شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2011-11-29
 

مغامرة الحكومة: خيط رفيع بين عض الأصابع... وبترها!

عماد مرمل - السفير

برغم ان الحكومة تبدو في حالة «موت سريري»، بعد المواقف الأخيرة للرئيس نجيب ميقاتي والعماد ميشال عون، إلا ان هناك في الأكثرية من يرفض التسليم بأن سقوطها أصبح حتميا، ويتهيب «إعدامها» بدم بارد على يد من يفترض انهم معنيون بحمايتها.

ويعتقد المتمسكون بالحكومة ان بقاءها ـ مهما تطلب من تضحيات - يظل أقل كلفة من انهيارها، ذلك أن ما بعدها هو بالتأكيد غير ما قبلها، و«الفرصة» التي تمثلها هذه الحكومة على مستوى صياغة موازين القوى قد لا تتكرر في المدى المنظور، وبالتالي فإن قوى 14 آذار وحلفاءها الخارجيين سيكونون أكبر المستفيدين بالدرجة الأولى من ضرب المعادلة السياسية الراهنة التي لفظتهم خارج مركز القرار، في حين سيدفع فريق 8 آذار من كيسه ولحمه الحي وخياراته الاستراتيجية ثمن مثل هذه القفزة الى .. المجهول.

والمفارقة اللافتة للانتباه ان الحكومة تترنح بعد أشهر من ولادتها، بينما كان المتفائلون في أوساط الأكثرية الحالية يمنّون النفس بأن تعيش حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، على أن تقدم نموذجا متمايزا في الأداء والإنتاجية، بما يتيح لأطرافها الفوز في تلك الانتخابات والاحتفاظ بالسلطة، فإذا بهذه الحسابات النظرية ترتطم سريعا بأرض الواقع المعقد والمتضارب المصالح، حتى كاد السحر ينقلب على الساحر مع تحول الحكومة الى عبء على بعض مكوناتها.

يدرك أصحاب «العقول الباردة» في الاكثرية ان لعبة عض الاصابع بين أطرافها يجب ألا يصل مداها الى حد بتر هذه الاصابع والاندفاع نحو الانتحار السياسي الجماعي، وهو الأمر الذي يستوجب المبادرة الى تقديم تنازلات متبادلة قد تسبب خسائر جانبية لاصحابها، لكنها ستحقق في المقابل ربحا إجماليا أكيدا للثوابت الاستراتيجية ولسبل حمايتها، وهذه هي وظيفة الحكومة في هذا الظرف الدقيق، ومن بينها المقاومة والاستقرار الداخلي والعلاقة مع سوريا.

وانطلاقا من هذه القناعة، يعتبر ذوو «الأعصاب الهادئة» في الأكثرية ان الأولوية يجب ان تظل في كل الأحوال لبقاء الحكومة التي ينبغي ألا يستسهل أحد التضحية بها، سواء من أجل إسقاط تمويل المحكمة الدولية او تحقيق مطالب إصلاحية، وبالتالي لا بد من السعي الى إيجاد صيغة سحرية تجمع تحت سقفها بين ثابتة الحفاظ على الحكومة ووجوب المعالجة الضرورية لإشكاليتي التمويل وضعف إنتاجية مجلس الوزراء، بما يؤدي الى قطع الطريق على أولئك الذين ينتظرون عند «الكوع» للانقضاض على تجربة الائتلاف الحاكم حاليا، من دون التمييز بين الوسطي وغيره.

وتعدد مصادر واسعة الاطلاع في فريق 8 آذار الأسباب الموجبة لاستمرارية الحكومة، كالآتي:

- غموض صورة «الشخصية البديلة» التي يمكن ان تتولى رئاسة الحكومة بعد نجيب ميقاتي، في ظل عدم التأكد من قدرة الاكثرية الحالية على إعادة التحكم باختيار الرئيس المكلف، ولعل ما سيزيد من صعوبة المهمة بالنسبة اليها هو ان المطلوب منها ترشيح اسم تستطيع «تسويقه» ويحظى بالقبول داخليا وخارجيا، الأمر الذي لا يبدو متاحا بسهولة.

- عدم إمكان ضمان موقف النائب وليد جنبلاط، وهو في أحسن الحالات لن يقبل بأقل من نجيب ميقاتي الذي سيشترط للعودة عن الاستقالة تمويل المحكمة، ما يعني الدوران مجددا في الحلقة المفرغة، وإذا طال الأمر فقد تقود حسابات جنبلاط او رهاناته الى التصويت لصالح الرئيس سعد الحريري، بناء على منحى التطورات السورية.

- إن إستقالة الحكومة والعجز عن تشكيل بديلة عنها سيعنيان تحولها الى «تصريف الأعمال» لفترة طويلة، وهذا ما لا يمكن ان يحتمله البلد الذي يواجه تحديات داخلية وإقليمية كبرى تتطلب وجود حكومة فاعلة، تستطيع ان تتخذ القرارات المناسبة على الصعد السياسية والامنية والاقتصادية والمعيشية، وإلا فإن الأزمات المتناسلة وحدها هي التي ستملأ الفراغ.

- ان فشل الاكثرية الراهنة في تقديم تجربة مقنعة على مستوى الحكم سيرتد وبالا عليها حين يدق جرس الاستحقاق الانتخابي المقبل، حيث سيحاسبها الناس في صناديق الاقتراع على إخفاقها، ولن يعطوها فرصة ثانية بعدما تكون قد فرطت بالأولى، في حين ان العكس سيحصل وفوزها سيغدو مضمونا إذا نجحت في الاستفادة من وجودها في السلطة لصناعة الإنجازات.

- ان انهيار الحكومة في الوقت الحاضر سيشكل ضربة قوية لدمشق التي تتعرض لحصار عربي وغربي محكم، ولا يجوز ان يتحول أصدقاؤها وحلفاؤها في لبنان الى عبء إضافي عليها من خلال إسقاط حكومة تحسن التعامل مع الأزمة السورية، كما ظهر عبر سلوكها في مجلس الأمن والجامعة العربية، بل ان البعض ذهب الى حد القول ان وزير الخارجية عدنان منصور بات اليوم وزير خارجيتي لبنان وسوريا، بعد تعليق عضوية الأخيرة في الجامعة العربية واتخاذ قرار بمنع سفر مسؤوليها الى الدول المشاركة في تنفيذ العقوبات بحقها.

ـ عامل آخر يركز عليه أحد اشد المتحمسين للحفاظ على الحكومة، وهو الرئيس نبيه بري الذي كشف لـ«السفير» عن انه تبلغ مؤخرا أن هناك كميات وافرة من الغاز والنفط تم رصدها في البحر، قبالة بيروت وصولا الى جونية، وفقا لدراسات علمية أعدتها شركة «سكتروم» الانكليزية المتخصصة، ما يتطلب برأيه من الحكومة المسارعة الى استثمار هذه الثروة الآخذة في الاتساع، وتجنب قتل الوقت الثمين، سواء بالتباطؤ في العمل او بالاستقالة.

هل تكفي كل هذه الأسباب لمنع انفراط عقد الحكومة عندما تدنو لحظة الحقيقة، أم ان الاعتبارات المعلنة والمضمرة لبعض أطرافها سترسم سيناريو آخر لـ«مشهد النهاية»؟

أيام قليلة، على الأرجح... وتُعرف الإجابة.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه