قبل ايام قليلة، عاد احد الدبلوماسيين اللبنانيين المخضرمين من زيارة قصيرة الى الولايات المتحدة الاميركية، التقى خلالها شخصيات اميركية تربطه بها صداقات قديمة، والبعض من تلك الشخصيات لها موقعها في القرار الاميركي وخاصة في البيت الابيض، بالإضافة الى الخارجية الاميركية والكونغرس.
يقول الدبلوماسي المذكور أن اللقاءات التي اجراها تمحورت حول مجموعة من الأسئلة اللبنانية، طرحها على تلك الشخصيات الاميركية وأبرزها هل تشكل المحكمة الدولية اولوية اميركية في هذه المرحلة، وهل تثق الادارة الاميركية برئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وهل هي على يقين بأنه قادر على الوفاء بالتزام تمويل المحكمة، وماذا يفيد الأميركيين اذا قدم ميقاتي استقالته، على خلفية رفضه عدم إيفاء لبنان بتمويل المحكمة، وألا يتناقض تطور كهذا محتمل مع أولوية الاستقرار التي تبلّغها ميقاتي من الأميركيين ومن غيرهم، وكيف ستتعامل الادارة الاميركية مع حكومته اذا لم تمول المحكمة، وهل صحيح أن ثمة عقوبات ستفرض على لبنان اذا امتنع عن تمويل المحكمة؟
الأجوبة الأميركية، حسب الزائر اللبناني، تتضمن الآتي:
- لا يشكل ميقاتي حالة عدائية، او ليست اهلا للثقة، بالنسبة الى الادارة الاميركية.
- إن الاميركيين يعتبرون سعد الحريري صديقاً لهم، إلا أنهم لا يريدون ان يستقيل ميقاتي من رئاسة الحكومة... لأن الأولوية هي للاستقرار، ونجيب ميقاتي ليس شخصية استفزازية بل يسعى الى علاقة جيدة مع المجتمع الدولي، وأكد اكثر من مرة احترامه القرارات الدولية.
- لم يبدر عن ميقاتي ما يشير الى انه يعبر عن موقف «حزب الله»، بل هو متمايز عنه. ومن اللحظة الاولى التي ترأس فيها الحكومة اللبنانية قررت الادارة الاميركية التعايش معه، بمعزل عن الطريقة التي تمت فيها إقالة حكومة سعد الحريري، ولعل ابلغ اشارة اطلقتها الادارة الاميركية في هذا المجال، وردت في تأكيدها اكثر من مرة على ان موقف الولايات المتحدة «سوف تقيم علاقتها مع أي حكومة جديدة في لبنان على أساس تركيبتها وبيانها الوزاري والإجراءات التي تتخذها الحكومة الجديدة في ما يتعلق بالمحكمة الخاصة بلبنان والتزامات لبنان الدولية الأخرى».
- لم تسمع لا وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، التي التقته في نيويورك، ولا أي مسؤول أميركي آخر ولا السفيرة في بيروت مورا كونيللي، اي التزام او تعهد من ميقاتي، سواء بالاستقالة أو بتمويل المحكمة او بغير ذلك. (يتقاطع هذا الكلام مع ما نقل عن وزير الدفاع السابق الياس المر خلال زيارته الاخيرة لرئيس الحكومة في السرايا من ان ميقاتي نفى نفياً قاطعاً أن يكون قد التزم أمام احد، لا الأميركيين ولا غيرهم بتمويل المحكمة او بالاستقالة في حال عدم التمويل او غير ذلك»)؟
- إن المحكمة الدولية ليست اولوية بالنسبة الى الولايات المتحدة. الاولوية الاميركية هي الحفاظ على الاستقرار في لبنان، وحسناً فعل ميقاتي بتأكيده المستمر على هذا الأمر.
