إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الحضارة ُ السورية ُ شمسُ العالم ومن يهتدى بها لا يضلُ أبـداً

يوسف المسمار

نسخة للطباعة 2012-11-20

الارشيف

حالتان هادئتان في الشكل مختلفتان في المضمون والاتجاه هما : النعاس واليقظة . النعاس يقود الى النوم وغياب الوعيِّ عن العالم والهمود جسداً. واليقظة تقود الى الوعيِّ والحضور في قلب العالم فكراً و حركة . ولذلك فان ما يترتب على النوم هو غير ما يترتب على اليقظة بالكلية . وكذلك هناك حالتان صاخبتان متماثلتان في الظاهر ، ولكنهما على طرفيّ نقيض ومتعاديتان بشكل مطلق في الحقيقة والمحتوى والمسار هما : ثورة الحيوان وثورة الانسان . ولذلك فان لثورة الحيوان وصفٌ ومفاعيل لا تمت أبداً بصلةٍ الى مفاعيل ونتائج ثورة الانسان. فالثور عندما يثور، يثور اما بالغريزة اذا شعر بخطر،واما بأذى يصيبه من حدث أو حيوان مثله أو انسان يؤذيه . أما الانسان الثائر ، فانه عندما يثور ، يثور من أجل هدف معيَّن فتكون ثورته بالعقل لا بالغريزة . وحتى عندما يثور من أجل التخلص من أذى أو ضرر أو ظلم ،فانه يثور أيضا بالعقل لدفع الأذى والحصول على السلامة ، والتخلص من الضرر والعيش بأمان ، والقضاء على الظلم بترسيخ حكم العدالة وتحسين مستوى حياته فتكون ثورته انتقالاً من حالة سيئة الى حالة حسنة حيث تساعده الحالة الجديدة الحاصلة على الاستزادة في تحسين وضعه، وبلوغ مستويات أحسن وأجود .وهنا تنتفي كل مقاربة بين ثورة الحيوان وثورة الانسان. بين ثورة الغريزة والشهوة ،وثورة العقل والحكمة.

بين ثورة آنية عابرة ،وثورة مستقبلية دائمة . بين ثورة شهوة جامحة تنفجر وتتلاشى ، وثورة ارادة معرفية هادفة تفرض ذاتها على الوجود وترسم طريقاً واضحاً الى المستقبل . ثورة تضمحل وتموت حين تبدأ كقصف رعد يتوارى في تموجات السحب ، وثورة تختفي في اعماق التربة كحبوب صغيرة لتشق التـراب بعـد ذلك وتظهـرسهـولاً تموج بالسنابل المغـذية ، وبساتيناً تتمايل بالأثمار اللذيذة ، وحدائقاً تعج بالأزهار والعطور . في هذه النقطة الفاصلة تفترق ثورة الانسان عن ثورة الحيوان وتتناءى المسافات الى حدود اللانهايات ليـرتفع صوت الامام علي بن أبي طالب قائلاً : " ان الله ركـّبَ في الملائكة عقلاً بلا شهوة،وركـَّب في البهائم شهوة ًبلا عقل وركـَّب في الانسان كليهما .فمن غلـَّبَ عقله على شهوته ،كان خير من الملائكة . ومن غلـَّبَ شهوته على عقله ،كان شر من البهائم". نحن ،اذاً ،أمام مستويين من مستويات ثورة الانسان .ثورة تنحدر وتنحط وتتخلف الى ما دون مستوى البهيمية ، وتتراجع الى أعمق ما يكونه الشر بشهوة الانسان الرديء ونزواته الشريرة . وثورة شرعها وإمامها العقل الذي هو الشرع الأعلى في الحياة ، ومبادؤها المعـرفـة والعلم والحكمـة والفضيلة ، وهـدفها النهـوض بالحياة الى أرفـع مستـوى، وغايتها الأخيـرة هي أعظم ما تنطـوي عليه المُـثــُل العليا للنفسية الراقية التي تجعل الانسان في مرتبة تتجاوز مرتبة الملائكية الى مـرتبة ما فـوق فـوق مـرتبة الملائكـة التي لا يمكن استشرافها الآن، ولكن يمكننا تصورها من خلال ما ترمز اليه الآية القرآنية التي تقول"اذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة ً( ويعني الانسان ) قالـوا: أتجعـل فيها من يفسدُ فيهـا ويسفك الـدماء ونحنُ نـُسبِّح بحمدك ونـُقـدّس لك ؟ قال إني أعلمُ ما لا تعلمون...". لقد كان واضحاً للملائكة مستوى ثورة الغريزة الدنيئة والنـزوة الحـقيـرة التي تنحـدر الى أبشع دركات الشـر في فظاعـة الافساد وسفك الـدماء وهمجية الجـريمة ، ولكنهم قصَّروا عن فهم عبقـرية الانسان ونبوغه وخـُلـُقيته وقـدرة عقله على تجاوز قـدرة الملائكـة على الاستيعاب والابـداع . فـقال الله العـظيم :" إني أعلـمُ ما لا تعلمون ...". هـذا هو مستوى ثـورة الانسان العليا التي تنمو وتنتعش وترتقي الى ما فوق مستوى درجات الملائكة ،وتسمو الى أعلى ما يمكن أن يكونه الخير بارادة الانسان الذي وهبه الله عقلاً، وعيّنه وكيلاً له يقوم بالعناية بالأرض ورعاية من عليها .

