إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

دور القوى الأجنبية في الإنتفاضات العربية

د. وسام جواد

نسخة للطباعة 2011-12-29

الارشيف

لم تعرف البشرية خلال مراحل تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلمي أحداثا متسارعة كتلك, التي مرت بها خلال القرن العشرين. فقد شهدت بدايتة تنافسا وسباقا محموما بين الدول الرأسمالية,احتلت فيه بريطانيا وفرنسا وايطاليا المراتب الثلات الإولى وتمكنت من بسط نفوذها وفرض سيطرتها على مناطق واسعة من العالم بعد سقوط الإمبراطوريات الألمانية والنمساوية-المجرية والروسية في الحرب العالمية الإولى وهزيمة الإمبراطورية العثمانية لاحقا.

خاضت الإمبراطورية العثمانية حروبا طاحنة ضد الامبراطورية الروسية منذ منتصف القرن السادس عشر, استمرت بصورة متقطعة حتى انتهت بقيام ثورة اكتوبر البلشفية. وكان لهذه الحروب دور في تأخر النظام الإقطاعي السائد آنذاك في كلا الدولتين عن اللحاق بركب التطور الحاصل في الدول الأوروبية,التي تجاوزت مرحلة البرجوازية وبدأت بتقوية دعائم التحولات الرأسمالية. وقد التزمت هذه الدول (خصوصا بريطانيا) بتقديم المساعدات الى الدولة العثمانية أثناء حروبها الطويلة مع روسيا, للحيلولة دون تحول الأخيرة الى قوة سياسية مؤثرة في أوروبا, واستعمارية منافِسة لها في مناطق نفوذها. ولم يبق لفرنسا سوى خيار الوقوف الى جانب بريطانيا, خوفا على مصالحها ومن منافستها.

ما بعد الحرب العالمية الإولى :

إنشغلت روسيا بعد الثورة البلشفية, بمعالجة آثار الحرب الأهلية والمجاعة ( 1919- 1923 ), والتحولات الشائكة من النظام الإقطاعي الى الإشتراكي دون المرور بمرحلة البرجوازية. أما في المانيا, فقد ظلت رغبة الإنتقام الجامحة من بريطانيا وفرنسا تؤرق قادتها, الذين شعروا بمرارة الرضوخ لشروط الإستسلام المهينه (راجع مؤتمر فرساي). ومع وصول الحزب النازي الى سدة الحكم بقيادة أدولف هتلر, والتحرك لإستعادة ما اقتطع من الأراضي الألمانية, بدأت تلوح في الأفق أخطار اندلاع الحرب من جديد في أوروبا. ولكي ينأى ستالين بشعوب الإتحاد السوفييتي من أخطار هذه الحرب المتوقعة, أقدم على توقيع اتفاقية عدم اعتداء مع المانيا ظنا بأن القيادة النازية ستلتزم بها, لكن سير الأحداث اللاحقة بين خطأ حسابات ستالين. فما ان نجح الألمان في الإجتياح السريع لبولونيا وسلوفاكيا,حتى جهزوا جيوشهم لغزو الإتحاد السوفييتي.

ما بعد الحرب العالمية الثانية :

ساعد دخول الحرب المتأخر للولايات المتحدة الى جانب الحلفاء على تعجيل هزيمة المانيا النازية. ويعزو البعض أسباب الدخول الى عوامل اقتصادية, بعد ان هددت المانيا ونفذت وعدها بضرب جميع السفن المتوجهة الى بريطانيا بواسطة غواصاتها, الأمر الذي تسبب بالحاق الضرر بالمصالح الإقتصادية لأمريكا, واضطر أصحاب الشركات التجارية والبنوك الى مطالبة حكومتهم بالتدخل لصالح الحلفاء, خوفا من فقدان قيم الدعم الإقتصادي والقروض الضخمة,التي قدمتها لفرنسا وبريطانيا.

ولا يجوز الأخذ بهذه الأسباب دون إضافة دورالإنتصارات,التي حققتها الجيوش السوفييتية في تحرير عدد من الدول الأوروبية وتقدمها نحو برلين, وخوف الدول الرأسمالية على أوروبا من "الخطر الشيوعي" في حال نجاح السوفييت من تحقيق النصر لوحدهم .

عالم ذو قطبين ما بعد الحربين :

أودت الحرب العالمية الإولى بحياة عشرة ملايين وجرح قرابة عشرين مليون من أفراد الدول المتحاربة, وأدت الى سقوط الإمبراطوريات العتيدة وتوقيع اتفاقية سلام مهدت بنودها لسباق تسلح جديد, واستعدادات لخوض حرب قادمة, إنطلقت إولى رصاصاتها عام 1939, ولم تتوقف إلا بعد سقوط الرايخ وتوقيع الألمان استسلاما غير مشروط مع قادة الجيش السوفييتي في 8 أيار 1945, مخلفة وراءها خسائر بشرية قدرت بخمسين مليون, لم تحل دون استمرار سباق التسلح بين حلفاء الأمس هذه المرة, بعد ان إنقسم العالم الى معسكر رأسمالي تقوده الإمبريالية الأمريكية وإشتراكي بقيادة الإتحاد السوفيتي .

الثمن والأطراف الرابحة والخاسرة من الحروب:

الثمن- هو أبهظ ما تدفعه الشعوب بفقدها الملايين من أبنائها رغما عنها. وهو النتيجة الحتمية للسبب الجامع للجشع والإنحراف الأخلاقي للأنظمة الرأسمالية المنافقة بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة, والدافعة بأبناء شعوبها الى حروب كارثية من أجل الحفاظ على مصالحها المادية.

الأطراف الرابحة- بينت الحرب العالمية الإولى والثانية خبث الدور,الذي لعبته الولايات المتحدة بتركها الدول المتحاربة تستنزف قواها ومواردها, كي تقوم بتقديم القروض لها ( مَصائبُ قوم عند قوم فوائِدُ ), وتتدخل لصالح الكفة الراجحة من أجل تأمين إسترجاع ديونها ( جمعت أمريكا بعد الحرب حوالي نصف احتياطي العالم من الذهب) وفرض الشروط الضامنة لحصتها من نهب ثروات الشعوب دون ان تجد الدول المدينة وسيلة للتعويض عن خسائرها وتسديد ديونها في غير نهب وسلب خيرات الدول المُستعمَرة.

الأطراف الخاسرة - قد تكون الخسائر مادية وقصيرة الأمد بالنسبة للدول الإستعمارية والمتطورة صناعيا, إلا أنها غالبا ما تكون كبيرة وطويلة الأمد بالنسبة للدول المُستعمَرة. وتمثل إعادة بناء ما دمرته الحرب واستعادة الاقتصاد لعافيته مرحلة تجاوز الخسائر, التي يمكن تجاوزها تدريجيا ( عدا الخسائر البشرية ) . أما تلك, التي تبتلي بها الدول بسبب قرارات جائرة تفرضها الدول الإستعمارية, فإن من الصعب تجاوزها, كما هو الحال في فلسطين حين شجعت بريطانيا دخول اليهود اليها أثناء الإنتداب, تمهيدا لتنقيذ وعد بلفور القاضي بانشاء وطن لليهود,أعلن عن تأسيسه سنة 1948, وكما حصل في بعض الدول العربية كالعراق, حين ساعدت بريطانيا وأمريكا على تأسيس أحزاب وتنظيمات ذات نزعات قومية وشوفينية,حرضتها على الدخول في صراع وتنافس ضيق مع القوى الوطنية التقدمية, التي مثل الحزب الشيوعي العراقي طليعتها.

وقد أدت محاولة إغتيال الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم عام 1959 وإنقلاب 8 شباط 1963 الدموي, واستمرار القمع والإرهاب الداخلي بعد انقلاب 17 تموز 1968, والتورط في حروب عبثية مع دول الجوار الى إضعاف الجبهة الداخلية وسهولة اختراقها من قبل أطراف أجنبية وعربية ساعدت على جريمة إحتلال العراق. وكان الخاسر في كل هذا وذاك,هو الشعب العراقي بكل مكوناته.

خرجت الدول العربية من ظلمات الإحتلال العثماني بعد الحرب العالمية الإولى, فوجدت نفسها في حِندِس الإحتلال البريطاني- الفرنسي- الإيطالي الأظلم,الذي انخدعت بزَبد وعوده لها بالحرية والإستقلال علنا, بينما كان منهمكا بتجزئة أراضيها وتقاسم ثرواتها سرا( وعد بلفور,اتفاقية سايكس بيكو,معاهدة لوزان).

وبالرغم من تبدل الأوضاع بعد الحرب العالمية الثانية وظهور قوة عظمى ( الإتحاد السوفييتي ) لعبت دورا رئيسيا في الإنتصار على النازية, ونشر الفكر الإشتراكي, ومساعدة حركات التحرر في كفاحها ضد الإستعمار, إلا ان واقع العالم العربي لم يتغير جوهريا, لإنتقال معظم دوله من مرحلة الإحتلال الى التبعية وموالاة الدول الإستعمارية.

مصر:

تمكن الضباط الأحرار من الإطاحة بالنظام الملكي في 23 يوليو 1952 والإعلان عن نجاح ثورتهم,التي انضم اليها الشعب. ولم يرق لبريطانيا وفرنسا خروج النظام الجديد عن طاعتهما, فقررتا التدخل عسكريا بعد تأميم قناة السويس بتحريك القوات الإسرائيلية أولا, وقيامهما بقصف المواقع العسكرية ومحاصرة الجيش المصري في منطقة القناة ثانيا, إلا ان الإنذار السوفييتي بضرب لندن وباريس أفشل العدوان الثلاثي على مصر, دون ان تتوقف دول العدوان عن التدخل في الشؤؤن الخاصة بمصر, بل ضاعفته بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر حتى أثمرت جهودها بنكران أنور السادات جميل الإتحاد السوفييتي, وخوضه حرب اكتوبر 1973,التي أوقفها مأزق الدفرسوار, وزيارته لإسرائيل في نوفمبر1977, وتوقيعه مع مناحيم بيغن اتفاقية كمب ديفيد في أيلول 1978,التي أبعدت مصر لعدة سنوات,عن محيطها العربي .

ومع استلام حسني مبارك مقاليد السلطة بعد اغتيال أنور السادات في السادس من اكتوبر 1982, تكون مصر قد دخلت أحدى أسوأ فترات حكمها من حيث التسلط والفساد, وتنفيذ الإملاءات الأمريكية والصهيو- أوروبية. ولن تنسى شعوبنا مواقف حسني مبارك المخزية تجاه قضايا الأمة ووقوفه عسكريا وإعلاميا الى جانب الإمبريالية الأمريكية أثناء وبعد الحرب على العراق وتعاونة مع إسرائيل في عدوانها على لبنان وفلسطين.

العراق :

لم يختلف حال العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 عما كان عليه الوضع في مصر بعد الثورة من ناحية نصب المكائد وإعداد خطط الإطاحة بالنظام الوطني. وقد مثل نقل المتعاونين مع وكالات المخابرات الأجنبية, والمُدربين على الإغتيالات السياسية والمهام القذرة بالقطار الأنجلو-أمريكي, بداية تنفيذ خطط التآمر, تحت شعارات قومية زائفة, ودينية مشبوهة, كشفتها محاولة إغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم, وبينت أبعادها دموية انقلاب 8 شباط 1963.

إن التصفيات الجسدية لخيرة أبناء الشعب العراقي من العسكريين والمدنيين على أيدي جلاوزة النظام, لم تكن سوى واحدة من معارك الحرب العالمية,التي شنتها الإمبريالية الأمريكية والرأسمالية بواسطة الأعوان والعملاء, كالذين نقلهم القطار الأمريكي في شباط 1963 وتموز 1968 لوقف"الخطر الشيوعي"

وتحقيق المكاسب بتأجيج الصراعات, وتعميق الخلافات الداخلية هنا وهناك في ظل أنظمة دكتاتورية وقمعية, يمكن تأليب الجماهير ضدها والتخلص منها عند انتهاء الحاجة اليها, كما حصل في مصر وليبيا.

