إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الأصوليّات الدينية ضدّ الدين

يوسف كفروني - البناء

نسخة للطباعة 2012-12-11

إقرأ ايضاً


قوّة الدعوة الدينية، في المسيحية وفي الإسلام، هي في بساطتها التي ساعدت في انتشارها الواسع في مختلف الأوساط الاجتماعية وفي معظم المجتمعات. لم يكن المقبلون على الدعوة مثقفين ولا خريجي معاهد دينية ولاهوتية. كانوا في غالبيتهم الساحقة أناساً بسطاء جذبتهم أفكار تعطي القيمة الكبرى للانسان بغض النظر عن أصله ولونه وجنسه، وبغض النظر عن مركزه ومكانته .

الدافع الأول لقبول الدعوة هو شعور الإنسان بقيمته وكرامته، وكان العنوان الأبرز للشعور بهذه القيمة حرّية الانسان الاختيار فمن دونها لا معنى لكرامته، والعنوان الثاني هو مفهوم المساواة بين جميع الناس من دون أي تمييز، فالتمييز شكّل ويشكّل دوساً لكرامة الإنسان وانتقاصاً من إنسانيته، ما يؤدي الى تعطيل قدراته وإشعاره بالدونية والنقص. ويعزّز الرجاء بالحياة بعد الموت شعور الانسان بقيمته وكرامته، هو الكائن الضعيف والمحدود، في عالم مليء بالغموض والأسرار ولا حدود له.

الدافع الثاني هو الشعور بالأمان والاطمئنان في عالم الدعوة المفتوح على كل الجماعات والمجتمعات والمنشىء لعلاقات إنسانية تقوم على احترام الآخر وليس على الخوف منه والتربص به. الإيمان بإله واحد لجميع الناس، يعني أنني كانسان فرد لا أتميّز عن الآخر، وأن جماعتي لا تتميّز عن جماعة أخرى ولا مجتمعي عن مجتمع آخر.

عدم التمييز هو الذي يؤسس لعلاقات المساواة التي تقوم على الاحترام وتبني علاقات الثقة بين الجماعات والشعوب.

الدافع الثالث هو الشعور بالتعاضد والتراحم بين الناس، إذ عملت الدعوة الدينية على خلق روادع ودوافع ذاتية لدى الإنسان. روادع تمنعه من أذية الآخرين ومن فعل الشرّ بهم، ودوافع تحضّه على فعل الخير للجميع من دون تمييز.

وجد الناس ملاذا آمناً في دعوة دينية مفتوحة ظنّوا أنها تشكل لهم خلاصاً من ظلم الحكّام واستبدادهم، لكن سرعان ما تحوّلت الدعوة الدينية الى مؤسسات يتحكم فيها أناس غلبتهم مصالحهم وأهواؤهم، وغالباً ما تعاونت هذه المؤسسات مع الحكام وبرّرت الظلم والاستبداد حفاظاً على مصالحها. لكن بقي من الدعاة من آثر الوقوف الى جانب الضعفاء والمساكين من دون التفات الى رضى الحكام أو غضبهم. ولجأ كثيرون الى ممارسة إيمانهم بصبر وحذر بعيداً عن تعاطي الشأن العام والاهتمام به.

مسار الدعوات الأصولية في المسيحية واليهودية والاسلام يتقاطع في عدّة نقاط جوهرية:

- تناقض جميع الدعوات الأصولية مع أصولها، خاصة في المسيحية والاسلام.

- المسيحية انطلقت من جغرافية محددة وجماعة محدّدة لتنفتح على كل البلدان وكل الجماعات، وكذلك كانت انطلاقة الإسلام.

بدأت الأصوليات المسيحية، منذ نشأتها، بالانغلاق على الجماعات المسيحية أولا وهي تعلن باستمرار تكفير هذه الجماعات قبل الآخرين، وكذلك تفعل الأصوليات الإسلامية التي بدأت باعتبار المجتمعات الإسلامية في حالة الجاهلية، وهي تعلن تكفير المسلمين قبل سواهم.

-قامت الدعوة الدينية في المسيحية والإسلام على إعلاء القيم الروحية والزهد بالقيم الدنيوية.

الأصوليات المسيحية والإسلامية لا تعرف الزهد ويلعب المال دوراً كبيراً في حياة الأعضاء وخاصة القياديين منهم. كما تلعب المشاريع السياسية وأطماع الوصول الى السلطة الهدف المركزي لهذه الجماعات.

- المسيحيون الأوائل والمسلمون الأوائل آمنوا بالدعوة الشفهية ببساطة وفرح من دون خضوع لتأهيل وإعداد، وكانوا على المستوى الثقافي أناساً عاديين، أميين أو شبه أميين، من مختلف الفئات الشعبية البعيدة عن العلم والثقافة.

تُخضِع الأصوليات الدينية جميع الذين ينتسبون إليها من خلال دورات إعداد وتأهيل، متنوّعة ومتكرّرة، ومعاهد وكليات دينية ولاهوتية، وسيل من النشرات والكتب والمطبوعات، إضافة إلى الاجتماعات والاحتفالات والمهرجانات، وبعد كل ذلك يتم عزل العضو عن أي علاقة تفاعلية مع أشخاص من خارج الجماعة، الأمر الكفيل بغسل دماغه وإعادة تشكيله من جديد ليصبح مطواعاً وخاضعاً لسلطة الجماعة الأصولية.

جاءت الدعوة الدينية في المسيحية والإسلام حاملة المحبة والرحمة للجميع وليس للأتباع المؤمنين بتعاليمها فحسب.

جاءت بإعلاء القيم الروحية وكبح الغرائز والشهوات ولم تسع وراء الملك والجاه.

جاءت لتوحّد البشر ليس بقهرهم لاعتناق عقيدة معيّنة، بل باعتبارهم عيال الله جميعاً مهما كانت أفكارهم ومعتقداتهم، فالمهمّ أعمالهم ونفعهم للناس وبعدهم عن الأذى والشر.

الأصوليات الدينية تطلق العنان لمشاريعها بالوصول الى الحكم ولو بالتحالف مع الشيطان.

الدعوة الدينية تقرّب بين المتباعدين وتفتح المجتمعات المتباعدة على بعضها في عالم إنساني رحب.

الأصوليات الدينية تباعد بين الأقارب وتغلق ذاتها في وجه الجماعات الأخرى ضمن المجتمع الواحد.

تساعد القيم الدينية في التقريب بين الجماعات والمجتمعات، لكن عندما تتحوّل هذه القيم من قيم مطلقة إلى قيم خاصة ومقتصرة على جماعات محدّدة تناقض أصولها ومبداها وتصبح خطراً على الجميع.

والأخطر من ذلك تحوّل هذه القيم ليس إلى قيم خاصة فحسب، بل أيضا إلى وسيلة وأداة لأغراض ومطامح سياسية لأفراد أو جماعات معينة.

منطلق الأصوليات وطريقة عملها لا يمتّان إلى أصولها بصلة، رغم بناء دعوتها على ما تدّعيه من أصول الدين.

إن الخطأ القاتل للأصوليات هو ارتدادها عن القيم الدينية المطلقة إلى قيم خاصة محصورة في جماعة محددة، وارتدادها إلى حالة الاجتماع البدائي المنغلق والقائم على الحذر والخوف من الآخر وبناء سلوكياتها وفق نموذج أقرب ما يكون الى اليهودية المغلقة والمغرقة في عنصريتها وإلغائها للآخر، واعتبار أنها وحدها جماعة الله والشعب المختار أو الفرقة الناجية. وخطأها القاتل أيضاً هو الخلط بين الدين والسياسة، بين مفهوم الدين ومفهوم الدولة.

الدولة تمارس ردعاً خارجيا يلزم لتحقيقه قوانين وأجهزة ومؤسسات، لكن لا تستطيع الدولة أن تلزم المواطن بفعل الخير للآخرين أو بمحبتهم والتعاضد معهم .

القيم الدينية والقيم الإنسانية هي التي تخلق فينا الردع الذاتي الذي يمنعنا تلقائياً عن فعل المنكر ويحضّنا على فعل الخير، وذلك بفعل الضمير والوجدان وليس من خلال قوة خارجية. والخطأ القاتل للأصوليات أنها تخلق أصوليات مضادة وتشكّل مسار انحدار المجتمع ومسار انتحاره إن سيطرت.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026