إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

من "تصفير المشكلات" إلى "تصفير الحلول" ؟

د. عصام نعمان - البناء

نسخة للطباعة 2011-09-12

الارشيف

عيون العرب، كما الصهاينة، شاخصة الى رجب طيب اردوغان. فقد شدَّ السياسي التركي الرحال الى مصر، فماذا يريد منها، ومن جاريها الفلسطيني (الغزّي ) و"الإسرائيلي"؟

يدرك اردوغان ان سياسة "تصفير المشكلات" التي أقنعه بتبنيها وزير خارجيته احمد داود اوغلو، لم تؤدِ إلا الى تصفير الحلول المرتجاة لها. فلا هي نجحت مع ارمينيا ولا مع العراق ولا مع سورية ولا مع ايران، وها هي تتهاوى – لحسن الحظ – مع "اسرائيل".

سياسة " تصفير المشكلات" هي، في الأصل، من وحي الرئيس التركي الراحل تورغوت اوزال الذي كان يحلم بإحياء "العالم التركي" وقيادته من شواطىء الادرياتيك الاوروبية الى سور الصين الآسيوية. داود اوغلو استوعب الحلم ومدَّه الى العالم العربي، واشار على بلاده بأن تؤدي دور الوسيط بين دول الجوار المتنافرة والمتحاربة من اجل محو المشكلات العالقة بينها. المطلوب "صفر مشكلات" بين الدول التي تمثّل المدى الحيوي لتركيا ذات الموقع الاستراتيجي الحاكم بين اوروبا وآسيا، والمؤهلة لقيادة "العالم التركي" من بر الاناضول وجبال البلقان غرباً الى سور الصين شرقاً، ومن جمهوريات آسيا الوسطى شمالاً الى هضاب العراق وسورية جنوباً.

المدخل الى العالم العربي هو سورية. لذلك طرق اردوغان ابوابها وأقنع قيادتها بجدوى دوره كوسيط بينها وبين "اسرائيل" من اجل استعادة الجولان المحتل. كانت تركيا، آنذاك، على علاقة جيدة مع "اسرائيل". غير ان حربها العدوانية على غزة اواخرَ 2008 ومطالع 2009، ثم اعتداءها على "اسطول الحرية " وهو في طريقه الى مساعدة اهالي القطاع المحاصر، ومقتل 9 على متنه من المناصرين الاتراك للقضية الفلسطينية، عكّرت العلاقات بين انقرة وتل ابيب. ثم ما لبث اردوغان، إزاء صَلَف "اسرائيل" واصرارها على عدم الاعتذار بعد صدور قرار لجنة "بلمار"، ان صعّد تدابيره العقابية ضدها بطرد السفير "الإسرائيلي"، وخفض التمثيل الدبلوماسي الى مستوى سكرتير ثانٍ، ووقف التبادل التجاري في قطاع الصناعة الدفاعية، وتعليق الاتفاقات العسكرية.

غير ان عدم رضوخ "اسرائيل" إلى المطلب التركي بالاعتذار، دفع اردوغان الى الإعلان عن المجموعة "ج" من الاجراءات التي تنوي بلاده فرضها عقاباً لـ"إسرائيل"، واهمها قيام سفنٍ حربيةٍ بمرافقة اي بواخر مساعدات تركية الى قطاع غزة، مشدداً على ان انقرة ستمنع "اسرائيل" من استغلال موارد البحر المتوسط بشكل منفرد، في اشارة الى حقول الغاز الممتدة الى المياه الاقليمية الى لبنان وسورية وقبرص التركية.

الى ذلك، ذكرت صحيفة "اكشام " التركية، ان الخطة "ج" تتضمن ايضاً خطوات اخرى مؤلمة ضد "اسرائيل"، ومنها تقديم الدعم المطلق لمشروع قرار الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وممارسة ضغوط على الامم المتحدة ووكالة الطاقة الذرية لفرض عقوبات على "إسرائيل" جرّاء عدم الالتزام بالتعليمات، واخيراً رفض تركيا المصادقة على عضوية "اسرائيل" في حلف شمال الاطلسي.

هكذا تجد تركيا نفسها في خضم مشكلات جديدة ومعقدة مع "اسرائيل". صحيح ان العرب يستفيدون بالتأكيد من اتساع فجوة الخلافات بين الدولتين. لكن اي فائدة يجنونها في هذا المجال تبددها خلافات متزامنة ومتصاعدة مع سورية وربما مع العراق ايضا. ففي مقابلة مع قناة "الجزيرة" جرى توقيتها، على ما يبدو، بالتزامن مع كشف إجراءات المجموعة "ج"، اشار اردوغان الى ان ظلالاً تخيم على شرعية الرئيس بشار الاسد ونظامه، مؤكداً انه ليس على إتصال بالاسد ولا يعتزم الاتصال به بعد الآن. اكثر من ذلك، خاطب اردوغان الاسد قائلاً : "لا يمكن بناء الحكم على الدم لأن الذين يبنون حكمهم على الدم، يذهبون بالدم".

تهديدات اردوغان الحادة الموجّهة الى قادة "اسرائيل" وسورية، هل المقصود بها الضغط على تل ابيب ام التقرّب من القاهرة ؟ ام تهديد دمشق بتدخل عسكري كان لوّح به بعض اوساط المعارضة السورية من خلال اطلاق شعار "جمعة الحماية الدولية" ؟

يبدو ان اردوغان يقصد هذه الاغراض مجتمعة. فهو يضغط على "اسرائيل" سياسياً ليغطّي امام العرب عموماً والفلسطينيين خصوصاً اي خطوات سلبية ميدانية يتخذها ضد سورية. وهو جاد في الضغط على "اسرائيل" اقتصادياً للحؤول دون استئثارها بالموارد البحرية، واهمها الغاز، التي تزخر بها منطقة شرقي البحر المتوسط التي تضم لبنان وسورية وقبرص التركية. فوق ذلك، لا مصلحة لتركيا في ان تنجح "اسرائيل" في الاستئثار بعائدات فلكية من الغاز والنفط في البحر المتوسط لأنها تمكّنها من التحوّل الى قوةٍ اقليمية كبرى منافسة لتركيا في المنطقة ومناوئة لها، وربما حائلة دون تحقيق حلمها في قيادة العالمين العربي و"التركي”.

ماذا يريد اردوغان من مصر؟

لعله يريد، اولاً، تأخير وربما تعويق ترميم العلاقات المصرية – الايرانية. ويريد، ثانياً، إقامة تفاهم استراتيجي بين تركيا ومصر لمجابهة تحالف طهران – دمشق والحدّ من نفوذه. ويريد، ثالثاً بناء محور اقليمي يكون حامياً للدول العربية المنتجة للنفط وبالتالي بديلاً من الامن المستعار الذي تتيحه لها، حالياً، الولايات المتحدة المتجهة الى سحب قواتها من العراق وافغانستان ، وربما من مناطق اخرى في المستقبل. الى ذلك، يريد اردوغان تشديد عزيمة مصر في تصحيح علاقتها بقطاع غزة، وفتح المعابر اليه لإضعاف الحصار "الاسرائيلي" تمهيداً لرفعه كلياً. مع العلم ان التعاون بين انقرة والقاهرة يُسهم في الضغط على "اسرائيل" والحدّ من نفوذها ويساعد تركيا على تنفيذ استراتيجيتها الكبرى في العالمين العربي و"التركي”.

ماذا عن ايران والعراق ؟

أثارت تركيا خشية ايران بموافقتها على وضع رادار الدرع الصاروخية الاميركي في أراضيها ما استوجب انتقاداً حاداً لها من وزير دفاعها. خشية ايران مردها، في الغالب، الى تصريحات ذات دلالة ادلى بها اخيراً وزير الدفاع الاميركي ليون بانيتا الذي اعلن ان ايام الرئيس بشار الاسد في السلطة باتت معدودة وان "الثورة في ايران تبدو مسألة وقت“.

قد تكون الغاية المتوخاة من وراء هذه التصريحات رفع معنويات حلفاء اميركا في المنطقة عشية قرارها المرتقب بسحب قواتها من العراق قبل نهاية العام الحالي. لكن صفة بانيتا كمدير سابق لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية "سي آي اي" تذكّر المراقبين بأن ثمة حرباً ناعمة تشنها واشنطن على كلٍ من سورية وايران، وانها قد تأخذ في قابل الايام شكل تدخلٍ عسكري في سورية واضطرابات أمنية أثنية في ايران.

اما العراق، فإن قيام تركيا بتصعيد هجماتها البرية والجوية على مقاتلي حزب العمال الكردستاني (التركي) المتمركزين في اقليم كردستان العراقي قد احرج حكومة بغداد، كما حكومة طهران، واستثار شكوكاً في العاصمتين العراقية والسورية من احتمال افتعال تركيا احداثاً دراماتيكية في سورية تُخرج شمالها الكردي من سيطرتها، وتفسح لحكومة انقرة مجال التدخل عسكرياً لفرض سيطرتها على الشريط الكردي السوري بدعوى الحؤول دون تشكيل بؤرة تهديد لتركيا بالتواصل والتعاون مع اكراد جنوب تركيا وشمال العراق، وبالتالي لمنع ظهور شريط كردي يمتد من شمال العراق مروراً بجنوب تركيا وصولاً الى شمال سورية والبحر المتوسط.

لا تصفير للمشكلات، اذاً، في الحاضر المأزوم. أليس كذلك؟


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017