إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

هذه سورية ... فجئني بمثلها !

الياس عشّي - البناء

نسخة للطباعة 2012-09-29

الارشيف

الراغب في الكتابة عن سورية، ما عليه إلا أن يتوضّأ بماء الورد ، ويختار كلمات ما خطرت في بال أحد ، ويلبس قميصاً مشغولاً برائحة الياسمين ، ويمشي بتؤدة بين ذاكرة الماضي الجميل ، وذاكرة الآن المعبّأة برائحة الموت.

الراغب في أن يبتهل ويصلّي ويكون أقرب إلى السماء ، عليه أن يدخل مساجد الشام ، وكنائسها، وحسينيّاتها ، وخلواتها ، وكلّ مكان صار، في ما بعدُ، علامةً فارقة في قصّة الحضارة.

الراغب في أن يسأل عن الحرف الأوّل والثقافات البكر، ليتوجّه إلى أوغاريت وإيبلا وماري وأفاميا ، ولو سألها : أين أنتِ الآن ؟ لقالت : في كلّ مكان ... في العقل السوري المستمر في الإبداع ... في الكتاب ... في القصيدة ... في العمارة ... في اللوحة ... في الشهداء يتسابقون إلى الموت كي لا تموت سورية ... وفي التلاميذ يتوجهون إلى مدارسهم كلّ صباح غير عابئين برسائل الموت وأصوات الانفجارات.

الراغب أن يتحدّث عن الانتقال من حكم القبيلة إلى حكم الدولة، ليزر دمشق عاصمة الأمويين ؛ ففيها نظّم البريد ، وترجمت الدواوين ، وشقّت الطرق ، وانتشر العسس ، وصار الحكم ملكياً وراثياً مركزياً لإمبراطورية واسعة الأرجاء ، تبدأ من قاسيون وتنتهي في مضيق جبل طارق.

والراغب في الذهاب أبعد في التعرّف إلى هذا البلد العنيد المتواضع الذي أتعب الدنيا ولم يتعب ، فليفتح ديوان الشعر العربي ، وليقرأ مهيار الدمشقي ، وديك الجن ، وأبا تمّام ، والبحتري ، وأبا فراس ، وأبا العلاء ، وعمر أبي ريشة ، وبدوي الجبل ، وكمال خير بك ، ونزار قباني ، ومحمد الماغوط ، وسليمان عيسى . هؤلاء صنعوا قصيدة تليق بالقامة السورية ، وساهموا في إخراج القصيدة العربية من هودج البادية.

الراغب في الانتماء إلى مدرسة وطنية تدرّب على المواجهة والتحدّي والشموخ والشهادة، لن يجدها إلا في رحاب ميسلون ، وسفوح جبل الشيخ ، وهضبة الجولان ، وعلى امتداد الصراع بين الوجود السوري كقيمة حضارية ، والوجود العبري المختزل بوعد بلفور.

... ويتساءلون : كيف لبلد ، جغرافيته بهذا الحجم ، أن يصمد في وجه حرب شرسة كان التلفيق الإعلامي أحد أهمّ سماتها البارزة؟

... ويسألون : إلى متى؟

ويأتي الجواب : طالما أنّ هناك جندياً واحداً يحمل بندقيته ويواجه ، وأن هناك تلميذاً واحداً يحمل حقيبته ويتوجّه إلى مدرسته ، وأن هناك فلاحا واحداً يحمل معوله ويجرّح أرضه ، وعاملاً واحداً يساهم في البناء ، ومثقّفاً واحداً لا يحني رأسه ... طالما أن هؤلاء حاضرون لن يستطيع العالم مجتمعاً أن يقضي على الدولة السورية ، وعلى وحدة أراضيها ، وعلى حضورها التاريخي والثقافي والإنساني.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017