شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2012-09-05
 

إسقاط ثقافة سايكس-بيكو

يوسف كفروني - البناء

المؤتمر السوري العام مثّل مناطق سورية الطبيعية كافة، وكان بمثابة برلمان سوري استمر من أواخر حزيران 1919 الى أواخر تموز 1920. ورفض المؤتمر اتفاقية سايكس- بيكو التي قسّمت سورية الى عدة مناطق، ورفض وعد بلفور القاضي بإعطاء فلسطين لليهود، وأكّد على وحدة سورية الطبيعية واستقلالها. وفشلت النخب السياسية الممثلة في هذا المؤتمر في تحقيق مطالبها إذ لم تمتلك الخطة ولا التنظيم ولا القوّة لتحقيق أهدافها. كانت تلك النخب متجمعة حول عائلة الشريف حسين، آملة من أن يكون منقذها من النير التركي وموصلها الى الاستقلال والحرية، لكن الشريف حسين لم يكن يملك القدرة على اتخاذ أي قرار يخالف رغبة الإنكليز ومشيئتهم.

خضعت سورية المجزّأة بحسب اتفاقية سايكس-بيكو لاستعمار الغرب ممثلاً بالإنكليز والفرنسيين الذين استطاعوا تدجين معظم النخب السياسية بما يتناسب مع مشاريعهم في السيطرة على المنطقة ونهب خيراتها.

تقبّلت النخب الثقافية ترسيمات الاستعمار لحدود كياناتنا المرسومة بإصبعه وكل ما تستلزمه ثقافة التجزئة من تقديس للهويات الجديدة ونفخ الأنا الكيانية وتمييزها بقوة التزوير والتشويه وافتعال التصادمات داخل الكيانات وفي ما بينها. لم تكن الحال أفضل بعد مرحلة الاستقلال الشكلي، واستطاع الغرب ربط مصالح النخب المسيطرة بمشاريعه وأهدافه. وتعمقت ثقافة سايكس – بيكو، ثقافة التجزئة، بشكل أكبر بعد مرحلة الاستقلال .

كانت النخب السياسية والثقافية والاجتماعية، تفاخر بالهوية السورية والانتماء السوري الموروث عن آبائها وأجدادها منذ ألوف السنين، لكنها أصبحت بقدرة المستعمر والقيم النفعية والوصولية معادية لتلك الهوية وذاك الانتماء وملتصقة بالهويات المحلية الضيقة كما شاء المستعمر، وأحيت عصبيات الجماعات المغلقة الدينية والمذهبية وأنعشتها بخلق مؤسسات اقتصادية واجتماعية وسياسية تؤمن لها مصادر دعم مالي كبير يخدم التفتيت والفتنة.

أتى العداء من أصحاب الاتجاه الانعزالي:كيانياً-طائفياً-إتنياً، ومن أصحاب الاتجاه الانفلاشي: عروبياً-دينياً-أممياً. وحورب الذين ثبتوا على انتمائهم السوري وإيمانهم بالهوية السورية.

هل يعقل أن يقدم أتباع كنيسة تحمل اسم سورية وطقسها بلغة المسيح السوري على محاربة الاسم السوري والهزء به والبحث عن طريقة تزوير التاريخ لاختراع قومية وهمية؟! وهل يعقل أن يتخلى أولاد المنادين بالوحدة السورية وأحفادهم عن الاسم السوري بحجّة التجاوز الى وحدة طوباوية لعالم اللغة أو عالم الدين ؟! وهل ثمة تناقض بين التمسك بالهوية السورية والمطالبة بتلك الوحدات التي يصعب تحققها لعدم واقعيتها؟!

الحرب الدائرة اليوم من قبل الغرب الاستعماري ضد سورية الطبيعية تتجاوز في أهدافها ثقافة التجزئة، ثقافة سايكس-بيكو، وتعمل على إرساء ثقافة التفتيت الطائفي والمذهبي والاتني والعشائري .

إن ثقافة سايكس-بيكو التي رُسّخت في مجتمعاتنا هي العامل الأول في استمرار ضعفنا ومدخل الغرب إلى استهدافنا وتطويعنا والغاء عوامل القوة والممانعة الباقية فينا.