- إن الادارة الاميركية تدعو لبنان وبقوة الى احترام القرارات الدولية وخاصة القرار 1757 والوفاء بالتزامه تمويل المحكمة الدولية، إلا أنها ليست بصدد ممارسة ايّ ضغط على رئيس الحكومة اللبنانية للاستقالة من منصبه في حال رفض لبنان تمويل المحكمة، كما انها ليست بصدد اتخاذ اية اجراءات قاسية او فرض عقوبات على لبنان، لسبب ان الادارة الاميركية لا تريد المس باستقرار لبنان، وعدم إشعال ساحته خاصة أن اولوياتها موزعة بين الساحة السورية والملف الإيراني وكذلك العراق الذي يقع في رأس اولويات الادارة الاميركية، ولسبب آخر وجوهري وهو ان لا إمكانية لصياغة قرار في مجلس لفرض عقوبات على لبنان، اذ قد لا يقتصر الرفض على روسيا والصين بل على دول اخرى وخاصة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
ويخالف التوجه الاميركي لعدم فرض عقوبات على لبنان، المنطق التهويلي الذي اعتمده المسؤولون الاميركيون، وخاصة مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الاوسط جيفري فيلتمان (في مقابلته مع قناة «العربية» مطلع الشهر الجاري) حيث لوّح «بقرارات قاسية، وبعواقب تتعلق بتعاملنا الثنائي وتعامل دول أخرى مع لبنان، في حال رفضه تمويل المحكمة». وكررت السفيرة الأميركية مورا كونيللي من بعده بقولها «إن فشل لبنان في الوفاء بالتزاماته تجاه المحكمة الخاصة بلبنان قد يؤدي إلى عواقب جدية»!
وللتدليل على ان ما يعلنه الاميركيون غير ما يضمرونه، والكلام هنا للدبلوماسي المخضرم، هو ان السفيرة الاميركية في بيروت مورا كونيللي وعندما شكل نجيب ميقاتي حكومته عبرت عن سخط واشنطن إزاء إطاحة سعد الحريري، وقالت آنذاك امام احدى الشخصيات اللبنانية ما حرفيته: «الويل لميقاتي».. إلا أنها بعد فترة وجيزة تراجعت لهجتها وفتحت الادارة الاميركية قنوات التواصل مع ميقاتي بدءاً بزيارة عضوي الكونغرس الاميركي جون ماكين وجوزف ليبرمان في شباط الماضي، وأيضاً من خلال موفدين اميركيين آخرين وصولاً الى اللقاء الأخير مع كلينتون وفيلتمان في نيويورك.
- إن الادارة الاميركية لن تقوم بأي عمل او اية مبادرة لإحداث تغيير من الداخل في لبنان. ذلك ان تركيزها منصبّ في اللحظة الراهنة على الساحة السورية، إذ انها تراهن على اسابيع حاسمة قبل نهاية السنة الحالية، وعلى أن سقوط النظام في سوريا سيؤدي حتماً الى تغييرات دراماتيكية على مستوى المنطقة بشكل عام، ما يمكنها من تحقيق انسحاب اميركي مشرف من العراق مع حلول نهاية كانون الاول المقبل، كما أن سقوط نظام الأسد، من وجهة النظر الاميركية، سيؤدي الى تغيير فوري في لبنان، اذ ان من شأن ذلك ان يضعف «حزب الله» وحلفاءه... ويقوي حلفاء اميركا في لبنان.
- إن تمويل المحكمة الدولية لا يشكل مشكلة بالنسبة الى الاميركيين، لأن عدم الدفع من قبل لبنان لا يؤثر على عمل المحكمة وعلى استمراريتها، فضلا عن أن هذا الامر لا ينتهي بمجرد موقف تتخذه الدولة اللبنانية، خاصة ان هذا الموضوع مندرج في سياق اتفاقية دولية سارية المفعول ما بين لبنان والامم المتحدة، وإن لم يدفع لبنان هذه السنة فسيدفع في السنة المقبلة وإن لم يكن في السنة المقبلة فبعدها، فهذا امر بات متوجباً على لبنان دفعه، وثمة مثال هنا، هو ان واشنطن امتنعت في الثمانينيات عن دفع حصتها للامم المتحدة ولمدة ثلاث سنوات، إلا أنها في النهاية عادت ودفعت، والامر نفسه بالنسبة الى الموقف الاميركي الاخير من منظمة «اليونيسكو»، اذ انها ستدفع في نهاية الامر.
- لم يبد الاميركيون رفضاً ولا قبولاً في ما خص استحقاق اذار المقبل المتعلق بتمديد او تعديل الاتفاقية المعقودة بين لبنان والامم المتحدة.
هل بمقدور لبنان أن يتذرع بأسباب لبنانية ومنها عدم قدرة لبنان على دفع اية اموال نظراً للعجز المالي الذي تعانيه الخزينة اللبنانية؟
|