تطورات الأزمة السورية على الصعيدين الأمني والسياسي مرّت بمحطات مفصلية وأساسية خصوصاً في شهر رمضان الماضي، حيث أجمع المراهنون على سقوط الدولة السورية وانهيارها بكل مؤسساتها والتي بدأت من وجهة نظرهم في لحظة تفجير مبنى الأمن القومي وما نتج منه من استشهاد أربعة قادة عظام يشكلون خلية أزمة لمسار الأوضاع في سورية على المستويات كافة.
وتعترف المصادر السياسية حتى الغربية منها بأن هذه الرهانات سقطت بعد معارك حصلت في بعض أحياء مدينة دمشق ومناطق من ريفها بالإضافة إلى إلى ما تشهده مدينة حلب وريفها من معارك طاحنة بين الجيش السوري والمنظمات الإرهابية، المسلحة والتكفيرية والوهابية التي صدرت إلى الداخل السوري عبر عمليات الدعم المتواصلة من الولايات المتحدة الأميركية وعملائها في المنطقة وعلى وجه الخصوص تركيا التي تلعب دوراً دنيئاً وخسيساً في مقاربتها لما يجري في سورية من أحداث، التي بإمكانها أن تلعب دوراً إيجابياً على هذا الصعيد ولكن «عمالة» رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان وارتهانه للأوامر الأميركية والصهيونية هي التي جعلت تركيا في هذا الموقع المتآمر على الرغم من أغلبية الشعب التركي التي تدين وترفض أداء حكومة أردوغان بالنسبة لما تشهده سورية.
وترى المصادر نفسها، أن جميع هذه الرهانات تهاوت أمام ضربات الجيش السوري والدعم الشعبي الواسع له للمجموعات الإرهابية المسلحة بدليل ما شهدته بعض أحياء العاصمة وريفها من عمليات تطهير لهذه العصابات وما تشهده مدينة حلب وريفها من مواجهات وعمليات نوعية للجيش السوري التي نتج منها حتى الآن بحسب مصادر عسكرية وأمنية سورية مقتل وأسر آلاف المسلحين، وهم في غالبيتهم من دول عربية وإسلامية وأجنبية، وأن هذه المواجهات وما ستسفر عنه في المستقبل ستكون الفيصل في مسار الأزمة في سورية خصوصاً على الصعيد السياسي.
وفي هذا السياق، أشارت المصادر السياسية إلى أن رؤية المبعوث الدولي الجديد الأخضر الإبراهيمي بشأن الملف السوري ما زالت غير واضحة حتى الآن، خصوصاً أن خلفية الإبراهيمي لا تختلف كثيراً عن خلفية المبعوث السابق كوفي أنان، وعلى الرغم من ذلك فإن سورية رحبت بزيارة الإبراهيمي المنتظرة والتي أرجئت إلى موعد 13 أو 14 من الشهر الجاري وبعد أن يكون الإبراهيمي قد أجرى مزيداً من المشاورات والاتصالات مع الجهات الدولية والإقليمية المعنية بشأن الوضع السوري.
لاحظت المصادر أن هناك بداية توازن في مواقف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من خلال كلمته في الأمم المتحدة وكلام صدر عنه خلال مؤتمر دول عدم الانحياز الذي عقد في طهران، وتأتي أهمية كلام بان من اعترافه وللمرة الأولى بوجود قوى إرهابية في سورية ووجود دول تدعم هذه القوى، وهذا ما أعلنته الحكومة السورية باستمرار منذ بداية الأزمة في سورية، ولا بد من الإشارة هنا إلى الموقف السعودي في مؤتمر دول عدم الانحياز حيث كانت لنائب وزير الخارجية الأمير عبد العزيز بن عبدالله كلمة، اللافت فيها أنه لم يتطرق إلى الملف السوري على الإطلاق على عكس الموقفين القطري والمصري الذي جاء على لسان الرئيس محمد مرسي وكان موضع استهجان من القيادة الإيرانية على وجه الخصوص الذي ترجمه المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي لدى استقباله الوفد السوري المشارك في مؤتمر دول عدم الانحياز.
وأوضحت المصادر السياسية أنه إذا لم تلعب الدول والجهات الداعمة للمسلحين والإرهابيين دوراً إيجابياً في مهمة الإبراهيمي فإن الكرة ستبقى في ملعب هذه الدول وهي معروفة لدى الجميع لأن الدولة السورية تتجاوب مع كل المبادرات الجدية التي تنطلق من الثوابت التي تضمنتها مبادرة كوفي أنان ومؤتمر جنيف تحت عنوان وقف العنف وتسليم المسلحين أسلحتهم والانطلاق إلى العملية السياسية القائمة على مبدأ الحوار بين الحكومة السورية وقوى المعارضة، ولأن سورية تتجاوب مع هذه المبادرات فقد بدأت تعطي ثمارها على الصعيد الدولي من خلال بداية تفهم للموقف السوري حيال ما يجري على أرضها من حرب حقيقية تشن عليها من قبل دول معروفة عبر دعمها المالي والسياسي والإعلامي والعسكري وإرسال المسلحين من تنظيم «القاعدة» وقوى أخرى متطرفة دينياً ومذهبياً وطائفياً بهدف إضعاف سورية وإشغالها الدائم بالملف الأمني بعد فشل تلك الدول في مواجهة مباشرة مع الدولة السورية من خلال عدوان خارجي عليها.
|