إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الدولة الفلسطينية بين الرفض والقبول

زياد أبو شاويش

نسخة للطباعة 2011-09-25

إقرأ ايضاً


قبل ما يزيد عن أربعين عاماً أصدرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كتيباً صغيراً بعنوان "لماذا لا للدولة الفلسطينية" تضمن بشكل محدد خطاباً للدكتور جورج حبش أمين عام الجبهة ومؤسسها ألقاه في مهرجان جماهيري بالأردن شرح فيه أسباب رفض الجبهة لإقامة دولة فلسطينية على حدود الضفة الغربية المحتلة عام 1967.

الخطاب كان ردأ على دعوات أطلقها سياسيون عرب وأجانب ومن قوى "اليسار" الإسرائيلي لحل المشكلة الفلسطينية بعد تصاعد عمليات المقاومة واتضاح فشل كافة الرهانات الصهيونية على طمس الهوية الفلسطينية وإسدال الستار على ذاكرة الشعب الفلسطيني تجاه حقوقه ووطنه وأهمها حقه في تقرير المصير والعودة.

الرفض الجبهاوي اليساري انطلق في حينه من فهم خاص لجورج حبش والجبهة يقول أن إقامة الدولة في ظل ميزان القوى آنذاك سيكون عملاً في خدمة العدو الصهيوني وممراً لتأبيد مشروعه في المنطقة كما أنه سيجعل من إقامة الدولة الفلسطينية مبرراً لتخلي الأمة العربية وأنظمتها عن القضية الفلسطينية، ناهيك أنها لن تكون تجسيداً لحق تقرير المصير الذي أقرته كل الشرائع الدولية وتضمنه الميثاق القومي الفلسطيني الذي تحول إلى الميثاق الوطني الفلسطيني بعد ذلك التاريخ.

إذن فقد كان جوهر المسألة المتعلقة برفض مشروع الدولة المسخ كما كانوا يطلقون عليها ترتبط بأن تلك الدولة ستكون الجسر الذي تعبر عليه البضائع والدبابات والشخصيات الإسرائيلية إلى الوطن العربي تطبيعاً ومن ثم سيطرة تضمن ابتلاع الدولة الوليدة والسيطرة على مقدراتها.

الجبهة الشعبية نفسها تؤيد اليوم الذهاب للأمم المتحدة لطرح الطلب الفلسطيني بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة توطئة لقيام دولة فلسطين الموعودة كما أعلنها المجلس الوطني في دورته الثامنة عشر بالجزائر بتاريخ الخامس عشر من نوفمبر عام 1988. إذن هناك متغيرات أجبرت الشعبية وغيرها على تغيير موقفها تجاه هذه المسألة رغم أن موانع القبول بها لا زالت كما هي، فما هي تلك المتغيرات؟

في طليعة المتغيرات التي نعنيها حول موقف الجبهة وأخواتها تجاه الموضوع هي تلك التي عصفت بهذه الفصائل ذاتها وأجبرتها على تغيير برامجها المعلنة وأهدافها من تحرير كامل التراب الفلسطيني كشعار استراتيجي ناظم لكل تحركاتها ونضالها إلى شعار الدولة المستقلة على حدود الضفة الغربية وغزة تحت عنوان الهدف المرحلي وبتسويغ يضع المجتمع الدولي وتأثيره في صدارة الأسباب الداعية لذلك على اعتبار أن هذا المجتمع لا يقبل بإزالة الكيان الصهيوني من الوجود بمن فيه الحلفاء والأصدقاء، وربما انسجاماً أيضاً مع موقف الاتحاد السوفيتي في حينه.

أما باقي المتغيرات فتعود للعوامل الموضوعية والظروف العربية الصعبة وافتقاد التضامن العربي وبدء الارتهان من جانب دول عربية وازنة بشكل كلي لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية وجملة المؤامرات والضربات التي تلقتها فصائل الثورة الفلسطينية واتضاح استحالة تحقيق الهدف الاستراتيجي في المدى المنظور.

