إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الامين فؤاد صعب: قدوة نضالية، مناقبية

نسخة للطباعة  | +  حجم الخط  - 2012-04-28

كنا قد عمّمنا بتاريخ 12/04/2012 عن صدور كتاب جديد للامين الجزيل الاحترام مصطفى الشيخ علي بعنوان "في مواكب النسور ".

والكتاب المذكور يزخر بالكثير من المعلومات والروايات والاحداث التي يفيد الاطّلاع عليها .

منها اخترنا ابرز ما نشره الرفيق مصطفى عن الامين الراحل فؤاد صعب، والذي كان قدوة نضالية، مناقبية، الى وعي حزبي متقدم وثقافة قومية اجتماعية عميقة وشاملة.

عن الامين فؤاد صعب يحكى الكثير . هذا بعض، على امل ان نكتب عنه، ويكتب من عرفه جيداً، ونعرّف على مزاياه وفضائله، ستبقى ماثلة في اذهان وذاكرة رفقائه.

*

تعرفت الى الامين فؤاد صعب منذ 40 سنة حين كان منفذاً عاماً لمنفذية ليبيريا، وكنت عضواً حديث الانتساب في إحدى المديريات التابعة لهذه المنفذية. في البدء، لم أكن لالتقيه الا في المناسبات الحزبية الرسمية، او في اجتماعات استثنائية وذلك بحكم نظامنا الحزبي. غير اني لا اذكر لقاء واحداً الا وترك في نفسي اثراً طيباً ما زالت تختزنه ذاكرتي الى يومنا هذا . كان لكلامه وقع خاص يميزه الهدوء والتأني في انتقاء الكلمات المعبّرة والحاسمة في آن، يتسرب الى وجدان المستمع دون أن يستأذنه بالدخول. معه، كانت منفذية ليبيريا أقوى منفذيات الحزب في الوطن وعبر الحدود، لما كان يتمتع به الامين فؤاد من قيادة فذة وشخصية تجمع بين القوة والحنكة والمعرفة.

لم اعهد بين الناس سوى صديق يحبه ورفيق يقتدي به وخصم يرهبه ويحترمه.

كانت للكلمات البسيطة في قاموسه أبعاد جديدة، فتأخذك الدهشة وكأنك تسمعها للمرة الاولى في حياتك . سمعته مرة يقول : ( إذا كان هذا هو الوضع، فسيكون هذا هو موقفنا.. أقول إذا كي لا اخطىء..) وأكمل حديثه. بينما انا مأخوذ بهذه الـ اذا التي تمنع الخطأ وتوحي الدقة وتمنح الثقة.

لم ادرك أن لأداة الشرط هذه كل هذه الابعاد وهذه الحصانة. في مثل هذه الكلمات البسيطة، في كل مرة، كان باستطاعته أن يكون واضحاً، صادقاً، معبراً، حاسماً، مستحوذاً على انتباه الجميع وجريئاً لا يخاف الا الخطأ.. الذي يقود الى الفشل.

قصدته ذات مرة لأقترح عليه معاقبة أحد الرفقاء بالطرد، او أقله بالفصل لاجل غير مسمى. إذ كان لهذا الرفيق النشيط هفوات تسيء اليه وبالتالي الى الحزب . وكنت متحمساً جداً لعقوبة الطرد. فبادرني بنظرة ترافقها ابتسامة تتفهم حماستي تلك، وسألني : ماذا كنت تفعل يا رفيقي إن آلمتك ذراعك . أتعالجها أم تقطعها.؟؟؟ فاكتفيت بإلقاء التحية الحزبية وانصرفت مدركاً اني كنت على وشك أن أكون مثل ذاك البغل الذي يهم بلبط رفيق من الداخل. وبدقائق معدودة انتهى موضوع كنت مهيأً لاناقشه على مدى ساعة أو اكثر.

.. ثم عاد الى الوطن لأسباب .. بعضها صحي، غير انه تناسى وضعه الصحي وراح يعالج الازمة الحزبية التي أدت الى انشقاق داخلي. انتخب عضو مجلس رئاسي، وشهد منزله في الشويفات شبه يومية استمر معظمها حتى طلوع الفجر.

.. ثم رجع الى ليبيريا ليعالج وضعه المادي ، بعد ان عالج قلبه المثقل بهموم الامة والحزب.

الازمة التي عصفت بالحزب كانت همّه الاكبر، إذ كيف لحزب الوحدة هذا ان يصبح أحزاباً.

