يومان قضتهما وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في مصر قبل ذهابها للقاء بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين في إسرائيل. وكانت أوضاع المنطقة وتطوراتها العاصفة على رأس أجندة محادثات كلينتون، باستثناء الملف الفلسطيني الذي تم تجاهله تماما في هذه الزيارة؛ وهو ما يتناقض مع زيارتها «الإسعافية» العاجلة إلى القدس في منتصف شهر أيلول/ سبتمبر من العام 2010 حين التقت نتنياهو والرئيس عباس في محاولة لإنقاذ المفاوضات المباشرة بعد يوم واحد فقط من وصول لقاء القاهرة إلى الفشل الذريع.
فهل أجلت الوزرة الأميركية الملف الفلسطيني إلى لقاءات أخرى تعقدها مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أم أن قطار الانتخابات الأميركية وتداعيات الأوضاع المتحركة في المنطقة رسمت تحركات واشنطن حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير؟
يجمع المراقبون على أن زيارة كلينتون لمصر واجتماعها مع الرئيس المصري محمد مرسي كان ترسيما للعلاقات التي تطورت في الفترة الأخيرة ما بين الإدارة الأميركية وجماعة الإخوان المسلمين في مصر. وإذا كانت زيارتها السابقة لميدان التحرير عقب تنحي الرئيس المصري جاءت لتؤكد وقوف واشنطن مع التغيير الحاصل في البلاد، فإن هذه الزيارة تأتي في ظل تجاذبات حادة بين أطراف القوى المؤثرة في الحياة السياسية المصرية وفاصل بين كلُّ من المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين جماعة الإخوان. وكان مهما لدى إدارة أوباما أن متسمع تأكيدا مصريا رسميا وخاصة من الرئيس الجديد يجدد التزام القاهرة بالاتفاقات الدولية التي وقعتها مصر وفي المقدّمة اتفاقية كامب ديفيد.
وفي الوقت نفسه، توقع المراقبون أن تمارس واشنطن ضغوطا متصاعدة على المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية من أجل القيام بخطوات تزيد من صلاحيات الرئيس الجديد وربما يصل الأمر إلى التدخل في قرارات سبق اتخاذها وأحالت مسألة التشريع في البلاد إلى المجلس حتى انتخاب برلمان جديد. وقد بدأت مؤشرات هذه الضغوط بتصريحات أميركية عدة في هذا الاتجاه مما دفع المجلس العسكري للرد بقوة رافضا أية تدخلات خارجية في الشؤون المصرية الداخلية.
وفي لقاء كلينتون مع نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين، كان الملف الإيراني أبرز الحاضرين في المحادثات التي جرت هناك. وقد لمس توافق على زيادة التنسيق الأمني والسياسي بينهما وإبقاء هذا الملف قيد الملاحظة، في وقت رأى مراقبون أن إدارة أوباما لا تريد تصعيد نوعيا في هذا المجال إلى حين انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية.
مقابل كل هذا، بقي الملف الفلسطيني في الظل ولم يدرج أساسا على جدول أعمال زيارة الوزيرة الأميركية مما يدفع إلى إبراز الملاحظات الآتية:
* منذ انطلاق عملية التسوية السياسية وفق قواعد أوسلو، مارست الولايات المتحدة هيمنتها على مسار هذه العملية وتحكمت بآلياتها بالتنسيق مع تل أبيب وهذا يفسر ثبات مواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على هذا المسار بعد أن ضمنت من حيث الجوهر أن الحلول التي يمكن أن تأتي بها هذه العملية لن تخرج عن المصلحة الإسرائيلية العليا.
* ووفق هذه الآليات وتمتع كل من تل أبيب وواشنطن بحق الفيتو في وجه أية تدخلات دولية في هذه العملية، قد تمكنت إسرائيل من إخضاع التسوية برمتها على إيقاع الحياة السياسية الإسرائيلية، ولجأت في لحظات عدة إلى توظيف عقد المفاوضات في التجاذبات الحزبية ووضع عملية التسوية في ثلاجة الانتظار عند اتخاذ قرار الانتخابات المبكرة.