لـقـد بان واتـضح جـلياً الخيط الفاصل الحاسم بـين ثـورة الغـريـزة والغي والجهل ، وثـورة العقـل والفضيلة والعـلم . وكم كان مصيباً النبيُّ محمد الذي لا ينطق عن الهوى بقوله :"رُفـِعَ العلمُ عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبيّ حتى يحلم ، وعن المجنـون حتى يعـقـل ". والعلم الذي أشار اليه رسول الرحمة محمد هو علم ثورة الرسالة التي أرادها رحمة للعالمين بإتمام مكارم الأخلاق واقامة العدل والاحسان واعانة الناس ووضع حد للفحشاء والمنكروالبغي. ولكنه منعها عن الغافلين النائمين، والصبـية القاصرين ، والمجانين الهائجين الى أن يستيقظوا وينضجوا ويرشدوا ويعقلوا . وتوجه بدعوته الرسالية فقط الى كل يقـظ مستيقظ واعي،وكل ناضج رشيـد خلـوق ، وكـل عاقـل مـدرك فهيم ليكـونـوا حملة الـرسالة الرحيمة وجنود الثورة الصالحة، وقادة التخطيط العقلي البديع . وبهذا نفهم ونستوعب جيداً ما أراده منـّا السيـد المسيح حين قـال:"لا تـتكلمـوا بالحكمة عـنـد الجهـّال فـتظلموها،ولا تمنعـوها أهلها فـتـظـلموها ولا تكافـئـوا ظالماً فيـبطل فضلكم ". لأن ثـورة السيـد المسيح الرسالية كانت ثورة الحكمة التي لا يستطيع حمل مبادئها الا الثوار الحكماء ، ولا يقـدر على ممارسة مناقبـيتها الا الكـرام الأفاضل الـذين لا يـراؤون ولا يخادعون ولا يعيشون الا كما تملي عليهم نفـوسهم الفاضلة من الود والمحبة والاحسان .لأنها ثورة الانسان الذي غلـّب عقله على النزوات الدنيئة وكان جل اهتمامه بما يرفع نفوس أبناء الأرض الى ما عجزت عن الوصول اليه ملائكة السماء. وهـذه الحقيقة لا يستطيع استيعابها وهضمها الا من استيقـظ من غفوته ، ونفض عنه التثاؤب والخمـول ، وخـرج من ظلمات كهوف الجهالة والجاهلية الى نـورالمعـرفة والمـدنية ، وتجاوز الطفـولـة والصبيانية المستهترة وبلغ طور النضج والرشد،وشفيَ من أمراض الجنـون والعتـه وصارانسانا سـويا يميِّـز بين الخيـر والشـر فيختـار الخيـر ويحارب الشر . ويسمع قـول الحق والباطل فيتبنى قول الحق ويعمل به . ويـرفض الباطل وكل ما يمت اليه بصلة . ويختبـرأفعـ ال الصلاح والطلاح فيمارس الصالح منها ويبتعـد عن كل ما يقـود أو يـؤدي الى الطلاح . وتـراوده وتخـتـلـج في رأـسه أفـكـار الصـدق ووساوس الخـداع ،فيطهـّـر نفسه من كـل نفـاق وكل غـدر وفجور ليستحق أن يكـون ثائـراً انسانياً حقيقياً صادقا مخلصاً يفقه معنى ثـورة الانسان العاقـل ،ويعي مبادئها ، ويلـتـزم بأخلاقيتها ، ويعرف لماذا يثور وكيف يثور ، ويدرك متى يثور ، ويعقل فضيلة الثورة ونـزاهتها وطهارتها التي تصل به الى أعلى عليين . أما اولئـك الـذين وُلـدوا في مغـاور الجهالـة العـفـنة ، وتغـذوا بتقـاليـد الحـقـد والكراهية ، ورضعوا حليب الخداع والخيانة ،وشبوا على عادات البغاء واللصوصية ، فلا يمكن أن تكـون ثورتهم الا ثـورة ثيـران جامحة تخرِّب وتدمّر كل ما تصادفه في طريقها . بل هي أسوأ من ثـورة ثيـران لأنها هيجان أبناء شـيطان . وقـد نبّهنا الى عـماو ة وغبـاوة وهمجيـة وخطـورة وخطـر اولئك الـذين سقـطت عنهـم انسانيتهم الى ما دون البهيمية ،الفيلسوف أنطون سعاده حين قال فيهم :" الذين وُلدوا في عصرٍ مظلم ولم تر أنفسهم النور قط ، لا يُـرجى منهـم أن يـروا ببصائـرهم العـمياء الألـوان والظـلال ، والخطـوط والأشياء ، والقيم والطـرق واشكال الحياة ومعانيها ، والمُثــُل العليا التي اعتنقتها النفوس التي وُلدت في النور وسارت في النور".ألم يقل السيد المسيح كلماته البليغة الفاصلة لتلامذته: " الحق الحق أقول لكم لقد جئت كنور . أنا هو نور العالم . فمن تبعني لا يمشي في الظلمة ، بل يكون له نور الحياة . أنا هو خبز الحياة ليأكل منه الانسان ولا يموت . ومن يشرب من الماء الذي أعطيه فلا يعطش الى الأبد ". إن ثورة الانسان الصالحة هي ابداع الانسان الصالح . فاذا لم يكن الانسان صالحاً فلا يُنتظر الصلاح من أي ثورة ،ولا يُرجى الخير من أي هيجان،ولا فائدة من أي حراك. فلو لم يكن السيد المسيح صالحاً لما كان لثورته الرساليةهذا التألق العظيم في جميع نواحي الأرض.ولو لم يكن النبيُّ محمد صالحاً لما بقي لثورته الرساليه هذا التوهج الكبير الذي ينير طريق الصالحين ويحرق بصائر الاشرارالجاهليين التكفيريين.فثورة الانسان الصالح هي أبدأً فكرٌ يبدع الأصلح،ويبتكر الأسلم.هي قوة ابتكار وابداع.هي تعطشٌ وشوق الى غيرالمألوف والمعروف من الصالح والحسن . هي هبوب النبوغ في النوابغ . وبروز الابداع في المبدعين . وتدفق الابتكار في المبتكرين . هي غليان البطولة في الجماعة المدركة الواعية . ويقظة الوجدان الاجتماعي في نفوس أبناء المجتمع .وتألق نفسية الأمة فكراً راقياً وعلماً متطوراً ،وفلسفة ًعابرة للزمان والمكان ، وفنوناً تحلـّق باحلام الانسان الى أبعد الأبعاد .