اليوم تعود القصة لتطرح نفسها بقوة على الصعيد الداخلي والخارجي، وقد استمعنا اليوم الجمعة لخطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أن قدم طلبه المنتظر للأمين العام بان كيمون من أجل قبول عضوية فلسطين كاملة في المنظمة الدولية بدل العضوية المراقبة، وكان ملفتاً حجم التأييد بالتصفيق والوقوف من جانب أعضاء هذه الجمعية، كما كان الخطاب مؤثراً من الناحية العاطفية.

الكل يعلم أن الحصول على العضوية الكاملة لا يعني قدرة الفلسطينيين على ممارسة سيادتهم فوق أرضهم كما أنه لا يعني أن الدولة باتت قاب قوسين وأدنى من الولادة والتحقق، وربما يشترط بعضهم وهذا متوقع أن يجري تغيير في نص القرار ليتلاءم مع المطالب الإسرائيلية الأمريكية بإلغاء القرارات السابقة حول حق العودة أو حصره في الدولة الموعودة، كما يمكن خلط الأوراق فيما يخص منظمة التحرير الفلسطينية عبر إلغاء دورها واعتبار الدولة المعلن عنها بديلاً لها، وهو الأمر الذي يعني تجاهل حقوق اللاجئين في التمثيل كما العودة لمدنهم وقراهم الأصلية التي هجروا منها. هذه التخوفات هي الأسباب الجوهرية لحذر بعض الفصائل والشخصيات الوطنية وبالتالي المبادرة بوضع ضوابط للحركة الدبلوماسية الفلسطينية في الأمم المتحدة عبر مذكرات تم التوقيع عليها في وقت سابق لتقديم الطلب، أو عبر محددات عولجت في اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي تخوفات مشروعة طالما بقي أمثال السيد ياسر عبدربه ضمن الوفد الرسمي الذي سيعرض الأمر على مجلس الأمن والجمعية العامة، وهو الشخص الذي ارتبط اسمه بوثيقة جنيف لشطب حق العودة.

أما أسباب رفض الفصائل خارج مؤسسات منظمة التحرير أو ما يطلق عليهم فصائل دمشق فقد رفضت الخطوة الفلسطينية بالذهاب للأمم المتحدة وأدانت تقديم طلب الاعتراف بالعضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة من خلفية فهمها وقناعتها لما أوردناه سابقاً باعتباره قدراً لن يستطيع عباس وفريقه رده أو تجاوزه، ناهيك عن التشكيك من حيث الأساس في وطنية الرئيس وفريقه رغم المصالحة بين فتح وحماس.

إن رفض المعارضة الفلسطينية (إن جاز الوصف) للخطوة التي خطاها فريق أوسلو نحو الأمم المتحدة ينطلق في الحقيقة من اعتبار أي عمل فلسطيني منفرد تجاه القضايا الإستراتيجية وقبل أن تتفق كل أطراف العمل الوطني الفلسطيني حوله هو عمل في الاتجاه الخاطئ ويصل إن لم نحسن التصرف حد الخيانة الوطنية.

والآن هل الخطوة الفلسطينية بتقديم طلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة في الاتجاه الخاطئ؟ قطعاً ليس الأمر على هذا النحو إلا إن تحققت هواجس الفصائل والشخصيات الوطنية والمعارضة فيما يتعلق بحق العودة والتمثيل الفلسطيني عبر منظمة التحرير وهذا أمر من الصعب القبول به حتى من جانب أكثر الشخصيات الفلسطينية انبطاحاً أو تساوقاً مع المشاريع الأمريكية الإسرائيلية. العمل الدبلوماسي وخاصة في الأمم المتحدة لن يكون مجدياً إلا إن ترافق مع نضال جماهيري واسع النطاق ونضال عسكري من خلال المقاومة التي تعرقل مشاريع العدو في ترسيخ احتلاله للأرض الفلسطينية، وبغير ذلك ستبقى كل القرارات حبراً على ورق كما هي الحال مع عشرات القرارات الصادرة منذ العام 1948. الآن لابد من تنفيذ بنود اتفاق المصالحة الوطنية واستعادة الدور المفترض لمنظمة التحرير الفلسطينية، والأهم عدم العودة للمفاوضات قبل تحقيق كل شروطنا العادلة والمنسجمة مع الشرعية الدولية.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026