تضع تركيا كل ثقلها في هذه المرحلة التي تبدو مصيرية بالنسبة لسياستها تجاه سوريا.
تكثر المؤتمرات في أنقرة واسطنبول وغازي عينتاب وإنطاكية، والتي تلتقي على موضوع واحد هو حشد الدعم لسياسة تركيا تجاه ما يسمى»الربيع العربي».
ومنذ البداية كان واضحا أن كل دروب الحراك التركي في مصر وليبيا وتونس تؤدي إلى الطاحونة السورية. امتحان تركيا الأكبر مع سوريا وفي سوريا. وهي تدرك أنها بوابتها إلى العالم العربي ومن كل النواحي. وهي عقدة علاقتها مع المنظومة التي تنتمي إليها سوريا في الشرق الأوسط. وسوريا هي مفتاح استمرار الدور التركي أو انطفائه في المنطقة. منذ أشهر وأنقرة رفعت سقف خطابها إلى الحد الأقصى مع دمشق، ولم يعد بينهما سوى «الميدان» وشعار «يا قاتل يا مقتول». لذا تحشد أنقرة كل ما استطاعت إليه سبيلا، علها تخرج من النفق الذي أدخلت نفسها فيه، ومن المأزق الذي سببته الرهانات الخاطئة.
النقاش في الداخل التركي يتصاعد حتى من أقرب المقربين من سياسات الحكومة. الجميع يتحدث عن «المأزق» وعن التحدي وعن خطورة المرحلة الراهنة على تركيا نفسها، خصوصا أنها وضعت بيضها في سلة واحدة، وهي «إسقاط النظام السوري» وإحلال نظام بديل يكون ألعوبة بيدها تحديدا، ولو تطلب الأمر التعاون مع فرنسا التي أخرجت العثمانيين في العام 1918 من سوريا، ليعودا إليها معاً، يعني جمال باشا السفاح يدا بيد مع الجنرال غورو، إذا تمكنا من ذلك.
لا أحد يحسد تركيا على الموقع الذي هي فيه الآن: تنسيق وتعاون غير مسبوق مع كل القوى والدول الغربية والأطلسية، تحالف لم يصل إليه حتى العلمانيون والعسكر في أشد مراحل تعاونهم مع الغرب.
إحسان داغي، واحد من الباحثين المعروفين والمعتبرين والمتخصصين في العلوم السياسية والعلاقات الدولية. وهو من المواكبين والداعمين لسياسات حزب العدالة والتنمية منذ انطلاقتها. داغي يرمي الصوت عاليا من عواقب سياسة : «إما كل شيء أو لا شيء» التركية تجاه سوريا.
يقول داغي، قبل يومين في مقالة في صحيفة «زمان» الإسلامية، الموالية لحزب العدالة والتنمية والتابعة لرجل الدين فتح الله غولين الموجود بدوره في الولايات المتحدة منذ أكثر من 10 سنوات، «إن المسألة السورية ليست عبارة عن سوريا فقط، بل هي تبدأ من إيران إلى العراق مرورا بسوريا وصولا إلى لبنان وفلسطين عبر حماس، وتأخذ في طريقها الأردن، ومن إيران تنزل إلى الخليج. ولا ننسى الدور الروسي في هذا المجال».
ويقول داغي «إننا نتحدث عن أزمة عميقة تمس التوازنات الداخلية في المنطقة. ولذا كانت مقاربة تركيا أن يكون التحول في سوريا تدريجيا ومنظما. لكن (الرئيس السوري بشار) الأسد وداعميه لم يتخلوا عن السلطة بعدما ظهر أن النظام في سوريا وعلاقاته ليست بسيطة كما ظننا في البداية».
ويضيف داغي «إن السهم الآن قد خرج من القوس. ولم يعد ممكنا تطبيع العلاقات مع سوريا من دون رحيل الأسد. بل لم يعد ممكنا ترميم القوة المتصاعدة لتركيا، والتي هي مصدر فخرها، من دون سقوط سوريا. وإن أي سيناريو يلحظ بقاء الأسد في السلطة سيحوّل تركيا في السياسة الإقليمية إلى نمر من ورق، ويحمل زعم تركيا أنها تلعب دور اللاعب المؤسس في النظام الإقليمي إلى حالة مضحكة». ويتابع داغي «إن سياسة تركيا اختصرت الآن بـ«اما ربح كل شيء او خسارة كل شيء». أي إما أن تفرض تطبيق قوتها التحويلية لتغيير النظام في سوريا، الذي هو هدفها السياسي، وإما أن تتراجع وتعيد النظر بكل لغة وأهداف ووسائل سياستها الإقليمية». ويعتبر انه «في حال نجاح سياسة تغيير الأنظمة يرتفع وهج الدولة الداعية للتغيير إقليميا وعالميا، ويتصاعد نفوذها في الدولة المستهدفة. لكن في حال الفشل في ذلك يتحول الأمر إلى فضيحة. وهذا هو المأزق الذي تعيشه تركيا في الحالة السورية».
ويرى الكاتب أن تركيا بالسياسات التي اتبعتها تجاه سوريا ربطت كل شيء بتغيير النظام، لذلك من الصعب أن تخطو خطوة إلى الوراء. ويقول «إذا عدنا إلى بدايات الأزمة فإن الغرب والعالم العربي كانا يدعوان تركيا إلى التحرك تجاه سوريا. أما اليوم فإن تركيا هي التي تدعو الغرب والعالم العربي للتحرك تجاه سوريا. لكن إذا تراجع واحد من الذين نظن أنهم بادروا إلى التحرك فسنكون من جديد بمفردنا».
|