كان حزنه كبيراً بحجم ايمانه، والامه عظيمة شأن كل ذي نفس كبيرة. غير أن أحزانه وآلامه بقيت صامتة يعبّر عنها بابتسامات أمرّ من الحزن وأبلغ من الالم. لكن كلامه بقي يشيّع الثقة ويوحي بالاطمئنان .

عند عودته الى ليبيريا لم تكن له اي مسؤولية ادارية، والمنفذية قد اصبحت منفذيتين واحدة تابعة لرئاسة الدكتور عبد اللـه سعادة، واخرى تابعة لرئاسة الامين عصام محايري.

وذات يوم سمعنا خبراً تناقلته وسائل الاعلام اللبنانية مفاده أن الحزب قد توحد وأصبح لديه قيادة واحدة برئاسة الدكتور عبد اللـه سعادة، بعد ان حل التنظيم الاخر نفسه. (باستثناء تنظيم جورج عبد المسيح) وهذا ما أحدث لغطاً كبيراً بين رفقاء ليبيريا وجلّهم يريد ان يعرف على ماذا اتفقوا؟؟؟ وهل فعلاً زالت اسباب الانشقاق ؟؟؟ الخ. من تساؤلات كثيرة لا احد يملك الاجابة عليها. فالقوميون بطبيعة تربيتهم العقائدية يرفضون ان يكونوا مطايا لاحد، لان تعاقدهم كان مع صاحب الدعوة على مبادئ صريحة وواضحة.

فما كان من الامين فؤاد صعب الا ان دعا هؤلاء الرفقاء الى لقاء في منزله في منروفيا.

توافد الى منزله اكثر من خمسين رفيقاً وكنت أنا في عداد الحاضرين، وقف الامين فؤاد وقال كلاماً رزيناً هادئاً وحاسماً ما زلت اذكر بعض هذه العلامات الفارقة في إيمانه ومحبته لرفقائه وحزبه:

هذا لقاء وليس اجتماعاً حزبياً، إذ ليس لي صفة رسمية كي ادعو الى اجتماع.

- ارجو أن تنادوني بالرفيق فؤاد لان المؤسسة التي منحتني رتبة الامانة قد حلت نفسها ، وهذا يعني ان كل القرارات التي صدرت عنها هي في حكم الملغى.

- أنا أفهم أسباب اللغط الحاصل كما أني أتفهم أسباب استيائكم ، لكن عليكم ان تدركوا أن المؤسسة التي عملتم من خلالها قد حلت نفسها وهذا يعني من الناحية الدستورية أنها لم تعد مخولة بإصدار أي قرار او تعميم.

- تبادر الى مسامعي أن بعضكم سيكتفي بممارسة إيمانه في البيت. هذه بدعة. إذ ليس هناك من قومي اجتماعي في البيت، إما أن تكونوا ملتزمين بالحزب ومؤسساته أو أن لا تكونوا.

- أما الذي يقول بأنه يرى الاخطاء داخل الحزب ويريد أن يصححها من خارج الحزب فهذه بدعة اخرى، لان الذي يبتعد عن الحزب سيؤول أمره الى واحدة من اثنين، إما أنه سينسى الحزب أو ان الحزب سينساه .

- بالأمس كنتم تتمنون وحدة الحزب، وها هي اليوم قد حصلت. يجب ان تبقوا على ثقتكم بقرار المؤسسة التي حلت نفسها في سبيل هذه الوحدة. فهي لم تخذلكم.

في صباح اليوم التالي قصدت حضرة المنفذ العام ووضعت نفسي بتصرفه فألحقني بإحدى الوحدات الحزبية. كان لكلام الرفيق فؤاد صعب أبعاد اكثر من خطوتي هذه، لانه حرك في مكامن نفسي الارادة والعزم على أن اكون وأبقى دائماً عضواً عاملاً في هذا الحزب، مهما تعثرت مسيرته وتراكمت عليه الويلات. او تسلّق جدرانه بعض المنتفعين من هنا او هناك.

الرفيق فؤاد وقف نفسه على مصلحة الامة والحزب وأعطى من نفسه في اصعب الظروف واحرجها، سواء كان اميناً، رئيساً، منفذاً عاماً او رفيقاً فهذه الالقاب والمواقع الادارية كانت اخر همومه. لانه اقتصر حياته كلها عملاً، إيماناً ومنهجاً بخمسة حروف : س . ع . ا . د . ة.



 
جميع الحقوق محفوظة © 2017