عندما تطرق النائب غازي يوسف في جلسة الأسئلة والأجوبة النيابية الى مسألة الطابق الثاني في وزارة الاتصالات، أعلن أن التقرير الذي أصدرته اللجنة المكلفة الكشف على شبكة الاتصالات الخلوية الثالثة (الصينية)، وحصل على نسخة منه يظهر بوضوح "كذب الادعاءات باستعمال الشبكة لأغراض غير التجريب".
في المقابل، كان وزير الاتصالات نقولا صحناوي واضحاً أكثر عندما أعلن في الجلسة نفسها أن مسودة التقرير تتضمن إشارة واضحة إلى أن «داتا المعلومات» العائدة إلى الشبكة الخلوية الثالثة التي كانت مشغلة ضمن هذا الطابق، قد تم محوها بالكامل، واعداً بأن يعرض كل التفاصيل في مؤتمر صحافي يعقده حين ينجز التقرير كاملاً.
عندها عادت الأسئلة كلها دفعة واحدة إلى الظهور، وأولها سبب محو "الداتا"، ومن أوعز بذلك، وماذا كانت تتضمن، ولأي غرض كانت تستخدم الشبكة الخلوية الثالثة؟
لا تجيب المسودة الثانية للتقرير، على الأسئلة المطروحة، إلا أنها في المقابل تؤكد مشروعيتها، بعدما زادت الشكوك في الهدف من وراء تشغيلها والذي اضطر مشغليها إلى محو كل البيانات المتعلقة بها. فهل يعقل أن تمحى "الداتا" لو أن الشبكة شغلت لأهداف تدريبية وتجريبية؟
وفي انتظار مؤتمر صحناوي الصحافي، يبقى العنصر الأهم وغير المتوفر للجنة هو تعاون هيئة "أوجيرو" الذي لا يمكن أن يتحقق، حيث اكتفت بالرد على مسودة التقرير، بتركيزها على أربع نقاط أساسية، خلصت فيها إلى أن التقرير أثبت وجهة نظرها في الخلاف القائم حول معدات الهبة الصينية.
ويتوقع مصدر في وزارة الاتصالات الانتهاء من إعداد التقرير النهائي في مدة شهر من الآن، إذا ما تعاونت الجهات المعنية بشكل جدي، لاسيما منها شركة "هواوي" إضافة إلى شركة mic1 التي أكد المصدر أنها أبدت رغبة بالتعاون مع اللجنة عبر تلبية كل طلباتها.
وبرغم ذلك، فإن الخطوة الأهم لا بد أن تأتي من جانب الشركة الصينية القادرة وحدها عمليا على استرجاع "داتا" المعلومات، وذلك كون التقرير أثبت بشكل قاطع فقدان ملفات التسجيل وملفات التخابر منذ بداية شهر حزيران 2010 ولغاية تاريخه.
في هذا السياق، يمكن فهم إصرار نحو 500 عنصر من "فرع المعلومات" على الدفاع عن الطابق الثاني في مبنى الاتصالات في العدلية، في وجه وزير الاتصالات السابق شربل نحاس، بكل الوسائل وبـ"طلقة في النار".
ويستغرب مصدر في وزارة الاتصالات اعتبار "أوجيرو" أن الحديث عن فقدان "الداتا" هو "للتغطية على حقيقة عدم وجود هذه البيانات". ويعتبر أن هذا التبرير التي ساقته "أوجيرو" يدينها أكثر مما يعفيها، لاسيما أن ثمة واقعاً ملموساً لا يمكن دحضه يؤكد وجود حركة تخابر لغاية تاريخ 28-3 -2011.
إذاً، بدلاً من الخوض في نقض التقرير، أصبح لزاماً على من شغل الشبكة الثالثة أن يعلن لماذا محا البيانات، لاسيما أن التقرير نفسه يؤكد وجود حركة تخابر لافتة للانتباه بين الشبكة الثالثة وشركة "أم تي سي" (MIC2)، حيث تبين وجود ما معدله 506 اتصالات شهرياً بين الشبكتين إضافة إلى 138 رسالة نصية.
وفي التفاصيل، فإن 107 اتصالات أجريت بين مطلع 2008 وآذار 2011 من الشبكة الثالثة إلى MIC2 مقابل 19642 اتصالاًَ بالاتجاه المعاكس. فيما سجل 2071 رسالة بين الشبكة الثالثة وMIC2 و3295 رسالة بالاتجاه المعاكس.
وهذه الأرقام لا تمثل إلا عينة صغيرة من حركة اتصالات الشبكة الثالثة التي يضاف إليها الاتصالات التي أجريت مع شركة "ألفا" (لم تكن قد زودت اللجنة بها في مسودة التقرير بل اكتفت بالتأكيد على وجود اتصالات)، إضافة إلى حركة الاتصالات مع الشبكة الثابتة أو الدولية والتي لن تتمكن اللجنة من الحصول عليها بسبب رفض "أوجيرو" التعاون معها، ويبقى السر الأكبر، والذي قد يتضح بعد تعاون "هواوي"، هو الاتصالات التي أجريت داخل الشبكة نفسها.
بالمحصلة إذا ما أخذت نتائج التواصل بين MIC1 والشبكة الثالثة كمعدل عام، فإنه يمكن الاستنتاج أن نحو 2000 اتصال بالحد الأدنى كانت تجرى شهرياً، أي ما يوازي 100 ألف اتصال عبر "الشبكة التجريبية".
وعلى الرغم من أن التقرير لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى وجود معدات تنصت في الطابق الثاني، مكتفياً بالاشارة إلى أن معدات الشبكة الثالثة وجدت كاملة، فإن "أوجيرو" وجدت بذلك تأكيداً على عدم صحة الادعاءات عن وجود أجهزة اضافية غير واردة في العقود الموقعة بين الطرف اللبناني والطرف الصيني، خصوصا ادعاءات وجود مركز للتنصت. وبعيداً عن مسألة التنصت فإنه كان من الثابت لخبراء وزارة الاتصالات الذين دخلوا إلى الطابق الثاني مع صحناوي، وبالعين المجردة، أن ثمة أجهزة قد فككت. إلا أن اللجنة لم تدخل في هذا الاحتمال لأن عملها انصب على معدات الشركة الصينية حصراً، وهذا لا يعني أن اللجنة توصلت إلى خلاصة نهائية حول وجود هذه المعدات من عدمه.
في مسودة التقرير ثمة إشارة إلى أن محطة الميناء – طرابلس لم تعمل يوماً. هذه الإشارة وجدت "أوجيرو" فيها دحضاً للاتهامات التي سيقت سابقاً حول وصول إرسال هذه الشبكة إلى سوريا، إلا أن المصدر يؤكد أن أحداً من الوزارة لم يثر هذه المسألة لا من قريب ولا من بعيد، وبالتالي فإن رد "أوجيرو" موجه عملياً إلى النائب السابق ناصر قنديل، الذي كان الوحيد الذي ربط بين الشبكة الثالثة وما يحصل في سوريا، حينها. ومع ذلك، يوحي المصدر أن مسألة تشغيل تلك المحطة لم تحسم نهائياً لأن المعاينة لم تتم على الأرض بل من خلال أجهزة الكومبيوتر.
أكثر ما يحير وزارة الاتصالات حالياً هو وجود اتصالات من شهر كانون الثاني 2008، وهو أمر ركزت عليه "أوجيرو" في ردها، مشيرة إلى أن تجهيزات المرحلة الأولى للشبكة وصلت إلى مرفأ بيروت في 12/4/2008.
يعني الجواب أن التخابر عبر الشبكة سابق لتركيبها. كيف ذلك؟
لم تجد لها اللجنة جواباً حتى الآن. وعلى الرغم من ذلك فإن مصدراً فنياً في وزارة الاتصالات يؤكد أن هذه النقطة تفتح أبواباً لاحتمالات كثيرة، حول عمل الشبكة الثالثة، "فهل كانت "أوجيرو" تشغل شبكة ما قبل ذلك التاريخ أم أنها استقدمت جزءًا من المعدات بشكل سري قبل وصول الشحنة"؟. ولا ينكر المصدر أن الأمر يمكن أن يكون أبسط من ذلك كأن يكون أحد الموظفين قد استعمل خطوطاً لاتصالات شخصية في سياق ما يسمى "تهريب الاتصالات". إضافة إلى ذلك يمكن ببساطة أن يكون ثمة خطأ بشري في سحب الداتا. كل هذه الاحتمالات تقود فعلاً إلى أن التقرير يحتاج إلى مزيد من الاستيضاحات التي تبرر عدم الاعلان عنه حتى اليوم.
|