إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الـجـمـال فـي الأدب

نسخة للطباعة  | +  حجم الخط  - 2012-08-30

نـصّ مـسـتـعـادٌ لـفـؤاد سـلـيـمـان (1912 - 2012) فـي مـئـويـتـه (*)


كانت "البناء" أول مطبوعة تشير، منذ أشهر، إلى مئوية فؤاد سليمان في لفتة تكريم. فالأديب الفقيد سليمان قيمة أدبية وفكرية كبرى فقدها الإبداع باكراً وخسرها، في الطليعة، الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان منتظراً لهذه القيمة أن يكتمل سطوعها ووهجها، لكنها انطفأت في أوج العطاء. إلاّ أن الكنوز لا توارى، فأصالتها تجعلها شريكة في صنع الزمن.


"البناء" التي تتذكّر فؤاد سليمان في "تموزيات" و"درب القمر" و"أغاني تموز"، تنشر اليوم مقالاً نُشر في مجلة "المعرض"، العدد 1096 ـ آذار 1936، وهو ينمّ عن الحسّ الأدبي والمستوى النقديّ الراقي اللذين جُبل بهما أديبنا الراحل، وهنا نص المقال.


لا مشاحة في أن الفن، شعراً كان أم تصويراً أم موسيقى، إذا لم يستند إلى قواعد الجمال الأصلية، كان فناً بارداً، باهتاً لا روح فيه ولا حياة.


ورجال الفن الحقيقيون هم الذين ينشدون في فنّهم، الجمال المطلق، الجمال في المبنى وفي المعنى، الجمال في العاطفة وفي الخيال.


والفن الذي لا يغبّ من معين الجمال يظل حيث ولد، فلا يخطو خطوة واحدة إلى الأمام، هذا إذا لم تجرِ عليه سنّة الانقراض التي لا تحترم إلاّ الجميل ولا تبقي إلاّ على الخالد والحق.


وليس الجمال في تقليد الطبيعة فالتقليد كان ولا يزال عقيماً لا جمال فيه ولا إبداع.


ويلٌ لعين لا ترى في البحر إلاّ أمواجاً زرقاء تندفع ذات اليمين وذات اليسار.


ويلٌ لعين لا ترى في الجبل إلاّ تلة من التراب ترتفع إلى الفضاء.


ويلٌ لعين لا ترى في الدمعة إلاّ لؤلؤاً مستمطراً ولا ترى في العيون إلا نرجساً نعساناً، وفي الخدود إلاّ وروداً حمراء، وفي الصدر إلاّ رخاماً ناصعاً. إنها من تراب هذا العين.


لا، ليس الجمال بلمحة العيون، ولا ببريق الثغور ولا هيف القدود ولا لؤلؤ الثنايا وراء عقيق الشفاه ولكنه شعاع علوي يخلعه الخيال الجبار على الأشياء فيكسبها روعة وسحراً وفتنة.


ومن خصائص الأدب ـ وهو من الفنون الجميلة ـ أن ينشد دائماً وأبداً الجمال المطلق، ومن خصائص الأديب ـ وهو فنان ـ أن يسير دائماً نحو الإبداع فيخلع على أدبه وشاحاً من الروعة والفتنة.


وما هو الجمال في الأدب؟


هو أن نتفهّم الطبيعة بخيالنا ونعطي صورة حيّة جليلة لمن يقرأنا منشدين أو يسمعنا عازفين.


الجمال هو أن يأتي الشاعر في قصيدته بهيبة الجبل، وطمأنينة السهل وتمتمة الجدول وزمجرة العاصفة وأن يسكب الرسّام في رسومه حلاوة الأمل ومرارة اليأس وطهارة العذراء، وفسق المومس. الجمال هو ما نحسّ به في أعماقنا لا ما نراه بأعيننا.


هو تلك السكرة التي تخدّر أعصاب الروح والجسد وتغرقنا في عالم كله أحلام ورؤى وأظلال.


الجمال هو تلك الرعشة التي تستولي على جميع حواسنا فتحملنا إلى عالم سحريّ ونحن ننظر إلى وجه جميل، أو نقرأ قصيدة أو نشاهد رسماً أو نصغي لإنشاد قطعة من الموسيقى.


هذا هو الجمال في الأدب. فما هو نصيب آدابنا من الجمال؟


لا أغالي إذا قلت بكل جرأة إن الأدب السوري وأعني بالأدب السوري، الأدب الذي تغذّى من هواء البلاد السورية، واستقى من ينابيعها ـ لا أغالي إذا قلت إنه جاء من جميع نواحيه أدباً ناقصاً، بارداً، بشعاً.


هذه آثارنا الأدبية، هل كشفت لنا عن ناحية واحدة من نواحي الحياة؟ هل سارت نحو الإبداع فتراً واحداً؟ هل استنبطت فكرة جديدة لعالم جديد؟ هل كشفت لنا عن الخيال السوري، هذا الخيال العبقري، بقصيدة أو كتاب أو رواية؟


هل تمكّن الأدب السوري أن يجعلنا نحسّ بأرواحنا لا أن نرى بأعيننا؟ وبالخلاصة هل تمكّن بجميع ما فيه من أراجيز، ومقامات ومعاجم، وقصائد، أن يغرقنا في سكرة أو في شبه سكرة؟


أنا أقول لا، فهل هنالك من يقول نعم؟


نحن فقراء فلماذا نخجل من الإقرار.


إن أكثر، إن لم أقل جميع ما تملكه خزانة الأدب السوري، هو أكياس من الخرنوب الأسود لا يأكله الجائع إلا ليقع بالتخمة أو ليصاب بعسر الهضم.


ولم تنفرد آدابنا بالبشاعة فحسب، بل تفرّدت أيضاً بالكذب والتقليد، والكذب والتقليد ـ وهما توأمان ـ سم قتّال في شرايين الأدب.

