إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

المقابلة الملتبسة : كيف يمكن اللقاء بين «أشباح»؟

نبيل هيثم - السفير

نسخة للطباعة 2011-08-22

إقرأ ايضاً


خيمت على الشارع اللبناني اسئلة كثيرة حول ما قالت مجلة «التايم» الاميركية انها مقابلة مع احد افراد «حزب الله» الذين تتهمهم المحكمة الدولية بالتورّط في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخاصة حول توقيتها الذي يتزامن مع الخطوات المتلاحقة للمحكمة على المسرح اللبناني، التي تدرجت فيها بشكل تصاعدي منذ انتهاء مهلة الثلاثين يوما لالقاء القبض على المتهمين، وكذلك حول مدى صدقية مضمون تلك المقابلة، ومن هو هذا «المتهم» او «الشبح» المجهول الهوية الذي قال مراسل المجلة الاميركية في بيروت انه وجد نفسه وجها لوجه معه اثناء محادثة بينه وبين من وصفه بالمصدر المسؤول في «حزب الله». وايضا حول ابعاد اقترانها بالهجوم الاتهامي الذي شنه سعد الحريري وحلفاؤه ضد «حزب الله» على الرغم من نفي الحزب لتلك المقابلة جملة وتفصيلا؟

فجأة تبدل اتجاه الريح، وتبدلت الاولوية من البحث عن هوية «المتهم» بطل مقابلة «التايم»، الى البحث عن هوية من أجرى المقابلة، والذي اصبح مجهول الهوية ومحل الاقامة، وخاصة بعد التخبط الذي ظهر من جانب المجلة الاميركية التي ابقت على تبنيها للمقابلة، وان شخصا ينتمي اليها اجراها مع عضو «حزب الله»، الا انها لم تستطع ان تقدم شخصا بعينه على انه الصحافي الذي اجراها. فمراسلها في بيروت نيكولاس بلانفورد الذي ورد اسمه بداية على انه المعني بالمقابلة وتردد كلام كثير حول علاقات تربطه بقياديين في «حزب الله» وحول مروحة العلاقات الواسعة التي يملكها في لبنان، حرص بالأمس على النأي بنفسه عن تلك المقابلة ونفى علاقته بها، مشيرا الى ان من اجراها شخص آخر غيره. وان جل ما قام به، هو اقتطاع جزء منها، بالتنسيق مع ادارة المجلة، ووضعه في متن مقالته التي نشرتها «التايم» قبل نهاية الاسبوع الماضي.

ماذا يعني ذلك؟

ان مبادرة مراسل «التايم» في بيروت الى نفي ما نسب اليه، وتغييب هوية «الفاعل الحقيقي»، يدخلان المجلة التي يقال عنها انها رصينة، الى منطقة الشبهة، ويعززان المنطق التشكيكي الذي احاط بتلك المقابلة، سواء حول توقيتها او مضمونها الروائي البوليسي او مراميها، وثمة من اعتبرها شبيهة بحلقات «ديرشبيغل» و«الفيغارو « وغيرهما. وفي هذا السياق تحضر الملاحظات التالية:

اولا: هل توجد مقابلة أصلا، ام هي مفبركة كما اكد «حزب الله»؟

ثانيا: لماذا لم ينف مراسل الصحيفة مسؤوليته فور نسب المقابلة اليه، ولماذا انتظر ما يزيد عن 48 ساعة للتبرؤ منها، ولماذا عندما سأله «تلفزيون الجديد» عن المقابلة لم ينف، بل قال «كل شيء واضح في المقابلة».

ثالثا: تبدي مجلة «التايم» اصرارا على وجود مقابلة اجراها مراسل ينتمي اليها مع احد افراد حزب الله المتهمين، فمن هو، هل هو شبح؟ ولماذا لا تعلن هويته، وهل ثمة ما يمنع الافصاح عن اسمه ان كان موجودا؟

رابعا:هل وقعت المجلة في فخ مقابلة «مفبركة» تورّطت في نشرها، ام انها عمدت الى ذلك في سياق الحملة الاتهامية ضد «حزب الله» على غرار تسريبات «ديرشبيغل»؟

خامسا: ما الذي حصل داخل مجلة «التايم» ليحرص مراسلها في بيروت على نفي مسؤوليته عن المقابلة، وهل سنشهد لاحقا تراجعات جديدة من قبل المجلة؟

سادسا: لقد حصلت واقعة نشر المقابلة، لكن هل ساهمت في صياغتها أصابع لبنانية ، ذات خيال واسع، وهل ثمة علاقة بين نشر تلك المقابلة وبين التحرك المكثف للمحكمة الدولية على المسرح اللبناني، بما يؤشر الى «امر ما» سيحصل عاجلا او آجلا؟

سابعا: الا يشكل نفي مراسل «التايم» اخبارا للنيابة العامة اللبنانية، وايضا للمحكمة الدولية ، للتحرّك واجراء المقتضى، سواء مع المراسل، او مع ادارة «التايم»، لكشف الحقيقة بهذا الشأن، علما ان بلانفورد سبق ان وصف المقابلة بأنها دقيقة، ولو لم تكن كذلك لما سمحت ادارة المجلة بنشرها، وبالتالي ينبغي تبيان ما اذا كان الامر دقيقا فعلا، ام انه فصل جديد من فصول شهود الزور؟

ثامنا: هل هذا التطور الخطير التي ظهر مع المقابلة، سيحمل «حزب الله» على تقديم عينة جديدة مما لديه من قرائن وادلة تدحض الاتهامات وتخرج الجمهور اللبناني مما يتقاذفه من امواج سياسية وفبركات؟

بناء على ما تقدم، يقول احد المقربين من «حزب الله» ان مقابلة «التايم» اقرب الى رمية من دون رام بالنسبة الى الحزب، وقدمت الى اللبنانيين شاهد زور جديدا في هذه القضية. وليس مستبعدا ان يفرز العقل الشيطاني المزيد من شهود الزور في الغرف السوداء. وفي رأيه فإن ما استجد من نفي وتخبط قد يرشد الباحثين عن اجابات دقيقة حول مدى صدقية مضمون المقابلة، الى الاستنتاج الصحيح والتمييز بين ما هو واقعي وما هو خيالي من نسج المطابخ. وهو يضع المقابلة المزعومة في سياق سعي فريق الاتهام الداخلي والخارجي الى تحقيق جملة اهداف ومنها:

الاول: احداث بلبلة داخلية في لبنان وافتعال صدى بمفعول رجعي للقرار الاتهامي، وخاصة بعدما مرّ هذا القرار من دون ان يترك اثرا او ان يحدث الدوي الكبير على المسرح اللبناني.

الثاني :احراج الدولة اللبنانية، وبدا جليا في هذا السياق التحرك الجماعي لفريق الاتهام الداخلي وفي مقدمته سعد الحريري الذي سارع الى تبني مضمون المقابلة.

الثالث: احداث الوقيعة بين «حزب الله» وبين الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي وخلق شرخ سياسي بين مكونات الحكومة على قاعدة ان «حزب الله» يتصرف كأنه اعلى من الدولة والحكومة ومن كل الطبقة السياسية وفوق كل مؤسساتها السياسية والقانونية والعدلية.

الرابع: استفزاز «حزب الله»، وهنا تجدر الاشارة الى محاولة سمير جعجع توجيه الاصابع نحو قيادة «حزب الله» وامينه العام، ونفي احتمال الخرق الاسرائيلي لقطاع الاتصالات في لبنان.

الخامس: ان يزرع في الذهن العام ان القرار الاتهامي هو حكم نهائي بان «حزب الله» هو قاتل رفيق الحريري. ويتجلى ذلك في المنحى الذي تسلكه مواقف تيار المستقبل وحلفائه، مناقضا في ذلك مقولته التي رفعها منذ مدة واعلن فيها انه «لا يجب القلق من القرار الاتهامي، فعندما يصدر سندرسه وندقق فيه، ولن نقتنع به الا اذا كان مبنيا على ادلة قاطعة»، لكنه الآن يتصرف بعكس تلك المقولة ويتحدث عن ادلة قاطعة ضمن القرار الاتهامي، علما بأن القرار نفسه يتحدث عن ادلة ظرفية واستنتاجات وليس اثباتات.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026