صراع الإرادات بين الإنتفاضات والتدخلات :

يدور صراع فرض الإرادات بين الشعوب وانظمتها ليس بعيدا عن رقابة القوى الأجنبية الطفيلية,التي تتغذى على استمراره. إذ لا يمكن تصور وقوف هذه القوى متفرجة على براكين غضب الشعوب العربية وهي تصب حممها على أنظمتها البغيضة, دون ان تتحرك لوقاية نفسها من الخطر وحماية مصالحها. ولعل صور اليهودي الصهيوني العقيدة, برنار هنري بين " ثوار" السودان ومصر وليبيا, وما صرح به : " شاركت في الثورة الليبية من موقع يهوديتي ولأجل اسرائيل"

كافية لإلقاء الضوء على بعض جوانب تدخل التحالف الرباعي بين الإمبريالية والرأسمالية والصهيونية والرجعية العربية,الذي حرّك حٌكامه, وجَند أزلامه, وسَخّر إعلامه, لإقناع من يمكن إقناعه بأن ما يحصل في بعض الدول العربية هو " ثورات 100% ", وان التحالف يسعى الى مساعدة شعوبها للتخلص من أنظمتها القمعية, الأمرالذي ينفيه الواقع, ولا يمكن لعاقل ان يصدقه. فقصف المدن الليبية, وقتل المدنيين, وتسليح "الثوار" رغم الحظر الدولي, واغتيال القذافي بطائرات الناتو ورصاص "الثوار", دون محاكمة, هو إرهاب وجريمة لا تغتفر ( بصرف النظرعن الموقف من النظام ), ولا يجوز إدراجها ضمن ما يسمى بـ المساعدات.

إن تدمير البنى الأساسية للعراق, وحل جيشه, وسرقة إرث حضاراته, وقتل وتشريد مئات الإلوف من أبناء شعبه وزرع الشقاق والفتنة بين مختلف مكوناته, وتكرار الجريمة في ليبيا, ومحاولات تكرارها في دول عربية أخرى ( سوريا ولبنان ), يُعد نموذجا جديدا وفريدا لإستعمار لا وجود له في غير عالمنا العربي. فبحبك المؤامرات, وافتعال الأزمات, وتعميق الخلافات, تتدخل الولايات, بمعاونة الدويلات, معروفة الولاءات, لإسقاط الحكومات,وفرض الإرادات, ونهب الثروات,باسم الحريات, وتقديم المساعدات.

الخلاصة :

إن أسوأ ما يمكن أن يحصل قد حصل. فالخراب والفوضى قد عمت, والفتنة السياسية والدينية قد وقعت. وها هو العراق الذي ظل يئنُ من جراح طعنات الأمس,التي تلقاها على أيدي أزلام النظام السابق, يرقد اليوم في غرفة الإنعاش لتلقيه ضربات مجرمي الحرب الإمبريالية, وحرب التيوس الشبيهة بالبسوس, التي أشعل فتيلها حمقى الطائفية, دون ان يتمكن رجال اطفاء حرائق الفتن المذهبية من إخماد سعيرها الى الآن. أما بالنسبة لما حصل في ليبيا, فإن مرتكبي الجريمة لن يتمكنوا من تبريرها ولا من اقناع العالم بأنهم ساعدوا "الثوار" من أجل تغيير النظام الدكتاتوري وليس من أجل النفط .

وأخيرا, يُخطئُ من يظن بأن القوى الخارجية سوف تكف عن التدخل لمنع تحول الإنتفاضات الى ثورات. ويُخطئُ من يُسمي الإنتفاضات الحالية بـ "الثورات",لأن الأخيرة تقتضي وجود نخب طليعية مؤهلة لقيادة الجماهير في عملية التغيير, وسيطرة على مرافق البلاد الحيوية, واشتراك الجيش الى جانب الشعب, كما حدث أثناء ثورة 23 يوليو وثورة 14 تموز الخالدتين, لا كما يحصل في مصر واليمن والبحرين, حيث الرصاص لا يزال يخترق أجساد المتظاهرين, وحيث الطغاة لا يحاكمون على جرائمهم.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017