يجد المدعي العام في المحكمة الخاصة بلبنان القاضي دانيال بيلمار الوقت الكافي لإصدار بيانات الترحيب بالمصادقة على قراره الاتهامي الأوّل، والإشادة بأدلّته الظرفية غير المقنعة قانوناً، والدفاع عن العاملين في مكتبه من ضبّاط الاستخبارات الأجنبية، وحثّ الأشخاص الذين يزعم بأنّهم ارتكبوا جريمة 14 شباط 2005 من «حزب الله» على تسليم أنفسهم، واستثارة عواطف ذوي الشهداء من الضحايا الذين قضوا في التفجيرات الإرهابية، حتّى بات يحوز قصب السبق والصدارة في ترتيب المدعي العامين في المحاكم الدولية العاملة والمتوقّفة، في نشر البيانات الصحافية وإطلاق التصريحات، عدا احتساب المقابلات والتسريبات والإطلالات في المحكمة، كما في موقعها الإلكتروني.
ولكنّ بيلمار لا يجد متسعاً من الزمن لمنح اللواء الركن جميل السيّد حقّه في مستندات تبيح له ملاحقة كلّ الأشخاص الذين تعاملوا على زجّه في السجن سحابة ثلاث سنوات وثمانية أشهر، من شهود تمادوا في غيّهم حتّى فقد مجنّدوهم السيطرة على ألسنتهم، فأغرقوهم معهم في مستنقع الافتراء الجنائي.
وبعد محاولات عدة للالتفاف على قرار قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين الذي ألزمه بتسليم السيّد المستندات المطلوبة، استمرّ بيلمار في ممارسة لعبة التذاكي، رافضاً الانصياع لهذا القرار الإلزامي، بدلاً من ملاقاته إلى منتصف الطريق وتطبيقه بحذافيره لكي يكون أمثولة يحتذى لسواه.
فبعد ثلاثة أيّام على انقضاء المهلة الأخيرة المعطاة له من فرانسين، تقدّم بيلمار بطلب إضافي يطلب فيه منه، تعليق مسألة تسليم المستندات إلى السيّد إلى أجل غير مسمّى، مدعياً بأنّه يريد حماية كلّ الشهود بمن فيهم شهود الزور، وأيّ شخص ليس بشاهد، بل ورد اسمه في إفادات شهود الزور الذين فجّروا «معلوماتهم الدقيقة» أمام بيلمار وسلفيه القاضيين ديتليف ميليس وسيرج برامرتز حتّى ظهر خواؤها وفراغها وعدم دقّتها، بدءاً من زهير محمّد الصدّيق، هسام هسام، ومروراً بإبراهيم ميشال جرجورة وعبد الباسط بني عودة وأكرم شكيب مراد وانتهاء بأحمد مرعي وغيرهم من المعروفين والمجهولين في حقل التجنيد والتمويل والرعاية والتلقين والمسامرة والجلسات التي كشفت جزءاً منها وثائق «ويكيليكس»، و«حقيقة ليكس».
ويحمل الطلب الجديد خطورة غير متوقّعة من مدع عام يتوجّب عليه حماية القانون وتنفيذه والتشجيع على العمل به، لا القفز فوقه وتجنّبه وإهماله. وتكمن هذه الخطورة صراحة، في أنّ بيلمار يريد حماية جميع الشهود برغم تبرئه منهم في مراحل سابقة في مقابلات إعلامية.
من الطبيعي أن يعمد بيلمار إلى حماية الشهود الذين ارتكز عليهم في قراره الاتهامي الأوّل، هذا إن وجدوا وبغضّ النظر عن صحّة كلامهم ومعطياتهم، ولا إشكال في هذا الأمر الذي يدخل في صميم عمله وواجبه.
بينما لا يحقّ لبيلمار أن يتخلّى عن القانون ليحمي شهود الزور الذين أعلن مراراً وتكراراً أنّهم لا يهمّونه ولا يبالي بوجودهم، ولا يريد الاستماع إليهم مجدّداً بعدما عاثوا في تحقيقات لجنة التحقيق فساداً وتلاعباً غير مسبوق في ملفّات محاكم دولية ومحلّية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشاهد الصدّيق الذي قال عنه بيلمار إنّه رجل غير ذي مصداقية ولن تستدعيه المحكمة الخاصة بلبنان، متخلّياً عنه ورامياً كلّ ما أدلى به جانباً، فكيف يحمي شاهداً من هذا الوزن الرخيص؟
كما أنّ الخطر الداهم الثاني في طلب بيلمار، يتجسّد في أنّه يريد أن يحمي الناس الذين لم يستمع إليهم، وإنّما وردت أسماؤهم في إفادات شهود الزور.
فلماذا يصرّ بيلمار على حماية أشخاص لم يعودوا شهوداً وأعلن أنّه غير مهتم بهم، وجارته المحكمة الخاصة بلبنان في عملية تمييع الحقيقة عندما قامت بتعديل قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بها لمنع ملاحقتهم أمامها ما داموا لم يدلوا بإفاداتهم الكاذبة أمامها؟
وزاد بيلمار خطراً ثالثاً لا يقلّ أهمّية عن الأوّلين، وهو أنّه قال إنّه يحقّ فقط للأشخاص الواردة أسماؤهم في قراره الاتهامي الاطلاع على ملفّاتهم وبعد ذلك يمكن تسليم جميل السيّد المستندات التي يطلبها، علماً أنّ هؤلاء سيطلعون حكماً على ملفّاتهم في حال قيامهم بتسليم أنفسهم إلى المحكمة من دون منّة بيلمار لأنّه أحد الحقوق الرئيسية لهم ولمحاميهم ووكلائهم القانونيين، فضلاً عن أنّه لا علاقة للمتهمّين الأربعة بشهود الزور لا من قريب ولا من بعيد، فلماذا يربط بيلمار، بطريقة ما، تسليم السيّد المستندات بتسليم المقاومين الأربعة أنفسهم؟ وما علاقة هذا بذاك؟ وكيف أمكنه التوصّل إلى هذا التداخل غير المنطقي؟
إنّ غاية بيلمار الأساسية من هذه الحماية، هي اللعب على وتر مرور الزمن بغية السماح لشهود الزور بالاستفادة من مرور الزمن الذي يمنع، في حال حصوله وهو ما يأمله بيلمار ويسرع إليه، أيّ قضاء في العالم كلّه من ملاحقة هؤلاء الشهود ومقاضاتهم، ويسقط التهم الموجّهة إليهم والتي يمكن توجيهها في المستقبل، بسبب التقادم الزمني ومروره على ارتكابها.
كما أنّ غاية بيلمار من هذه المماطلة، تأخير قيام السيّد بالادعاء على شهود الزور، لعدم امتلاكه الملفّات الرسمية والشهادات الصادرة عنهم والمستندات المتعلّقة بهم والتي تؤكّد ما ذهبوا إليه في تضليل التحقيق والتسبّب باعتقال السيّد تعسفياً.
|