* ولم تكن واشنطن بعيدة عن هذا المبدأ الاستعمالي، فكانت تسخن عملية التسوية أو تبردها ربطا بظروف الإدارات الأميركية المتعاقبة. فتسخنها مع بداية ولاية أي رئيس جديد أو تجديد ولايته لاحقا، وقد حصل ذلك مع جميع الرؤساء الأميركيين الذي عاصروا عملية التسوية السياسية منذ انطلاقتها في بداية تسعينيات القرن الماضي. وخير دليل على ذلك الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما الذي أطلق خطاب الشهير في 4/6/2009 بعد أشهر قليلة من تسلمه مهام منصبه، وتضمن هذا الخطاب وعودا معسولة للفلسطينيين والعرب أوحى من خلالها أن قطار التسوية سينطلق وفق قواعد جديدة تأخذ بنظر الاعتبار أولا حق الفلسطينيين بدولة مستقلة وأشفع هذه الوعود بإعلان موقف متقدم نسبيا من الاستيطان ودعا إلى تجميده.
لكن ذلك لم يدم سوى عدة شهور بدأ بعدها الموقف الأميركي بالتراجع والاقتراب تدريجيا من الموقف الإسرائيلي حتى تطابق معه في النهاية مع انطلاق المفاوضات المباشرة في بداية شهر أيلول/ سبتمبر من العام 2010. ونلحظ هنا تأثر الامتيازات الأميركية الداخلية وخاصة أن تبدل الموقف الأميركي جاء على أبواب الانتخابات النصفية التي جرت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام المذكور.
وبعد الخسارة الجزئية لحزب أوباما في تلك الانتخابات، رأت إدارته أن الفترة الفاصلة ما بين الانتخابات النصفية والرئاسية ينبغي أن تسير مع الموقف المنحاز لتل أبيب بشأن التسوية، لضمان تمديد ولاية أوباما في هذه الانتخابات. ويلمس المراقبون أن إدارة أوباما صعدَّت من هجمتها السياسية ضد الجانب الفلسطيني ومارست عليه ضغوطا كبيرة وأطلقت تهديدات صريحة ضد السلطة ومنظمة التحرير في حال تابع الجانب الفلسطيني مسعاه نحو الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطينية عضوا في الأمم المتحدة. والإدارة الأميركية، وإن تابعت تحركاتها النشطة على غير صعيد دولي وإقليمي إلا أن الواضح أنها تنأى بنفسها في هذه المرحلة عن الملف الفلسطيني لسببين رئيسين كان الأول منهما كما ذكرنا يتصل بالانتخابات الرئاسية، لكن السبب الثاني، وهو جوهري، ويتعلق بموقف إدارة أوباما من عملية التسوية ومآلاتها في رؤية مقاربة للتصور الإسرائيلي، ولا يتوقع حتى في حال التجديد للرئيس أوباما أن يتقدم الموقف الأميركي بشأن التسوية نحو الرؤية الفلسطينية للحل المتوازن والشامل كما هو مفترض.
* المشكلة هنا لدى الجانب الفلسطيني، وتحديدا الفريق الذي تولى إدارة عملية المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، والذي يكبح عمليا أية توجهات تؤدي إلى الخروج من أسر المعادلة المجحفة التي كرستها اتفاقات أوسلو، ومن المفترض إحياء المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة والانفتاح على المجتمع الدولي. وإلى جانب ذلك، نعتقد بضرورة تشكيل قوة ضغط شعبية فلسطينية من أجل فتح الخيارات الوطنية بدءا من إنهاض المقاومة الشعبية ضد الاحتلال وتعبيراته المختلفة.. عندها فقط تستعيد القضية الفلسطينية مكانتها في صدارة الاهتمام الدولي كما في صدارة الاهتمام الإقليمي رسميا ـ وشعبيا.
|