لقد كنا نكذب على نفوسنا وعلى الناس والناس من حولنا يطبّلون ويزمّرون وينفخون بأبواق الإعجاب ـ ولا يزال بعضنا يكذب إلى اليوم ـ ولا تزال الأبواق تصوّت لهم ـ ولكنها أبواق من «تنك» على ما يعلم العارفون.


لقد أغمضنا عيوننا عن كل ما حولنا من جمال: في الجبل وفي الوادي، في الشاطئ وفي السهل، في الفجر وفي الليل، في الغابة وفي البحر.


وسددنا آذاننا عن كل ما حولنا من موسيقى: في ولولة العاصفة وتمتمة النسيم، في ثغاء الحمل وترنيمة الصيّاد، فرحنا نستنطق الأموات وقد عاشوا لزمان غير زماننا ونقتات ونقيت بخبز لم يعجن في معاجننا، أحببنا ولكن بقلوب غير قلوبنا، وبكينا ولكن بعيون غير عيوننا، لقد كان امرؤ القيس جميلاً صادقاً، فهو يمثل حياته ومحيطه، ويعبّر عن خوالج قلبه أما نحن، نحن النافخون بأبواق ليست لنا، الحاملون مصابيح استعرنا زيتها من معاصر غيرنا، أما نحن الكاذبون فما الذي يدعونا إلى ذلك؟


قل هو التقليد البشع، قل هو الكذب والكذب كان ولا يزال مصيبة بعض شعرائنا وكتّابنا. ومن خلال هذا الجو الملبّد بالتقليد والكذب والبشاعة طلع فجر جديد لعالم جديد يحمل إلى أبناء الأدب رسالة الجمال والإبداع والابتكار.


وأرسل الله لنا خبزاً كنّا نجوع إليه، وخمرة كنا نعطش لوحيها ومزماراً فضياً أيقظت نغماته كل ما في أعماقنا من حنين ولهفة وجمال وحقيقة، فشعرنا بروح جديدة متمرّدة تغلغل في آدابنا لتطهّرنا من كل ما علق بها من أدران وأوساخ ودمامل، وسمعنا أصواتاً سحرية تأتي إلينا من وراء البحر تحمل إلينا أعراف جبالنا وطمأنينة سهولنا وأحلام شواطئنا وهمس أزهارنا وولولة عواصفنا وأغاني أعراسنا وصراخ أيتامنا وعويل أراملنا.


وكانت تلك الأصوات، أصوات جبران والنعيمة وأيوب وأبي ماضي والقروي ومعلوف وفرحات.


لقد سمعنا الحياة بكل ما فيها من جمال وخير وحكمة وطهارة بكل ما فيها من يأس وقنوط تتكلم بألسنتهم، بينما كنا نحن هنا نسفح عواطفنا على أقدام أمير ونهرق دماء وجوهنا أمام وزير خطير، ونسخّر قلوبنا وأقوالنا لمدح مطران أو وال ونحرق بخور الإكبار والإعجاب أمام عرش حاكم أو نعش زعيم. كأن هؤلاء الشعراء يبنون الهيكل المقدس، في جوانب العالم الجديد بحجارة مقتلعة من مقالع حنانهم وشوقهم ويزيّنون جدرانه برسوم مصبوغة بدماء قلوبهم، يخلعون على قببه ومذابحه ألواناً سحرية من النور والجمال والإبداع يسجدون بشغف وإيمان أمام آلهة الجمال والفن، ينشدون أعمق صلاة تختلج بها عواطف بشري.


هؤلاء عرفوا أن ليس كل ما سُطّر بمداد على قرطاس أدباً ولا كل من نظم قصيدة شاعراً، هؤلاء وأمثالهم، عرفوا أن الأدب الحقيقي هو الذي يستمدّ غذاءه من تربة الحياة ونورها وهوائها، ويستقي من ينبوع الجمال، والأديب الحقيقي هو الذي يكشف العوالم الشاسعة في أعماقه، هو الذي يخلع على أدبه فكرة جديدة وخيالاً جديداً وصورة جديدة وبمعرفتهم هذه خرجوا بالأدب من طور الجمود والتقليد والبشاعة إلى طور الابتكار والجمال والحرية والصدق.


ولقد قامت عليهم قيامة أنصار التقليد والجمود في جميع أنحاء العالم العربي، فقالوا عنهم إنهم "فوضويون" يستبيحون حرمة اللغة، وقالوا عنهم إنهم "خياليون" لا يفهمون هم أنفسهم ما يكتبون، وقالوا إنهم يغزون الأدب الأميركي، وقالوا أشياء وأشياء، ولكنهم لم يقولوا الحقيقة فهم وإن كانوا قد تخلصوا من بعض قواعد لغوية، فلأنهم عرفوا أن هذه القواعد سوس ينخر في جسم اللغة والأدب.


أما أن البعض منا لم يفهمهم فلأن هذا البعض لا يزال في عالم الجمود لم تتفتح عيناه على سرّ الجمال في الأدب.


أما من حيث أنهم تأثروا بالأدب الأميركي فنحن نشعر أن هذه المصابيح هي مصابيحنا وهذا الزيت المقدس هو من معاصرنا، وهذه الموسيقى من قيثارات أوتارها لنا وأنغامها منا.


نحن شعر بقلب سورية، سهلها وجبلها ينبض في كل كلمة من كلامهم.


ألا تباركت ألسنة مطهرة.

ألا تباركت مباضع منقية.

ألا تباركت مصابيح منيرة.

ألا تباركت مطرقة مقدسة فكّت رقبة الصنم والبعل.


(*) عن "البناء" 29/08/2012.



 
جميع الحقوق محفوظة © 2017