| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2011-10-07 |
التحرر الخارجي والتحرر الداخلي |
|
يسعى نظام الهيمنة العالمي، بكل عنجهيته وعنصريته وجبروته، الى فرض نمط من الاستعباد الدولي الجديد. تاريخ حافل بالاستعمار البشع والهيمنة والاستغلال، كتب ويكتب من قبل أميركا وفرنسا وبريطانيا. يكتبون التاريخ الحديث والمعاصر بدماء الشعوب المقهورة والمظلومة التي داسوا ثقافاتها ومزّقوا مجتمعاتها ونهبوا خيراتها. لا تزال هذه الدماء نازفة من جرائمهم وجرائم حليفهم وشريكهم الصهيوني. لم يغسلوا أيديهم منها، وما زالوا يتبجحون بالدفاع عن حقوق الانسان والحريات ويتدخلون في شؤون الدول الخارجة على ارادتهم بحجة عدم احترامها لهذه القيم. ما صفة المخدوع بالتحالف مع قوى الغطرسة والهيمنة التي ترأسها أميركا؟ وما صفة المتحالف مع هذه القوى والمؤتمر بها؟ وما صفة العميل والمتعامل معها باسم التحرر الداخلي؟ وهل يمكن تحقيق التحرر الداخلي عن طريق قوى الاستعباد الخارجي واستدعائها للداخل؟ وهل يمكن تحقيق الحريات في الداخل ونحن مستعبدون للخارج؟ تحمل الدول العربية مشاكل الولادة غير الطبيعية في نشأتها، ويتحمل مواطنوها عبء التضخم في أجهزتها الادارية والأمنية والعسكرية. ويتحملون أيضا عبء الهدر المالي والمحسوبيات واستشراء الفساد وانتشار البطالة وانسداد أفق المستقبل أمامهم. وتعاني غالبيتها من تبعية على مختلف المستويات، ويعاني مواطنوها من السقف المنخفض والضاغط للحريات. ورغم احتفال كل من هذه الدول بأعياد الاستقلال، فإن حقيقة الواقع تشير الى هزاله وتؤكد على تبعية معظمها للإمبراطورية الأميركية التي تضغط عليها بكل وسائل الترهيب، والتي تتحكم في مفاصل قرارها السياسي. نحن في حاجة الى نهضة حقيقية تؤدي الى استقلال حقيقي يحرّرنا من أي شكل من أشكال التبعية :ثقافياً – علمياً – تقنياً - اقتصادياً ـ غذائياً- أمنياً ـ عسكرياً. نهضة يتحرر مواطنوها من الخوف والقلق والجهل والتعصّب، ليكونوا أحراراً في دول حرة ومجتمعات حرة، لا يستعبدهم خارج ولا يقهرهم ويذلهم داخل. مواطنون أحرار موحّدون في أخوّتهم القومية، متسامحون في ما بينهم باحترام التنوع الديني والمذهبي والاتني والسياسي. يجمعهم ولاؤهم للوطن ومصالح الأمة العليا التي هي مصالح الجميع. الربيع العربي الذي بدأ في تونس ومصر واستبشر فيه البعض ولادة فجر عربي جديد، يطاله اليباس ويكاد يختنق ويموت. والموعد مع التحرر والحريات يكاد يضيع. تعمل أميركا إدارة وتوجيهاً على خنق الربيع العربي في تونس ومصر. ومحاربة الثورات في البحرين واليمن ومحاصرتها. واستغلال بعض الثورات والتحركات بحجة حمايتها ودعمها، لإعادة الاستعمار بشكل مباشر وغير مباشر، ورهن موارد البلاد وخيراتها لآجال غير محدودة، والمثال الليبي خير شاهد على ذلك. تعمل أميركا أيضاً على دفع الثورات المضادّة، كما في المثال السوري، بدعم ورعاية مباشرة لحركات المعارضة مالياً واعلامياً وتسليح عصابات القتل والاجرام التي ارتكبت أبشع المجازر من دون أن توجه إليها أي كلمة أو ملاحظة مما يسمى المجتمع الدولي، ولا من الدائرين في الفلك الأميركي، بل على العكس من ذلك يتم التعتيم الكامل على كل ما تقوم به وتوجه المزيد من الضغوط والاتهامات الى النظام السوري. وترغي وتزبد حين يفشل مشروع إدانتها لسورية في مجلس الأمن، بسبب وعي القوى الناهضة عالميا لأخطار الهيمنة الأميركية وخطورة مشاريعها على العالم كله. لا تزال أميركا تدعم قوى المعارضة والمجموعات الارهابية، التي تحولت نتيجة العجز الى عمليات اغتيال النخب الثقافية والعلمية والاجتماعية. والهدف الأميركي من كل ذلك دفعنا الى حروب الاقتتال الداخلي، كل نتفتت ويضيع وجودنا، ونتحول الى إمارات ومشيخات مذهبية وعشائرية تدور في فلك الكيان العنصري الصهيوني. النظام العالمي الذي تهيمن عليه أميركا يضع قيودا وضوابط كثيرة على معظم الدول، وخاصة الدول العربية التي تتبع من دون تردد أوامره ومخططاته. ويحاصر الدولة التي تمانعه وترفض الاذعان لمشيئته. وإذا كانت الدول العربية تعاني من ظلم النظام الإمبريالي، فالدول الأخرى تعاني أيضاً وإن بنسب متفاوتة. منذ نهاية الحرب الباردة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، والسياسات الأميركية تختلق المزيد من المشاكل والأزمات وتزرع الفوضى وتفتعل المزيد من الحروب في مختلف البلدان. نتائج السياسات الأميركية خلال عقدين من الزمن، تفوق كل حقب التاريخ بنسبة ما تترك من قتلى وجرحى ومشوّهين وما تخلف من دمار ومآس، وما ترتكب من فظائع وجرائم. تشكل هذه السياسات الامبريالية تهديداً عالمياً للثقافة والقيم والبيئة والأمن في مختلف المجتمعات، وتنذر نتائجها بكارثة كبرى تهدّد الوجود الإنساني. وهي تعمل على خلق عصر استعماري جديد أبشع من الاستعمار الأوروبي القديم. لذلك يجب أن تتضافر جهود القوى المتضررة في العالم وهي كثيرة، لمواجهة هذا النظام الوحشي. كيف يمكن مواجهة السياسات الامبريالية للوصول الى التحرّر القومي بشكل ناجز، وكيف يمكن تحرير المواطن في مجتمعه ودولته من الاستعباد والقهر الداخلي الذي يعيشه والذي يدفع البعض الى الانسحاب من الحياة العامة والانطواء، أو الى الارتماء بأحضان الشياطين غباءً أو عمالة، متوهمين الوصول الى الحريات السياسية عن طريق الاستعانة بأسياد الاستعباد؟ الذين يدعون الى الاصلاح وينادون بالديمقراطية والحرية لن يكونوا صادقين في دعوتهم الا إذا انطلقوا على قاعدة مواجهة السياسات الغربية القديمة والجديدة والتي ذقنا منها الكوارث والويلات ولا نزال. لا يمكن ان يلتقي مطلب الحريات السياسية والتحرر الداخلي مع واقع الارتهان للأجنبي. فهل يمكن تصديق دعوة الاصلاح من جماعات تتشكل بأوامر أجنبية وتُدعم بالإعلام والمال والسلاح من الخارج؟ التحرّر القومي هو الأساس والمدخل الى مجتمع حر ومواطن حر. والتحرّر الخارجي متلازم مع التحرر الداخلي. كلّما تحررنا أكثر من الاستعباد الخارجي وأنجزنا استقلالاً حقيقيا لا شكليا، كلما استطعنا أن نرتقي أكثر بالحريات الداخلية.وكلما كنا أحرارا في الداخل كلما استطعنا مواجهة الاستعباد الخارجي بطريقة أكثر قوة وفاعلية. التحرّر القومي لا يمكن أن يبنى على التعصب والعنصرية والانغلاق، ولا على أساس استعباد أمم أخرى كما هي حال الدول الغربية. التحرّر القومي لا معنى له من دون تحرر اجتماعي يؤمن الحرية والعدالة والكرامة لكل المواطنين من دون أي تمييز. هذا التحرر لا يبنى الا على قواعد نهضوية وأخلاقية وانسانية، تجمع بين التحرر الخارجي والتحرر الداخلي.
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |