إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

إنسانية ُالدين ِ رقيٌّ سوري وبالرقيِّ النفسي تنهضُ سورية

يوسف المسمار

نسخة للطباعة 2012-09-05

الارشيف

كل كلمة ترد في قواميس لغات حياة الكائنات الانسانية تحتمل معنيين رئيسيين في اتجاهين متناقضين لا سبيل الى التوفيق بينهما مهما اجتهد أرباب البلاغة ، وعلماء الفصاحة ، وفلاسفة البيان ، وأدباء الخيال والمجاز . فمن أصغر كلمة " شيء " الى أكبر كلمة " إلــه "،نستطيع ملاحظة وادراك هذه الحقيقة ،ولا يمكننا تجاهلها ما دامت لنا حـواس سليمة تساعـدنا على تلمس فـهـم الأشــياء ، واستيعاب المعاني ، واكتشاف المقاصد . وكل كلمة أيضاً لا تـُعـرَّف ولا تـُعـيَّن تبقى دندنة على لسان ، أو خطوطاً ونقاطاً على ورقـة ، أو حروفاً في كتاب لا فائدة منه ولا نفع . وكل شيء لا يفيد ولا ينفع يبقى وجوده كعدمه ، وعدمه مثل وجوده ، وقيمته بالنسبة للانسان لا شيء . فالوضوح ، إذاً ، هو مفتاح المعرفة ، كما أن الغموض هو باب الجهالة . فمن اختـار الوضوح اهـتـدى وسار في طريق الهـُدى دون وحشة ٍ وخوف ،وفاز فوزا كبيرا. ومن خبط في الغموض ضلّ واستوحش وخاب وباء بالخسران . فكلمة "إلـــه" للذين اختاروا طريـق الوضوح تعني العظيم أو العظمة التي تستهوي العقول التي لا تقنع بما كان ولا بما هو كائن ولا بما يمكن أن يكون ولا بما يجب أن يكون لأنها ترى أن ما يجب أن يكون بالنسبة لحالها الآن هو غير مايجب أن يكون بالنسبة لما تصير اليه بعد جيل أو أجيال .

الإلـه أو الله بالنسبة لها هو العظمة المطلقة اللامتناهية التي تجذب الانسان اليها بحيث كلما بلغ ذروة من الادراك الرفيع تراءت له في الآفاق البعيدة ذرى أعلى تطل على ذرى أسمى وأسمى وأسمى تـُحرّضه وتـُحرِّك همته ليتابع انطلاقه غير آبه بالمحن والصعاب وفظائع العراقيل . وهذه الألوهة العظيمة أو الإلـه العظيم هو الواحد الأحـد الذي يحـرر الانسان من أوهـام عبادة الأشـياء والطواطم والأصنام والأشخاص بنور العـقـل وهـداه . وكلمة الإلـه هذه تعني أيضاً كل الصفات والنعـوت التي تـرمـز اليها الأسـماء الجميلة الحسنى التي تـُعبّـر في معانيها الأعمق والأوسع والأسمى عن أحق وأعدل وأحكم القيَم التي يحتويها كمال الخلق والوجود والحياة . وهـو بهـذا المفهوم الراقي ، وبهـذه القيَم العلية هو الإلـه الخالدُ الذي لا يزول ، والعظيم الذي تتجه اليه النفوس الجميلة التي كلما ازدادت معرفة ازدادت صلاحاً ، وكلما تقدمت وحققت رقياً ابتعدت عن الطلاح وهمجية التوحش .

أما كلمة " إلــه" في مفهوم الذين تاهوا ويهيمون في صحاري الغموض ، وتهافـتوا ويتهافـتون وراء سـراب الأوهـام والشبهات ، فإن كلمة "إلــه"بالنسبة اليهم تعني " آلــهة متعددة "بعدد أنانيات التائهين والهائمين تتقاتل فيما بينها وتتنازع في صفاتها ونعوتها التي تقذفها على بعضها البعض بأقبح ما يكون من الأسماء ، وأسوأ وأردأ وأحقر ما يمكن تصوّره من المثالـب التي تنطـوي مضامينها على العـمى النفسي ، والهذيان الروحي ، والخرف العقلي ، فتكون هذه المضامين السيئة تعبيراً عن مسوخية تلك " الآلهة- المسوخ" وضحالتها وحقارتهـا ورداءة النفـوس التي تقيأت واستـفـرغت هذه " الآلهة " ثـم استعادت ما تقيأته وما استفرغته وبدأت باجترار مقرف لأحط المفاهيم ، وأرذل الطقـوس ،وأقذر الأعمال .

أنانيات تـُقاتل أنانيات ، وفئويات تسحق فئويات ، وطائفيات تـُدمـّر طائفيات ، وأوبئة من المذهبيات تفتك بالمجتمعات. ولا يخفى على البصائر النافذة أن " آلهة- المسوخ " هذه وُلدت من رحم الغرائز الحقيرة والنزوات البهيمية والشهوات المُسممَّة،فنمت وكبُرت وفرَّخت وتكاثرت فخافها عابدوها وتصنموا أمامها كما لو كانت هي خالقتهم وليسـوا هـم خالقـوها،والمجتـروها والمتقيـؤوها أوهاماً وظنوناً وتخمينات تعيث في الأرض فساداً ، وتحجب عن عيون الناس روعة عظمة خلـق الله في ابـداعه للـوجـود والحيـاة والكـون والأسـرار واللانهايات،حتى صار للدين في مفهومهم معنى نقيض المعنى الذي أراده العباقرة والنوابغ المتنورون المستنيرون من أبناء أمتـنا في بلاد الرافدين والشام الذين عـُرفوا في التاريخ الحضاري باسم " السوريين"أي الحكماء المتنوريـن المستنيريـن المشعيـن على العالم معرفةً ًوحكمة ًوهداية. وهـذا هـو المعـنى الحقيقي لكلمات " سوري وسوريين". ولذلك سميّت اللغة الآرامية باللغة السريانية السورية بعـد احتـوائها على التعاليم الـراقية التي أيقـظ بها السـيـد المسيح روحية الأمة وأنعش ذاتها ، ودُوّن بها القرآن الحكيم ورسالة النبي محمد العربي اللسان ليستمر الكتاب منارة لذوي الأبصارالصالحين.

ألم يكن انجيل يسوع السوري هو الرحيق الروحي الانساني الالهي الذي لجم جموح الهمجية الاغريقية والرومانية ؟

ألم يكن قرآن النبي محمد الكنعاني الشامي العربي اللسان هو المياه القدسية العذبة الصافية التي أطفأت هيجان نيران ضلالات الروم والفرس والفراعنة وحمية أعراب الجاهلية ؟

يتضح ، اذاً ، مما أوردناه أن كلمة دين تحتمل معنيين متناقضين واتجاهين متعاكسين وروحيتين يستحيل التوفيق بينهما كاستحالة التوفيق بين النور والظلام ، أوالتساوي بين الحق والباطل ، أو التصالح بين الخير والشر. وقد عبر عن هذه الحقيقةالسيد المسيح بقوله لأتباع دين الباطل والشر: " ويلٌ لكم أيها الكتبة والفريسون المراؤون ، لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس ، فلا أنتم تدخلون ، ولا تسمحون للذين يريدون الدخول أن يدخلوا ". لتأتي بعد ذلك الآية القرآنية الحكيمة مصدّقة لقول السيد المسيح وحاسمة باستحالة اللقاء والتصالح بين دين أساسه العقل والايمان والعمل الصالح ، يوّحد الناس على خيرهم بالتحابب ، ويجمعهم على صلاحهم بالتراحم ، ويحثهم على الاجتهاد والجهاد لاكتساب المزيد من العلم وتحصيل المزيد من المعارف النافعة ، وبين دين أساسه الغرائز والنزوات العابرة والكفر بالحق وترويج الفتن بين الناس ، وتشجيع الخلافات والاقتتال باشاعة الوشايات التي تخلق التحزبات والفئويات والطائفيات التي تخرّب بنية المجتمع ولا تؤدي الا الى التعاسات والشرور قائلة :"قل يا أيها الكافرون ،لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، لكم دينكم وليَ دين ".

لقد انبثق فجر الدين في سورية تصوراً فكريا متقدماً ، وتكهناً راقياً سامياً أوصل الانســان السوري الى فكرة الله الخالـق المبدع المحب الرحيم الذي أسبغ على خلقه النعم ، وجعل الانسان قيّما ووكيلاً ومؤتمناً ومسؤولاً عن العناية بالأرض ، ورعاية والحفاظ على ما عليها من المخلوقات ، ووهبه العقل الذي هو قوة التمييز بين الخير والشر، فيتجنب به الشر، ويصعد بالخير الى حيث يحب لنفسه ويحب له الله أن يصعـد ، فيكون بصعـوده الخيِِّر قـدوة للناس، ونبراساً يهتدي به كل من هام على وجهه في الظلام . ومن أجل كل هذا شغلت مسألة نشوء النوع البشري عقل الانسان كما يقول العالم الاجتماعي والفيلسوف السوري أنطون سعاده :"منذ ابتدأ الانسان يشعر بوجوده ويعقل نسبته الى مظاهر الكون ونسبة هذه المظاهراليه.فأخذ يتكهن صدوره عن عالم غير هذه الدنيا يعود اليه بعد فناء جسده . ولم يكن هذا التكهن الراقي في التصوّر مما تنبه له الانسان كما يتنبه للموجودات الواقعية،بل كان درجة بارزة في سلم ارتقاء الفكر سبقتها درجات من التخرصات الغريبة ".

نعم لقد بدأ الدين تكهناً راقياً في التصوّر عند الانسان السوري ، وكان درجة ًبارزة في سلـّم ارتقاء الفكر كما أنه انطلق من الأرض السورية وكانت وجهته السماء. ولهذا كانت مراميه بعيدة الأبعاد ، ولانهائية الآفاق. ولم يكن ديـنا يهبـط من الســماء فينـتهي باصطـدامه بصخـور الأرض أو يغـطس ويختـفي في لجـج البحار ، بل كان منذ انطلاقـته محباً للتقدم ،وعاشقا للإرتقاء ، وممعناً في التسامي . أبصر النور في ملحمة الخليقة ، وحبا في سومر وأور وبابل وآكاد ونينوى ، وترعرع في أوغاريت وآفاميا وجبيل وماري ، وشبَّ في صيدون وصور وبعلبك وتدمر ، ونضج في القدس وبيت لحم وجرش ومكة ودمشق وبيروت وبغداد وعمان والكوفة وكربلاء وحلب وانطاكية والاسكندرون ،وما زال ساعده يشتد ويقوى فوق كل حبة تراب من تراب الهلال الخصيب في فلسطين ، ولبنان ، والعراق ، والشام ، والكويت ، والأردن ، وكل ذلك من أجل تشريف حياة الانسان في كل مكان ، ورفع مستواه الروحي والفكري والعملي ليبقى قادراً على النموّ وتوسيع آفاق نضوجه ورشده فلا يتحجر ولا يتصنم ولا ينشل فيكتفي بما مضى ويكرر ما عفى عليه الزمن وما رث من العادات والتقاليد ، والأفكار والمفاهيم،بل يتابع مسيرة التطور والتطوير،والحضارة والتحضير، والتجدد والتجديد ، وتوسيع مدار المعرفة علوماً تتجاوز علوماً ، وفنوناً تتخطى فنوناً ،وشرائع ترتقي فوق شرائع ، ورسالات دينية روحية مناقبية تتكامل وتكمل بعضها بعضا، وقيَماً وأخلاقاً تتسامى لتجعل الانسانية أقدر وأجدر من الملائكة على التقرب من الإلـه المحب الرحيم،وهذا ما كانه وهدف اليه دين سورية العظيم في مختلف رسالاته الفكرية والمعرفية ، والعلمية والتشريعية ، والأدبية والفنية ، والرياضية والفلكية، والهندسية والحسابية ، والمادية والروحانية ، والذي نشأ عقيدة من رحم عقل وعقلية الأمة الخلاقة المبدعة . فاختلط أمره على مرضى العقول والنفوس والضمائر حتى حسبوه هابطا من السماء الى الأرض بدلاً من أن يروا في الدين صعوداً من الأرض الى السماء . أليس الدين عقيدة ؟ أليس معنى العقيدة فكرٌ وارادة وممارسة ؟

أليس الفكر والارادة والممارسة مظاهر انسانية ؟ أليس الدين عـقيدة تـُعاش وقـد يكون العيش بالمعرفة والمناقب والأخلاق كما يمكن ان يكون بالجهالة والمثالب والمفاسد ؟ فمن مارس المعرفة والمناقب والأخلاق صعد الى السماء وتألق وتفوق.ومن تمترس بالجهالة والمفاسد والمثالب تقوقع وأنطفأ وانقرض .

لكن النفسية الراقية العزيزة الجميلة لا يكون فكرها الا راقياً ،ولا تكون ارادتها الا عزيزة،ولا يكون عيشها الا جميلا. وبناء عليه فقد كان الدين السوري في جميع رسالاته الانسانية : الأرضية منها والسماوية دين الرقيّ والجمال والعزة لأنه انبثق عن نفسية جميلة راقية عزيزة . وهذا ما تنبه اليه أحد فلاسفة الولايات المتحدة الاميركانية عندما قال : لقد أخذنا نحن الغربيين من المسيحية القشورولم نأخذ اللب،ولذلك كانت مسيحيتنا ناقصة.لقد كانت ثورة العقل السوري في التاريخ نتيجة كمال نموّه واستعداده ونضوجه ، وكانت متوازنة في ميداني المادة والروح ، بل كانت أكثر من ذلك مدرحية الانتاج والابداع بحيث لا نستطيع الفصل ، ولا يمكن الفصل بين ما هو مادي وما هو روحي ، بل ان كل انتاج مادي راقي يعبّر عن روحية راقية .

وان كل انتاج روحي راقي يعبّر ايضا عن تقدم مادي راقي . فلو لم يكن وراء الاستقرار في البيئة الطبيعية واشادة العمران واستصلاح الأرض وفلحها وزرعها وريها وحصاد انتاجها ، وكذلك لو لم يكون وراء تدجين الحيوان والاستفادة من حليبه وبيضه ولحمه وجلده جماعة راقية وعقل ناضج ونفسية مؤهلة ممتازة لما كان ذلك الرقيّ ممكنا ، ولما تقدمت أساليب البناء والعمار والزراعة والصناعة وتربية الحيوانات الأليفة .

كل هذا يعبّر أصدق وأوضح تعبير عن عظمة النفسية السورية التي كانت رائدة في انتاجها الفكري والمادي، ومتوازنه في ابداعاتها العملية والروحية، فكان الى جانب منجزاتها المتطورة على الأرض ابداعاتها المتفوقة الصاعدة الى السماء من أفكار ومعارف وشرائع وقوانين ورسالات دينية وآداب وفنون وكلها تنبع من تلك الروح النورانية السورية متجهة بالخيرات، ونسائم العطور ، ومشاعل النورالى الانسان حيثما وُجد وأقام على هذا الكوكب البديع السابح في لانهائية الكون الماثل أمامنا . بدأ الدين في سورية التاريخ من الأرض ومن المعلوم الواضح الذي هو الانسان باتجاه الخالق المجهول الذي أوجد الكون والسماء والأرض والنجوم والحياة والبشر وغير ذلك من الكائنات ، فرسم هذا الانسان لنفسه طريقاً متدرجاً في الصعود يصعد عليه من درجة الى درجة ، ومن مرتفع الى مرتفع ، ومن قمة الى قمة ، ومن فضاء الى فضاء،ومن سماء الى سماء دون أن يقطع صلته بالأرض التي تستمر بتزويده بالمعلوم الذي ألفه وعاشه ، ويعود اليها ويزودها بأخبار المجهول الذي كان يكتشفه ويزداد به معرفة وعلماً ، فتزداد حياته رقياً وتحضراً ورفاهية . هكذا سعى المتنورون والحكماء من أبناء أمة الهلال السوري الخصيب منطلقين من الأرض باتجاه السماء من أجل الوصول الى المجهول منذ الأزمنة السحيقة في القدم محاولين اكتشاف الأسرار المحجوبة والنواميس الطبيعية المجهولة واخضاعها لمعارفهم أملاً في الوصول الى الحقيقة التي كانت تشغل بالهم وتحضهم على الاجتهاد من أجل اكتشاف القاعدة الذهبية التي لا يصلح غيرها للنهوض بالحياة والتي عبّر عنها العالم الفيلسوف السوري أنطون سعاده في مؤلفه (الصراع الفكري في الأدب السوري) بأنها : " طلب الحقيقة الأساسية الكبرى لحياة أجود ، في عالم أجمل ، وقيَم ٍ أعلى . لا فرق أن تكون هذه الحقيقة ابتكارك أو ابتكاري أو ابتكار غيرك وغيري ، ولا فرق أن يكون بزوغ هذه الحقيقة من شخص وجيه ٍ اجتماعياً ذو مال ٍ ونفوذ ، وأن يكون انبثاقها من فرد ٍهو واحد من الناس ، لأن الغرض يجب أن يكون الحقيقة الأساسية المذكورة وليس الاتجاه السلبي الذي تقرره الرغائب الفردية ، الخصوصية ، الإستبدادية ".

هذه هي الحقيقة التي أرادتها وتريدها سورية لنفسها وللإنسانية كلها : حياة ً أجود ، وعالماً أجمل ، وقيَماً أعلى . ومن أجل هذه المقاصد العليا كانت وصايا حكمائها ، وتعاليم رسلها ، وارشادات متنوريها ، وشرائع مشرعيها ، وعلوم علمائها ،وآداب أدبائها وشعرائها ، وابداعات فنانيها ، وأنظمة ونواميس رواد اكتشافاتها واختراعاتها . وهل أجود وأجمل وأسمى من خصائص هذه النفسية التي فرضت حقيقتها على الوجود بأهليتها لا بعجزها ،وبنشاطها لا بخمولها ، وبتفوقها لا بتخلفها ،وبرقيّ مطامحها لا بانحطاط مطامعها ، وبسموِّ مُثـُلها العليا لا برداءة شهواتها الدنيا ؟

وهل أسمى من هذه النفسية الراقية التي كانت منذ البداية ولا تزال تجدد نفسها فلا تشيخ وتهرم ، وتهذ ِّب وتصلح النفوس المريضة لتسدّد خطاها في الطريق القويم ؟

وهل أرقى من مواجهة الباطل بالحق ، والظلم بالعدل ، والفساد بالصلاح؟

وهل أنبل وأشرف من التصدي للغباء بالوعيّ، وللخوف بالشجاعة، وللجبن بالبطولة ؟

وهل يوجد نهج أفضل من وقفة العز في التصدى لمن يريد اغتصاب حقوقنا ، وتدمير ديننا ، وامتلاك وطننا ، وسحق شعبنا والقضاء علينا ؟

ان كل ما يجري اليوم على أرضنا وضد وجودنا في فلسطين ولبنان والعراق والشام ليس غريباً ولا مستهجناً ولا صعب التفسير ، بل انه شيء طبيعي بكل ما تعنيه كلمة طبيعي . لأنه كما قال المعلم أنطون سعاده : " ليس لابن النور صديق بين أبناء الظلمة . فبقدر ما يبذل لهم من المحبة، يبذلون له من الكراهية والبغضاء". ولذك فان من الوهم أن ننتظر من المجرمين سلاماً ، ومن المتوحشين أماناً ، ومن ميّتي الضمائر إنصافاً ، ومن عديمي الأخلاق فروسية وكرما . فإن لم نكن أهلاً للنهوض ، فلن ينهض بنا أحد ، وإن لم ندافع عن أنفسنا وتاريخنا وحاضرنا ومستقبلنا فلا حق لنا في الحياة الكريمة .

فيا أيها الواعون الأعزاء من أبناء أمتنا في فلسطيننا الجريحة ، ولبنانا المريض ، وأردننا الكسيح ، وعراقنا المنهك ، وشامنا المستفرد من جميع قوى الشر والعدوان والارهاب والهمجية والخيانة في العالم : اياكم اياكم اياكم أن تتنازلوا عن حقكم ودينكم ووطنكم ، أو تتخلوا عن وعيكم وشجاعتكم وبطولتكم. لقد علمتنا أحداث التاريخ أن ما من أمة تنازلت عن حقها ودينها ووطنها الا ذ ُلت وانقرضت ، وما من قوم تخلوا عن وعيهم وشجاعتهم وبطولتهم الا ذهبوا هباء منثورا . لقد تعلمنا من السيد المسيح: أن نعامل الناس كما نحب أن يعاملونا ، وتعلمنا من النبي محمد: أن خير الناس من يُرجى خيره ويُؤمنُ شره . وأن شر الناس من لا يُرجى خيره ولا يُؤمنُ شره . وعقيدتنا السورية القومية الاجتماعية الإنسانية تأمرنا : أن لا نعتدي على أحد ، وأن لا نهين كرامة أحد . فللآخرين معتقداتهم ولنا معتقدنا . لكن عقيدتنا أوجبت علينا : أن لا نقبل الاعتداء من أحد ، ولا نرضى أن نكون طعاماً للمعتدين . فأرقى درجات الدين في مفهومنا هو الصراع البطولي المستمر من أجل قضية عظمى تساوي وجودنا ، ولا معنى للحياة والدين بغير ذلك أبـدا .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017