فشلت الهويات الكيانية المصطنعة في تحقيق الوحدة الاجتماعية والوطنية لأي كيان من الكيانات السورية، كما فشلت في تحقيق أمنه واستقراره وصدّ المؤامرات التي تستهدفه على النحو الفاعل والمطلوب. وشكلت بعض الكيانات الضعيفة والرخوة بؤرة لعملاء الغرب وجواسيسه ومنصة لاستهداف عناصر القوة المتبقية، إن على مستوى أحزاب وتيارات سياسية أو على مستوى دولة.

الحرب الأميركية ضد سورية منذ أكثر من سنة ونصف سنة، تستهدف موقع سورية ووحدتها، مستخدمة في حربها ثقافة سايكس-بيكو وثقافة التفتيت والفتنة المستندة الى ثقافة التجزئة.

منصات الهجوم والمؤامرات ضد سورية تنطلق من كيانات سايكس-بيكو:

- كيليكيا والاسكندرون، الأراضي السورية المحتلة من قبل الأتراك بالتواطؤ مع الفرنسيين. فاحتلال هذه المناطق الخصبة والغنية أفقد سورية موقعاً استراتيجياً مميزاً هو جبال طوروس التي تشكل الحدود الفاصلة فلو بقيت في يد سورية لكان الدفاع ضد العدوان القادم من تركيا أسهل بما لا يقاس من الواقع الحالي.

- لبنان والأردن الكيانان الضعيفان والنظامان الهشّان والسريعا العطب والاختلال والخاضعان لنفوذ الغرب ومؤثراته يشكلان خاصرتين رخوتين تعبر منهما مؤامرات الغرب وفتنه الى كل المنطقة .

اضافة الى ثقافة سايكس- بيكو يستخدم الغرب ثقافة التفتيت من خلال نشر ثقافة التكفير برعايته ودعمه أنظمة تفريخ دعاة هذه الثقافة وديوكها. هذه الثقافة الخطيرة والهدّامة اذا لم تواجه وتقتلع بشكل حاسم فإنها كفيلة بتفتيت المجتمع بالانشطار الذري.

نجحت ثقافة التجزئة التي أرساها سايكس وبيكو وتعمقت برعاية أنظمة التبعية وجهد القوى السياسية المتماهية بثقافة الغرب والمنبهرة بالمجتمع الدولي و»قيمه» والخادم الأمين والمطيع لتعليماته ومشاريعه. وبفضل ترسيخ هذه الثقافة يتمّ الانتقال الى مرحلة متقدمة في تخريب مقوّمات حياتنا ووجودنا. تلك المرحلة تحمل منهجية التفتيت المستندة إلى اسس دينية وطائفية ومذهبية وعرقية .

إن منهجية التفتيت التي يعمل الغرب على تنفيذها في سورية والعالم العربي تقوم على ثقافة التكفير والإلغاء المنتشرة كالنار في الهشيم والتي لا تستثني أي جماعة من الجماعات القائمة والمولّدة باستمرار لجماعات جديدة تعمل وفق الثقافة ذاتها وتتبع المنهج ذاته.

لا يمكن مواجهة ثقافة سايكس -بيكو في التجزئة والتفتيت إلاّ بالعصبية القومية الاجتماعية، وهي العصبية الإيجابية الوحيدة التي تضمن وحدة المجتمع واستقراره وخيره وارتقاءه. يجب بناء العصبية القومية المرتكزة على وحدة المجتمع الطبيعي ومصالحه الحقيقية على قاعدة المساواة بين جميع أبنائه من دون أي تمييز.

العصبية القومية وحدها تكفل تجاوز العصبيات المحلية طائفية أودينية أو اتنية وتوحيدها في إطار العصبية الجامعة والمحققة لمصالح الجميع.

أي عصبية أخرى هي عصبية فاعلة في مجال التجزئة والتفتيت والفتنة ومعطّلة لمصالح المجتمع .

العصبية القومية هي التي تجمع الناس. يقول الشيخ عبد الرحمن الكواكبي: «دعونا ندبِّر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط. دعونا نجتمع على كلماتٍ سواء، ألا وهي: فلتحي الأمة، فليحي الوطن، فلنحي طلقاء أعزّاء».

أسقــطوا ثقافة التفتيت، أسقــطوا ثقافة التــجزئة، أسقطوا سايكس-بيكو.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه