبفضلهما استمرت وحدة المجتمع السوري بين الشام والعراق فصدوا امتداد الصحراء عليه من الجنوب ومنعوا انشطاره الى مجتمعين منفصلين كما ذكر سعاده. ان مسالة دجلة والفرات هي مسالة حياة او موت للامة السورية وبدونهما لن تكون هناك نهضة ولا قيامة.

في الثلاثينات حذر سعاده من ان الامة السورية تقف بين الحياة والموت وها نحن بعد 80 سنة من تاسيسه حزب "الامة السورية مصغرة" ورغم التضحيات لا نستطيع الا ان نعترف بالحقيقة المرة التي تقول ان الامة السورية اليوم اقتربت كثيرا من الموت. رغم الواقع المرير ما زال هناك امل بان نعكس مسيرة الامة ومواجهة الاخطار الوجودية التي تهددها. على الحزب السوري القومي الاجتماعي، ضمير هذه الامة وباعث نهضتها، ان يعتبر مسالة دجلة والفرات، كمسالة فلسطين، مسالة وجودية تهدد الامة السورية بالزوال والتوجه الفعلي لوضع الخطة المعاكسة لمواجهة هذا الخطر.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017