فما الذي يحـدث في بلادنا هـذا الأيام ؟ هل هـو تجدّد ثورة انسان الهلال السوري الخصيب الذي أثبت في ماضيه أنه كان بقوة عقله وابـداعه خيراً من الملائكة ؟ أم هـو ثـورة انحطاط مجتمع فــُتـت وتفتت،ومُزّق وتمزق وهو في حالة احتضار وموت ؟ أين هي قوة الابتكار والخلق في نوابغه وعباقرته وأبطاله ؟ وهل ما يزال فيه عباقرة ونوابغ وأبطال ؟ أم أنـه أصبح خالياً من العباقرة والنـوابغ والابطال ؟ وهل الدول الغربية الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحـدة الأميـركية وموظفيها الاقليميين وعبيدها الأعـراب الـذين يسعون لتدمير بلاد شامنا ورافدينا كرمى لعيون الصهاينة وحفاظاً على كيانهم الاجـرمي يمكن أن يشفـقـوا علينا بأكثـر من القضاء علينا وعلى تاريخـنا وحضارتـنا وتـقطيـع أوصال بناتـنا وأبنائـنا واجتـثاثـنا من أرض أجدادنا الذين أنشأوا فيها أعظم ثورة ثقافية في التاريخ كانت الفاتحة للثقافة الانسانية العامة التي نشهدها في جميع البيئات والأمم ؟هذه الثورة التي قال عنها العالم الاجتماعي الفيلسوف أنطون سعاده في مؤلفه (نشوء الأمم) : " ومتى ألقـينـا نظرة على هذا الصرح الضخم من الحياة المدنية ،التي تـُحرز بعـد كل فترة نصراً جديداً للانسان على أسرار الطبيعة ، المزيّن بكل فنٍ جميل من رسم ونحت ونقش وبناء ودهن وموسيقى الخ ،المبطـّن بالاخلاق وكل ما تعني من شخصية الفرد وشخصيات الأقوام- متى نظـرنا الى هـذا البنـاء العـقـلي السـامي الـذي يُـمثـّـل لنا المـدنية الحديثة،أدركنا قيمة الثورة السورية ومعناها الكبير ". لقد كانت ثـورتـنا ثـورة عقـلية حضارية مدنية عبّـرت عن اصالة نفسيتنا الانسانية وفكرنا الابتكاري وعبقـريتـنا الخلاقة ففاضت الى جانب الاكتشافات والابتكارات والاختراعات والابداعات بالمحبة والرحمة والأخوة القومية والعواطف الانسانية النبيلة ، ولم تكن أبداً ثورة ثيران مجنونة ، وهيجان وحوش كاسرة ، وهمجية بشر أصابهم الجنون وفقـدوا سلامة الضمائـر والمشاعـر والعـواطف والمـزايا الانسانية ، فتحولوا الى أعـداءٍ لأنفسهم قبل أن يصبحوا أعـداءً للآخرين . وثورتنا العقلية المشار اليها لم تبدأ كما يتوهم ويظن ويعتقد البعض منذ بداية التاريخ الجلي ،بل بدأت قبل ذلك بعشرات آلاف السنين منـذ بـدأ المجتمع السـوري معـتـرك الحياة في بـلاد الرافدين والشام ،ومنذ دخل نوابغ مجتمعنا مدرسة الحياة المادية الـروحية ، واختبـروا شؤون المادة وشؤون الـروح ، وامتحنـوا أمور الخطأ وأمور الصواب ،فأسقطوا الخطأ وتمسكوا واستمسكوا بالصواب.وتعرفوا الى الضار والنافع ،فابتعدوا عن الضار وتقربوا من النافع وصنعوه .وميَّزوا بين فائدة النظام وأذى الفوضى،فعملوا بالنظام واحترموه واستبعدوا الفوضى واحتقروها. وأحسّوا بحسن المناعة وسوء العجز ، فاعتمدوا القوة المادية - الروحية الواعية الهادفـة وتخلـوا عن الضعـف ونبذوه . وأدركـوا قيمة المسؤولية وتفاهة التخاذل ،فقاموا بالواجب وتحمّلوا المسؤولية وهجـروا التخاذل والخمول فكتبوا بذلك أولى حـروف أبجدية الخروج من ظلمات العصور العفنة الخانقة الى نافذة النور التي تطل على عالم ضياء المـدنية .

وكان أكبـر تخـرّج باهـر لهـم بعـد سلسلة من الامتحانات الصعبة القاسية المضنية هـو في سومـرالتي وزّعت أشعة نورها على جميع أنحاء بلاد الهلال الخصيب الـذي أصبح مصدر أشعاع على العالم بكامله . ومخطيء من يتوهم أن المدنية نشأت دفعة واحدة أو يمكن أن تنشأ بكلمة : كوني فتكون . وحتى في عصرنا المتقـدم الذي يقال عـنه عصر السرعة يـدخل التلميذ المدرسة ويستمر فيها عشرات السنوات حتى يتخرج اذا كان طالباً مجداً موفقا ناجحاً في جميع مواد دراسته ، ومن ثم يدخل معترك الحياة ويظل يتعلم ويتطور شيئاً فشيئاً حتى نهاية حياته ، فكيف الحال مع المجتمع الطبيعي الدائم المكوَّن عبر الزمان من تفاعل الأرض الدائمة مع الشعب الذي هو امتداد أجيال تمتد من بداية التاريخ الى ما سوف يكـون التاريخ ؟ .

فلا تـدجين الحيوان نشـأ بلحظة، وزراعة الأرض لم تحدث بسحر ساحر،وتأسيس المدن لم يكن بشعـوذة مشعـوذ . وكـذلك يجـري القياس على اشـادة البناء، ونشوء الموسيقى،وظهور العلوم والفنون،وعمران المدن،وانبثاق الشرائع والـرسـالات الـدينيـة ، ودراسـة الكـواكب والمجـرات ، واعداد التقويم الشمسي والتقويم القمري الذي استغرق عشرات آلاف السنين كما ذكرت عالمة الآثار "مرغريت روثن" التي قالت أن ذلك احتاج أكثر من سبعين ألف سنة وربما مئات الآلاف . هل أحد يملك عقلاً منفتحاً واعياً يُصدّق أن فرداً انسانياً يولد عالماً أوطبيباً أو فيلسوفاً أو موسيقياً أو مشرّعاً أو عالماً فلكياً ؟ وكيف يمكن أن نصدّق ونخدع عقولنا أن تلك الحضارة العظيمة التي اخترعت أبجديات العلوم والفنون ورسائل العقل الكبرى كانت بنت ساعتها ؟ وهل يجوز أو يحق أن نقبل حكايات الخرافات دون دراسة وتحليل وتـدقيق وتفكـُّر و تبصُّـر؟ أليس نشـوء وتطـور المجتمعات وتقدمها ورقيها يحتاج الى عصور وعصور، وأجيال وأجيل ؟ودول الغرب التي تتبجح اليوم وتباهي بالتقدم وكأنها هي من أعطى للعالم الثقافة والتمـدن ألم تأخـذ كل شيء جميـل من ثقافـتـنا ومدنيتنا التي استغرق انتاجها عصورأً وعصورا ؟

يقول أديب أمتنا العبقري المُهَجَّـر لا المهاجر جبران خليل جبران وهو أحدى مواهب أمتنا التي تستمد نهضتنا الجديدة السورية القومية الاجتماعية روحها من تلك المواهب" فلما كان الشرقيون سابقين والغربيون لاحقين كان لمدنيتنا التأثير العظيم على لغتهم ، وها قـد أصبحـوا هـم السابقيـن وأمسينا نحن اللاحقيـن فصارت مدنيتهم بحكم الطبع ذات تأثير على لغتنا وافكارنا وأخلاقـنا ".

وقال جبران أيضاً :"بيد أن الغربيين كانوا في الماضي يتناولون ما نطبخه فيمضغونه ويبتلعونه محولين الصالح منه الى كيانهم الغربي ، أما الشرقيون في الوقت الحاضر فيتناولون ما يطبخه الغربيون ويبتلعونه،ولكنه لا يتحول الى كيانهم الشرقي بل يحولهم الى شبه غربيين ، وهي حالة أخشاها وأتبرم منها لأنها تـُبيّن لي الشرق تارة كعجوز فقد أضراسه وطورأً كطفل ٍبدون أضراس ". ويصف جبران أضـراس أمتـنا السورية فيقـول: " في فـم الأمـة السورية أضراس بالية سـوداء قـذرة ذات رائحـة كـريهـة ، وقـد حاول أطباؤنا تطهيـرها وحشـوها بالميناء وإلباس خارجها رقوق الذهب ولكنها لا تـُشفى ولن تـُشفى بغيرالاستئصال.

ويصف لنا أيضاً بحكمته السديدة روح الغرب قائلاً:" إن روح الغرب صديـقٌ وعـدوٌ لنـا . صديـقٌ إذا تمكـنـَّا منـه ، وعـدوٌ اذا تمكـَّن منـَّا . صديـقٌ إذا فتحنا لـه قلـوبنا ، وعـدوٌ إذا وهبناه قلـوبنا . صديقٌ إذا أخذنا منه ما يوافقـنا ، وعـدوٌ إذا وضعنا نفوسنا في الحالة التي تـوافـقـه ". ولكن فات جبران شيئا مهما ونسيّ أن الغربيين حين تناولوا ما طبخناه ومضغوه وابتلعونه تناولوا طريقة الطبخ ولم يتناولوا كيفية انتقاء مادة الطبخ . أخذوا عنا القشور وشكل الطعام ولم يأخـذوا نكهته ، ولذة طعمه ، وفرادة وخلاصة الغذاء الذي فيه . تأثروا بظاهر مدنيتنا وتركوا روحها . اكتفوا بالتعلم ودروس العلم ولـم يأخذوا بالفضيلة التي لا قيمة للعلم بدونها . أخذوا بمبدأ الابتكار فبـرعـوا بالتكنولوجيا ولم يعـرفـوا أن التكنولوجيا مهما كانت متقدمة لا فائدة منها ان لم تقودها الحكمة والاخلاق .اقتبسوا كل ما ينفعهم مادياً ويساعـدهـم على السـيطـرة واستغلال غـيـرهـم من الشعوب ولم يعلموا أن النافع الذي يبقى ويسلم هو النافع العام لكل الناس والذي يوطـّد علاقات الود بين الأمم ،وليس النافع الخاص الذي يخلق المشاحنات وحروب الدمار والخراب . لقد سبقنا فعلاً الغـربيين في الماضي في الحكمة والعـلـم فكانت حكمتـنا فاضلة وشاملة وكان علمنا نافعـاً وعامأ ولم تـنفصل الحكمـة عن العـلـم ولا العلم عن الفضيلة وكانوا بنا لاحقين. وتأثروا بمدنيتنا ،ولكنهم أخـذوا بالعلم ولـم يأخـذوا بالحكمة ، وفضـّلـوا المنفعة الخاصة وابتعدوا عن الخير العام ،ففرغ العلم من انسانيته ولم يعد كما قدمناه للأمم فاضلاً ونافعاً .

فكيف تسهو يا جبران عن هذه الحقيقة وتقول: " قد أصبحوا هم السابقين وأمسينا نحن اللاحقين " الا اذا كنت تقصد أنهم السابقين الى تدمير الحضارة والمدنية فتكون بذلك معذوراً ومصيباً ؟ ولكننا لن نكون أبداً لاحقين في التدمير والخراب بل سابقين مشاركين في البناء والتعمير . ولا أخالك الا كنت تقصد ذلك لأنك أنت القائل : " لو أتيح لنا الـوقـوف على قـمة من قـمم التجريد مستعرضين مآتي العصور الغابرة لرأينا أن نهضات الأمم ووثباتها لم تكن بما أوجدته لمنفعة خاصة بها ، أو لمجد محدود بحدودها وتخومها ، بل بما تركته ارثاً للأمم التي جاءت بعدها ، وعلمنا أن زبـدة العهـد الـذي كان فجـره في بابـل ومساؤه في نيويورك هي بالحقائق العامة الشاملة التي اكـتـشفها الانسـان وأثبتها..."وهل يأتي بعد المساء الا الليل وما يرافقه من الظلمات؟ لقـد أخطأ الغربيون في تفسير معنى الانتصار والتفـوق فـفهموا الانتصارعبـر الغـزو والسلب والنهب والسرقـة وقـتـل الشعـوب الضعيفة وتدمير بلادها وثقافاتها بينما كانت أدنى درجات الانتصار في مدنيتـنا ومفهـومنا هي أن نساعـد الشـعـوب على النهـوض ، وأوسط درجات الانتصار أن نجعل تلك الشعوب تحترمنا وتحترم حقنا في الحياة ، وأعلى مـراتب الانـتصار التي علينا أن نسعى لبلوغها هي عندما نتمكن من التغلغـل في قلوب الأمم بالمحبة والصدق والمناقب العالية فـتحبنا الأمم وتعاملنا بالحب و الـود والصدق ونقف واياها معاً في مواجهة الويلات والانتصارعليها . ونسعى جميعاً الى تحقيق عالم انساني جيّد وحياة انسانية أجود لجميع بني الانسان .

لقد أصاب جبران بقوله أن الغرب عدوٌ اذا تمكن منا . وعدوٌ اذا وهبناه قلوبنا . وعدوٌ اذا وضعنا نفوسنا في الحالة التي توافقه . ولأن بعض أبناء أمتنا الذين سحرهم الغرب ودرسوا في معاهده وجامعاته مكـَّنوه من عقولهم ، ووهبوه قلوبهم ، ووضعوا أنفسهم في الحالة التي توافقه فقد تحولوا الى ما يشبه"حصان طرواده" في قلب أمتنا ، بل هم أخطر من حصان طروادة بكثير كثير لأن حصان طروادة كان في داخله أعداء يأتون من الخارج .أما أبناؤنا الذين مكـَّنوا الغرب من عقولهم،ووهبوه قلوبهم،ووضعوا نفوسهم في حالةٍ توافق شهواته الشريرة ونزواته البغيضة ،فانهم تحولوا الى مكروبات في دماء الأمة ،وجراثيم في جسدها ،وداء سرطاني نفسي وبيل فتاك في عقليتها ونفسيتها ينخر فيها من داخل لكي لا تقوم لها بعد ذلك قائمة.لقد أصبحوا جزءأً لا يتجزأ من هيجان ثورة الحيوان المسخـَّر لبث الفوضى ،ونشر التوحش، وشيوع الخراب ، والعودة بالبشرية الى مغاورالظلمات وسراديب الجاهليات التي كان من ثمارها همجية قورش في تدميربابل.وبربرية الاسكندرفي خراب صور وصلب أبنائها. ووحشية جيوش الرومان في احراق قرطاجة ودمار تدمر وقتل مئات الآلاف من السوريين الذين اعتنقواالرسالة المسيحية . وفظاعات المغـول في قتل أبناء بغـداد وحرق بـيـوتها ورميّ كتب مكتباتها وابـداعات أبنائها في نهـر دجلـة . وبهيمية العثمانيين وانكشاريتهم في تـزعم وقيادة رسالة الاسلام الـرحيم، وفي القضاء على القسطنطينية ومـراكـز الفكـر والعلم في انحاء بلاد الشام والـرافدين وتحـويـل رسالة الاسلام المحمدي عن نـور العلم والفضيلة الى ظلمة الجاهلية والرذيلة . ومجازر الصليبيين بحق كبارنا وصغارنا ونسائنا ورجالنا ونهب ثرواتنا. وسفالات الاعـراب الجاهليين الصحراويين الذين أسلموا ولم يـدخل الايمان قلوبهم التي بقيت مليئة بالاحقاد والضغائن والفتن ورذائل الطباع فصدّروا الينا أوساخهم وأنتانهم ونجاساتهم وسمومهم ومساوئهم التكفيرية .

وشرور المستعمرين الفرنسيين والانكليز وما خلفوه في بلادنا من مآسي وويلات وحرق وتدمير لآثارنا من معاهد وجامعات ومكتبات ومسارح ومعابـد وأديـرة وكنائس ومساجـد وتحف وغيـر ذلك لتتراكم اليوم همجيات الدنيا وبربرياتها ووحشياتها وفظاعاتها وبهيمياتها ومجازرها ونجاساتها وسفالاتها وشرورها في أميريكية صهيـونية ممتـلئة بكـل ما ظهـر وما استـتـرمن جـرائـم العـصـور مارستها وتمارسها في فلسطين ولبنان والعراق والشام بأفظع ما يكون التوحش، وبأرهب ما يكون الاجرام حتى استحقـت حكـومة عصابة الولايات المتحدة الأميركية-الصهيونية الفوزبأكبر جائـزة وشهادة في الاجرام المتفوق،والتوحش العصيّ على الوصف.

