حين طالب الرئيس الأسد بعقد قمة عاجلة لبحث الموضوع السوري وقرار تعليق عضوية بلاده في جامعة الدول العربية المهترئة كان يلجأ للأسلوب الطبيعي والمنطقي لمعالجة مسألة عربية في مكانها الصحيح وبحضور أصحاب القرار وليس وكلائهم الذين ربما يحتاجون لقرار ما لأخذ الموقف الملائم لدولهم أو بتعبير أدق الملائم للسيد الأمريكي ومصالح العدو الإسرائيلي.
دول القواعد الأمريكية في الخليج رفضت الاستجابة لهذا المطلب المحق وأجهضت الفرصة الأنجع لمعالجة شأن عربي في منتهى الأهمية والخطورة، كون سورية دولة المواجهة الوحيدة التي ليس فيها سفارة صهيونية ولم تعقد معاهدة "سلام" مع الكيان الصهيوني، كما أنها الوحيدة التي تحتضن المقاومة العربية في كل مكان وتحمل على كاهلها قضية العرب المركزية، على الأقل في جانبها الكفاحي المقاوم.
تعرف هذه الدول المتخلفة ديمقراطياً وإنسانياً أن المواجهة مع سورية بطريقة الحوار الهادئ والموضوعي لن تكون بسهولة أخذ القرار السيئ السمعة بتعليق عضوية سورية بعد شراء ذمم البعض وتخاذل البعض الآخر أمام الضغط الأمريكي ووكلائه في قطر والسعودية.
كما أنها تعلم يقيناً وخاصة بعد المظاهرات المليونية في سورية وبيانات الاستنكار المتعددة والحادة الصادرة عن كافة القوى الحية والشريفة في الوطن العربي ضد هذا القرار التافه، تعلم أن نتيجة القمة ستكون انكشاف الدور البائس الذي تقوم به هذه الدول لضرب معسكر المقاومة والصمود أمام غطرسة العدو الصهيوني ومشروع الهيمنة الاستعمارية بوجهه الجديد فيما يسمى بالشرق الأوسط الجديد. إن ردة الفعل العربية العامة على قرار هؤلاء في جامعة الأعراب كان منسجماً مع فهم الجميع للدور التخريبي والعميل الذي تقوم به هذه الدول وخاصة أنها تحتضن القواعد الأمريكية والبريطانية والفرنسية التي ينطلق منها العدوان على أمتنا وبلداننا.
المعلومات التي تسربت من داخل أروقة مقر الجامعة "العربية" بالقاهرة تشير إلى ترتيبات مسبقة بأوامر وإشراف أمريكي عبر دويلة قطر والسعودية مدعومة من مشيخات النفط وقبائل القرون الوسطى من أجل تمهيد الطريق للتدخل الأجنبي بعد أن تقوم الجامعة المذكورة بإعلان فشل المشروع العربي للحل في سورية، كما بشرنا بذلك وزير خارجية فرنسا بعد أقل من أسبوع على المبادرة العربية.
إن السرعة التي تم فيها إغلاق باب النقاش في الحل العربي وكذلك عدم إرسال لجنة تقصي الحقائق على الأرض والكشف عن نتائج الموافقة السورية الحكومية على الطبيعة ومدى تنفيذ المطالب العربية قبل اتخاذ القرار الخبيث أظهر لكل ذي بصيرة أن تعليق العضوية كان قراراً جاهزاً حتى بدون تسويغ قانوني، الأمر الذي جعل حتى بعض من وافقوا على التعليق يحذرون من مغبة اتخاذ قرار بهذا الحجم وبهذه الخطورة دون غطاء قانوني أو شرعي كما قال ممثل الجزائر في الاجتماع.
كما أن تصريحات وزير خارجية مصر غداة القرار ومعه وزير خارجية الجزائر والعراق وغيرهم حول رفض أي تدخل خارجي في سورية أو اللجوء للأمم المتحدة على هذه الخلفية يظهر إلى أي مدى ينظر هؤلاء لخطورة القرار وإمكانية استغلاله للمس بأمن سورية والمصلحة القومية العليا للعرب.
إن الوثائق الخطيرة التي تظهر بين وقت وآخر في وسائل الإعلام حول الدور السعودي والخليجي بالعموم ضد أي مشروع وحدوي عربي، وضد أي توجه قومي للتصدي للهيمنة الأمريكية ومواجهة العدو الصهيوني وخاصة رسائل الملوك والأمراء لأسيادهم في واشنطن وباريس ولندن، إن هذه الوثائق تؤكد الأساس الذي تستند عليه رؤيتنا للدور والمؤامرة التي أنتجت قراراً خاطئاً وخطيراً بتعليق عضوية سورية وفتح الطريق لاعتراف بشرعية طرف غير النظام الحالي وهو ما يعني إغلاق الطريق على أي حل سلمي في القطر العربي السوري.
هؤلاء الذين اتخذوا القرار لا يعرفون أو أنهم لم يتوقعوا أن تزداد نسبة التأييد للنظام السوري نتيجة قرارهم الأحمق، لكن المؤكد ومن خلال ما شاهدناه وسمعناه من عدة جهات وشخصيات في أكثر من بلد عربي وفي سورية على وجه الخصوص أن هذا القرار الصادر عن جهة تعمل في خدمة دول النفط ومرتهنة بقضها وقضيضها وأمينها العام لقطر والسعودية وبالتالي لأمريكا قد جعل الناس تتعاطف مع النظام السوري والرئيس الأسد في مواجهة هؤلاء، ولم يعد الأمر مرهون لموقف مع أو ضد الحراك السوري أو ما يسميه البعض الربيع السوري. إن هذا الموقف لا يعني تخلي الناس عن تأييد المطالب العادلة والمشروعة للشعب السوري، والتي رغم البطء والتأخر في تحقيقها إلا أن الدولة والقيادة السورية تستجيب لها وأعلنت التزامها بتحقيقها.
الشعب العربي رغم الضخ الإعلامي الكاذب والمزيف الذي يستهدف تحويله لقطيع لا يمكن أن يسكت أو يؤيد قراراً يعلم انه يمهد لتقسيم بلد عربي أو الاعتداء عليه مهما كانت الذرائع.
لو كان الخليجيون أحراراً في قرارهم ويمتلكون الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية تجاه شعب شقيق في حاجة ماسة لوقف نزيف أبنائه وإنهاء معاناته لوافقوا على عقد القمة العربية واستمعوا للطرف القادر على اتخاذ القرار في دمشق، أو بالحد الأدنى ليطلعوا على الحقيقة من خلال زيارة يقومون بها مجتمعين لسورية.
الهروب من مواجهة استحقاق الوسيط النزيه بالارتماء في أحضان الولايات المتحدة والانصياع لتعليماتها وأوامرها سينتج دماراً لن تسلم منه هذه الدول الكرتونية وكان حرياً بها أن توافق على دعوة القمة السورية بدل الجري وراء الخداع والأكاذيب القطرية وإعلام العملاء وأسيادهم.
|