رأت أوساط ديبلوماسية غربية مراقبة للوضع اللبناني، في الحوادث التي شهدتها مدينة طرابلس على مدى أسبوع، «بداية ثورة سلفية» تنطلق من «عاصمة الشمال اللبناني» وتتوسع تدريجياً لتمتد نيرانها الى عكار، وبحسب الترجيحات الغربية فإن اللبنانيين ما زالوا يشهدون الفصول الاولى من «سيناريو» لا ترغب أي دولة بتبنيه.
واذا كانت الدول الغربية ما تزال تصرّ على دعمها لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي من حيث حفاظها على استقرار لبنان عبر سياسة «النأي بالنفس» التي انتهجتها سياسياً، وخاصة في الموضوع السوري، فإن هذه الدول تأخذ على ميقاتي أنه لم يعمد فعلياً لإبعاد العدوى السورية عن طرابلس عبر حماية الحدود وإحكام السيطرة عليها من قبل القوى الأمنية اللبنانية لمنع تسرب السلاح الى المعارضة السورية.
واذ ترى دوائر ديبلوماسية غربية في بيروت أن الحوادث الطرابلسية هي «صفعة موجعة» لميقاتي من قبل «قوى 14 آذار»، فإنها تلحظ أيضاً بأن الصفعة مزدوجة لـ«حزب الله» وحلفائه من «قوى 8 آذار»، «لأن هذه القوى فشلت في الوقوف سداً منيعاً امام المخطط المرسوم لسوريا والتي يبدو أن طرابلس وعكار هما جزء من مكوناته».
وفي القراءة الديبلوماسية الغربية أن «الثورة السلفية» المستمرة حالياً، في طرابلس، «ليست الا لتأمين ممر آمن لإمداد المقاتلين السوريين في «الجيش السوري الحر» في محافظة حمص بالسلاح وبما يلزم لإتمام ثورتهم ضد النظام السوري». وترى هذه الأوساط ان اقصى امتداد لهذه «الثورة السلفية» سيكون الى منطقة عكار شمالاً.
ولا تتخوف الدوائر الديبلوماسية الغربية ذاتها من مدّ سلفي يطال كل الاراضي اللبنانية أو من أي إخلال بموازين القوى السياسية لمصلحة السلفيين لانهم، بحسب الاوساط نفسها، لا يتعدون الـ15 في المئة من الحالة الطرابلسية وهذه النسبة «سمتها انها ميليشياوية» ولا أفق سياسياً لها، وبالتالي «فإن الوريث الوحيد لنهاية النظام السوري سيكون رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ذو الباع السياسي والعلاقات الدولية والمحبوب من قبل سنّة لبنان، لأنه من نسيجهم المعتدل أصلاً».
وبرأي هذه الأوساط أن أهل السنة في لبنان، وخاصة أبناء المدن، «لا يحبون حمل السلاح وهم ليسوا مقاتلين بطبعهم ما سيحصر هذه «الثورة السلفية» في نطاق جغرافي واجتماعي محدد في المدينة (طرابلس) تنتهي مفاعيلها بانتهاء هدف توظيفها لمصلحة مدّ الثورة السورية بالسلاح عبر ممر آمن هو طرابلس.
لا تتبنى الدول الغربية أي مسؤولية في نقل السلاح إلى سوريا عبر طرابلس، لكنها تتحدث عن «حسابات غربية وأميركية» أيضاً تركز على الداخل السوري ولا ترى في مدينة طرابلس إلا «ممراً» لتحقيق أهدافها الكبرى. أما في الحسابات الداخلية، فترصد الأوساط الديبلوماسية الغربية رغبة «حريرية» في إسقاط حكومة ميقاتي قبل الانتخابات النيابية المقبلة، مشيرة إلى أن طرابلس «هي نقطة ضعف ميقاتي أولاً.. وليس الحريري».
رصد لموقف «حزب الله»
وتتساءل الأوساط الديبلوماسية عن رؤية «حزب الله» لما يجري على الساحة الطرابلسية؟ وتسأل عن موقفه من سيناريوهات عدة قد تحصل: ماذا سيكون موقف الحزب في حال تعرّض العلويين في جبل محسن للقتل؟ هل سيتحرّك الحزب لنصرتهم أم لا؟ وكيف ينظر الحزب إلى القوة السلفية المتصاعدة في الشمال وماذا إذا أسقطت هذه القوى حكومة نجيب ميقاتي وشكل سعد الحريري حكومة جديدة؟
وتتابع الأوساط أسئلتها عن موقف «حزب الله» وردة فعله تجاه مواقف وليد جنبلاط حيال ما يجري في طرابلس، متسائلة عما سيكون موقف الحزب في حال قرر جنبلاط «تطيير الحكومة»، وهو الذي تباهى أمام مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان أثناء زيارته الأخيرة لبيروت بأن قرار إبقاء الحكومة اللبنانية او نسفها هو في يده فحسب».
وتلفت هذه الاوساط الى ان «قوى 14 آذار» تنفذ عبر وليد جنبلاط التكتيك ذاته الذي استخدمته «قوى 8 آذار» مع حكومة سعد الحريري الأخيرة «بحيث أبقت سيف إسقاطها مصلتا عليها الى حين انقلبت عليها فجأة»، بالتزامن مع دخول سعد الحريري الى البيت الأبيض للاجتماع بالرئيس الأميركي باراك أوباما، متوقعة تكرار «سيناريو» مماثل لحكومة ميقاتي التي ما تزال تحظى بالدعم الغربي، لكن مع وجود انتقادات لعدم تحول النأي بالنفس من موقف سياسي الى ممارسة عملية تمنع تسيب الحدود وانفلاتها.
وتتساءل الأوساط الديبلوماسية الغربية حول كيفية تجاهل المسؤولين اللبنانيين لخطر «السلفيين المتصاعد»، مشيرة الى أن الأزمة السورية ستطول ولا بديل لغاية اليوم سوى الحالة السلفية المتصاعدة، معترفة بأن «الغرب يتصل برئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون ويطلب منه وضع حماية الأقليات في سوريا في مقدمة اهتمامات المعارضة»، لكن برهان غليون ليس بنظر الغرب «أكثر من شخصية تقدّم للرأي العام الغربي بديلاً عن صورة الفراغ الحقيقي لدى المعارضة السورية».
وتشير هذه الأوساط الى وجوب أن يفكر اللبنانيون جدياً بكيفية مجابهة خطر التطرف، وتتساءل عن حقيقة موقف «حزب الله» اذا قويت «الثورة السلفية» في طرابلس مهدّدة العلويين الموجودين في جبل محسن؟ علماً بأن بعض الديبلوماسيين الغربيين زاروا هذه المنطقة وهم يرسمون صورة دقيقة عن الأوضاع فيها، كما زاروا منطقة «باب التبانة» ورصدوا السلاح المنتشر بكثرة وحسّ التدين القوي «حتى لدى شخصيات مسلمة درست في بلدان غربية لأعوام طويلة وإذا بها تعود الى طرابلس وسرعان ما تتماهى مع الحالة السلفية الصاعدة، بدليل ما يرتديه بعض هؤلاء فضلاً عن اللحى الطويلة».
|