ونالت كأس أعظم همجية عـرفـتها الانسانية وسجلها التاريـخ . ان أكبر الـويلات والنوازل التي حلت بنا ولا تزال تحل بجيلنا الحالي كان سببها الأهم هـو الذي اكتشفه وعبَّر عنه فيلسوف أمتنا ومطلق نهضتها أنطون سعاده عندما قال في محاضرته أمام المهاجرين من أبنائنا المهجّرين في سانتياغو-الأرجنتين عام 1940 :" " ... ان أعظم ما أُصبنا به هو أننا نسينا تاريخنا، وصرنا حائرين كاليتيم الذي يجهل أباه وأمه ، ويهتم دائماً بكشف هذا السر فيقول في سره بلهفة : من هو أبي ومن هي أمي ؟ والحقيقة ان اليتيم الذي يجهل أبـاه وأمـه لا يمكن أن تكون شخصيته كاملة لأنـه يشعـر دائماً أنـه ينقصه شيء.وأن هذا الشيء لا يمكن أن يستعيض عنه بشيء آخر. ان الكرامة لا يحل محلها شيء ، لأنها الغرض الأسمى في الحياة ، والشعوب متى عرفت قيمتها الحقيقية تموت في سبيلها . فيجب على السوري أن يعرف من هو أبوه ومن هي أمه. أي أن يراجع تاريخه ويدرسه بتدقيق ٍ وامعان . ومتى لاحق هـذه القضية يـدرك أنه ليس يتيماً ، بل هو ابن تاريخ مجيد ، وأن بلاده أعطت انتاجاً في أسواق الرقيّ الإنساني مثل أعظم الأمم بل أكثر منها ".

فـوجـود السوري في العالم ليس من الأشياء التي يمكن الاستغـناء عنها. بل هو كائن لازم وضروري للحضارة والثقافة وترقية النوع البشري . فنحن يجب أن نكون أمة عظيمة ، ليست لمصلحتها فقط ، بـل لمصلحة الإنسانية كلها. إن السوري متى تحـرر من قـيـوده ، وانطلق فكره ، يُعطي العالم تفكيراً جديداً هو بحاجة اليه ".

فيا أيها السوريون المقيمون والمهجّرون من بلاد الشام والرافدين حذار حذار أن تتنازلوا عن وطنكم الطبيعي،الممتاز بموقعه الطبيعي الاسـتـراتيجي المميـز في قلب كـوكب الأرض ، والمميز بحـدوده الجغرافية، وطبيعة اقليمه، وطبغرافيته الطبيعية. وحذار حذار أيضاً أن تنسوا تاريخ شعبكم الممتدة جذوره في أعماق أعماق التاريخ . ان أرضكم وشعبكم هما أمكم وأبـوكم وأنـتم لستم أيتاماً الا اذا أردتم أن تكونوا أيتاما أو عقوقين . أنتم أبناء التاريخ الحضاري الذي تعود أصوله الى الأزل. وأنتم أبناء وبنات الحياة التي تمتد مطامحها الى الأبد. وأنتم نفحة من روح الله يحتاجها كل من يريد أن يحيا بكرامة وعـز في هذا الوجود . وأنتم النور الذي لا قيمة للعالم بدونه.وأنتم الضرورة التي تحتاجها البشرية لترقية نوعها فافتـتحوا بوعيكم وابداعكم وأخلاقيتكم وبطولتكم عهد الانسانية الجديد بوضع حد ٍ للفتوحات والعداوات بوعيٍّ لا يضل ، وايمان لا يتزعزع ،وبطولة لا تـُقهر، وبتلقيح الأمم بفلسفة التفاعل الموحـِّد الجامع للقوى الانسانية الخيِّرة المحبة الرحيمة ، وليس بفلسفة التنازع المفتت والمشتت لقوى الحق والخير والجمال .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017