إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أدما ناصيف حمادة تحزّبت لعقيدتها القومية وتشبثت بالعلمانية

نسخة للطباعة  | +  حجم الخط  - 2011-12-15

مي باسيل – "النهار" 29/11/2011


"الرفيقة أدما" كانوا يدعونها، أو "الأمينة" أحياناً، ليس لأنها حظيت برتبة الأمانة فحسب، بل لأنها كانت أمينة على فكر أنطون سعادة وفهمته بعمق. وبقيت الأمينة ادما ناصيف محترمة، تقول كلمة ويُصغى اليها، هذا كله وهي في الظل. ظلّت قومية مع الحزب أو من دونه واستمرت تقول حتى آخر حياتها إنها مقتنعة بفكر سعادة وإن لا خلاص للدول الثلاث على الأقل، لبنان وسوريا وفلسطين، من دون هذه العقيدة، ومن دون المبادلة في ما بينها الى حد التكامل. كانت تلاحظ الفوارق، و"غباوة الشعب" الذي كانت تسخر منه، لكنها ترى بعين الرائي أن هذه الدول وغيرها لا بد أن تصل الى ما وصلت اليه الوحدة الأوروبية اليوم. لم تؤمن بالعنف ولا بالانقلابات وتمنّت الحرية في بيروت على رغم مآخذها الكثيرة على النظام الطائفي.

الأمينة ادما أثارت حشريتي عندما كانت تتحدث في السياسة. وذلك التعلق بفكر سعادة بدا غريباً بالنسبة إليّ، أنا التي ربيت في بيت دركي، كان حديث السياسة ممنوعاً فيه. لم أعرف كيف يتعلق الانسان بزعيم وأقرّ بأنني لا أريد أن أعرف ذلك. لاحظتُ عندما تخطيت سن الرشد ان بعض معارفنا لاصقون بالعقيدة القومية ايضاً وعاصروا انطون سعادة، وكان ذكره لا ينقطع عن ألسنتهم. عندما أجابت ادما القاضي الياس الريّس خلال التحقيق معها في ثكنة المير بشير: "هل تستطيع أن تشفى من البرص؟ هذا الحزب مثل البرص". كانت تجيب عن تساؤله واستغرابه: ما الذي أوصلها وزوجها نعمة حمادة الى التعلق بهذا الحزب؟" عندما سمعتها تخبرني القصة ابتسمت وتذكرت ما أراه في أيامنا هذه من تعلق بالأحزاب والزعماء. كان التشبيه واقعياً جداً.

أكثر ما أحبّت ادما في فكر سعادة، النهضة التي كان يريد إحداثها، والعلمانية طبعاً. بقيت العلمانية هاجسها حتى مماتها. عاشت تحارب الفكر الطائفي وحامليه، على رغم أنه يقضم كل فترة فئة من الناس، تنضم اليه على طريقة "كل عنزة تتعلق بكرعوبها". أهم ما ألمحت اليه في مذكراتها "حلم النهضة"، تقصير الحزب عن التبشير بهذه الممارسة قبل التخطيط للانقلابات. لذا قد نفهم ضمناً من ذكرياتها عند دخول السجن، بعد انقلاب 31/ 12/ 1961، أنها لم تكن موافقة عليه، وقد قارنت يومها وهي سجينة قاعة في الفياضية عُلِّقت فيها صورة الرئيس فؤاد شهاب، بينه وأعضاء حكومته وبين رئيس الحزب يومذاك والعُمُد، فلم تجد ما يميّز هؤلاء عن أولئك ولم تجد ضرورة للانقلاب على شهاب برغم الذل والتحقير والتعذيب التي قوبلوا بها في السجن.

كانت هذه المرحلة نقطة ضوء في حياة القومية الملتزمة فكر سعادة غير المتزمّتة، التي يهمّها نشر فكره وتوقه الى النهضة، ولو دون تسلّم الحكم. اقتنعت في عزّ المعاناة بأن للحزب دوراً يومياً، سلوكياً، نهضوياً، في الاحياء والقرى، بالممارسة الصحيحة والقدوة الحسنة، وهذا ما تناساه أفراده، في غمرة الخلافات والملاحقات التي أصابتهم.

"حلم النهضة، مذكرات 1950 – 1975" قيل فيه بعض ما بقي في ذاكرة مؤلفته وليس كله، لكنه رحلة طويلة منذ دخول سجن المزة سنة 1956 حتى تكرر دخوله أكثر من مرة، وهو سيرة تهجير طويلة صار قدر معظم أبناء هذه الأمة، كما تقول، ولولا ذلك التزمّت الطائفي الذي يفضي الى هذه الاحداث، لكان حان وقت قطاف ثمار الاحزاب العلمانية التي نشأت في فترة معينة واستقطبت محازبين مخلصين من كل الطوائف والبلدان العربية. لذا كانت "الرفيقة" أدما تتساءل عن السر، سر ان يولد الناس على الارض نفسها وأن يشربوا من الماء عينه، وان تشرق عليهم شمس واحدة، ومع هذا يختلفون الى هذا الحد. انه في التربية! رأيها في جورج عبد المسيح، الذي خاصمته اكثر من أي قومي آخر، تبدل قليلاً الى شيء من التسامح بمرور الزمن. عبد المسيح الذي سمعته بنفسها يقول عندما اصدر العقيد عدنان المالكي مذكرة بإبعاده "لن اترك له الوقت للتنفيذ" وتعتبر انه وقع في فخ وخطأُه كان جسيماً، لكنه لم يخن مبادىء الحزب. رحلة المعاناة الطويلة، تتخللها طُرفٌ في الكتاب، وآراء منفتحة، لا تقيس الامور بمقاييس العقائديين المتزمتين. وقد همّتني مأساة احدى صديقاتها و"سمِيَّتها" ادما معطي، التي انتسبت الى الحزب القومي بخلاف ابيها الشيوعي، فتلقت ضرباً مبرحاً حتى الموت. فتساءلت هل نحن شعوب تميل الى العنف، لأنها لم تتعود اختلاف الآراء؟

رحلة امرأة تحزّبت، كان يمكن ان تتسع لأخبار كثيرة عن نضال المرأة في الاحزاب، في مرحلة سابقة نعرف عنها القليل، لكن محاذير التصريح بالأسماء وذكر رفيقات لعلهن، لا يردن تذكر تلك الحقبة، حالت دون ذلك. ما يجعلنا نطرح الاسئلة مراراً عن "السيرة الكاملة" لأحد او حزب او حقبة.

كتاب ادما ناصيف باقة قطفت من أحداث بعضها أقسى وأمرّ، ولعل المرّ الذي فيها بقي عالقاً في طعم اي حلاوة، فلا يمكن أن تسعد وحلمك يتهشّم أمامك. ذلك الحلم الذي "لبس عقيدة"، لكنه حلم يراود كثيراً من العرب، "حلم النهضة"، كلُّ على طريقته.

**


ضمن نشرة 26 آيار 2011 أوردنا عن رحيلها في 25 منه، وفي نشرة 27 /ايار، نشرنا نعي رئيس الحزب الأمين الجزيل الاحترام أسعد حردان لها، ونبذة مقتضبة عنها.


أما في 5 تموز فقد نشرنا عن ذكرى مرور أربعين يوماً على وفاتها، وفي مقدمة الخبر أورد الأمين لبيب ناصيف، واصفاً الذكرى، كما يلي: " لم تكن ذكرى أربعين فقط. ولا حفل تكريم، ولا دعوة الى تقبل مذكراتها هدية مفيدة، كان كل هذا، وأكثر. كانت مظاهرة وفاء لمن كانت وفية لقسمها، للتعاليم التي اعتنقتها، ولازمتها طوال سنوات حياتها.

حتى الرمق الأخير بقيت ترفع يدها بالتحية وتبتسم بثقة وتحكي الكثير عن سعاده، هذا الذي سكن اعماقها وعقلها ووجدانها، ولم يبرح يوماً.

يا ليت روح الأمينة ادما كانت معنا في نادي خريجي الجامعة الأميركية لترى المئات من المحبين يتدفقون سيلاً لا يتوقف، لكانت أدركت اي حب يكنّه لها الرفقاء، والأصدقاء، وكل من عرفها تشعّ مناقب وايماناً وتحيا مثالية الالتزام القومي الاجتماعي".


وفي السابع من تموز نشرنا في ملحق خاص مقالة الرفيقة ذهره حمود بعنوان: ""حلم النهضة" ينبعث كتاباً في أربعين أدما ناصيف حماده.



 
جميع الحقوق محفوظة © 2017