لم ينته الجدل بشأن كيفية التعامل مع قضية الانفاق خلال الاعوام 2006-2009، على الرغم مما قيل بأن الحل الذي وضعه مجلس الوزراء في عهدة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي «قد نضج فعلاً». كما أنه لم يعرف بعد ما إذا كانت مشاريع قطع الحسابات ستكون على طاولة مجلس الوزراء يوم غد، بعدما تردد أن الخلاف ما يزال يتركز حول الصياغة المطلوبة للمادة الاولى لهذه المشاريع.
وفيما تردد أن الرئيس فؤاد السنيورة قد وافق فعلاً على الصيغة التي تركز الحديث حولها خلال الاسبوع الماضي والتي نصت على أن «يقطع حساب الإيرادات والنفقات المنفذة فعلياً خلال السنة المالية 2008 وفقاً لأحكام المواد التالية والجداول الملحقة بهذا القانون»، فإن اعتراضات عدة برزت لمصلحة التأكيد على عدم قطع حساب الايرادات والنفقات كلها بل قطع حساب ما يسمى بـ«الموازنة الاثنتي عشرية».
يعتمد أصحاب هذا الرأي على اجتهاد للدكتور خطار شبلي في كتابه «العلوم المالية: الموازنة»، ليخلصوا إلى أن «الاعتمادات المحتسبة على أساس القاعدة الاثنتي عشرية هي موازنات ويمكن قطع حسابها كموازنات قائمة بذاتها». وعليه، يرى هؤلاء أن ما أنفقته الحكومات المتعاقبة منذ العام 2006 إضافة إلى اعتمادات الموازنة الاثنتي عشرية يدرج في قطع الحساب ويشكل بذلك التجاوز السنوي لما هو مقرر إنفاقه على أساس القاعدة الاثنتي عشرية سنوياً. وعليه، فإن نص المادة الاولى الذي يدور حوله النقاش حالياً هو: «يقطع حساب موازنة الدولة المتضمن كلاً من الموازنة العامة والموازنات الملحقة عن السنة المالية 2008...».
وفي انتظار خروج الدخان الأبيض من السرايا الحكومية، تجدد الحديث عن المبلغ الفعلي الذي صرف في الأعوام 2006 -2009 إلى الواجهة، بعد الجدال الذي دار بين الرئيسين إميل لحود وفؤاد السنيورة على خلفية الهبات التي حصل عليها لبنان إبان «حرب تموز».
وإذا كان اصطلح على اعتماد المبلغ الذي أعلنه الرئيس نبيه بري في قصر بعبدا، منذ نحو عامين (حزيران 2010)، والبالغ 11 مليار دولار كوحدة قياس للمخالفات التي ارتكبت في الأعوام المذكورة من خلال الصرف الزائد عن القاعدة الاثنتي عشرية، فإن السجال الأخير أعاد التذكير بأن هذا المبلغ «ليس دقيقاً بأي حال».
سياسياً، صار رقم رئيس المجلس هو الوحيد المتداول من قبل فريقي النزاع. أما المتخصصون بالشأن المالي، فيرون أن الواقع مختلف تماماً عن ذلك. إذ أن احتساب التخطي يفترض ان يقاس على أساس تخطي الإنفاق في الموازنة والخزينة، إضافة إلى احتساب البنود المخفية كالانفاق الاستثماري والانفاق الفعلي كعجز الكهرباء ومدخول البلديات، حتى مع الأخذ في الاعتبار هذه الملاحظات، فإن الأهم، أن التخطي لا يحسب بشكل شامل بل على أساس كل بند في الموازنة على حدا. وعلى سبيل المثال، إذا كانت مديرية الاقتصاد في وزارة الاقتصاد والتجارة قد تخطت سقف الانفاق بمليون ليرة في البند المخصص للرواتب، مقابل تحقيقها وفراً بنصف مليون في بند المخصصات، فإن التخطي لا يكون نصف مليون بل مليوناً، لأنه لا يجوز الخلط بين البندين، وما تحقق من وفر في أحدهما لا يلغي التخطي في الآخر.
وعليه، فإن التخطي العام يصبح من الصعب تقديره بل يحتاج إلى عملية حسابية معقدة، تؤدي في كل الحالات إلى رفع المبلغ عن الـ11 ملياراً. أما عند زيادة ما صرف من خارج الخزينة، وخاصة في الهيئة العليا للإغاثة، فقد تصل قيمة التخطي إلى 15 مليار دولار أو يزيد.
مسألة الهيئة العليا للإغاثة كانت محور الجدال الذي دار بين لحود والسنيورة. ففيما أكد لحود أن هبات حرب تموز قد ضاعت كلها في مغاور الهيئة، من دون أن يدخل أي قرش إلى الخزينة، «ما أضاع أي إثبات على كيفية الصرف الذي حصل بتوقيع السنيورة وحده». فقد اعتبر الأخير أن المبلغ ليس 3.6 مليار دولار، كما ادعى لحود، بل 1.1 مليار فقط. أما في رده على عدم معرفة مجلس الوزراء أو موافقته على طرق إنفاق هذا المبلغ، فاكتفى السنيورة بالاشارة إلى أن «حسابات هذه الهبات موجودة في مصرف لبنان ويمكن لمن يشاء ولأي مواطن الإطلاع عليها وكذلك على مصادرها وأبواب إنفاقها».
بهذه السهولة، أنهى السنيورة رده على لحود، وبالسهولة نفسه قصدت «السفير» مصرف لبنان. من سؤال إلى سؤال وصلت إلى إدارة «أنظمة الدفع». ثوان معدودة كانت كافية لتأكيد المؤكد: قال الموظف المعني: عذراً لا يمكنك الإطلاع على أي حسابات للهيئة أو حتى الحصول على أي معلومات بشأنها تطبيقاً للسرية المصرفية. أضاف الموظف: يمكن حصرياً الحصول على هذه المعلومات من الهيئة نفسها، أو عبر تقديم طلب معلل بأسباب موضوعية لحاكم المصرف المركزي يطلب فيه رفع السرية المصرفية عن حسابات الهيئة.
إذاً لماذا قال السنيورة ذلك وهو العارف بأن الإطلاع على أي حساب بغض النظر عن هوية صاحبه لا بد أن يصطدم بالسرية المصرفية؟ يرى مصدر متابع أن «بيان السنيورة لم يأت إلا ليزيد الشك في إنفاق الهيئة العليا للإغاثة المتفلتة من أي رقابة، أما الحديث عن رقابة لاحقة لديوان المحاسبة على ما يُصرَف، فيعرف القاصي والداني أنها مجرد أحلام لم تتحقق منذ نهاية السبعينيات، ومن يذكرها يكون كمن يؤكد أن ثمة ما يرغب في إخفائه».
الهبات التي حصل عليها لبنان إبان حرب تموز هي ربما ليست 3.6 مليار دولار كما قال لحود، إلا أن الهبات التي حصل عليها لبنان في تلك الفترة لم تقتصر على هبات تموز بل تُضاف إليها «باريس 3» وهبات أخرى وسلفات خزينة أعطيت للهيئة، بما يقارب مجموعه ما ذكره لحود.
وحتى الفقرة التي كانت توضع في موازنات 2000-2005 وتنص على أن «تطبق في إنفاق اتفاقيات القروض الخارجية والهبات الجارية الأحكام النظامية المعتمدة لدى الجهة المقرضة على أن تخضع لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة»، والتي اختلف على تفسيرها بين من يرى أنها لا تعني أنه يجوز تخطي القوانين والاصول الدستورية، وبين من طبق تفسيراً أخرجها من كونها إيرادات موازنة، فإن الأكيد أن الاشارة إلى هذه الفقرة سنوياً يعني حكماً عدم جواز تطبيقها في حال عدم وجود موازنة. وهذا يعني أن عدم وجود موازنات في 2006 و2010 كان يحتم العودة إلى اتباع الأصول في اعتبار هذه الهبات جزءاً لا يتجزأ من الايرادات وكذلك صرفها جزءاً لا يتجزأ من النفقات.
|