شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2012-12-18
 

الثورات الفاشلة

يوسف كفروني - البناء

يشهد التاريخ حركة صراع دائمة ضدّ أيّ سلطة قائمة في كل مكان وفي كل زمان، حركة صراع قد تخمد في الظاهر لبعض الوقت، وقد تشتدّ وتزيد وتصل إلى الانفجار.

أشكال الصراع متعدّدة، منها ما هو عصيان وتمرّد واحتجاج وانتفاضة وهيجان، والقليل منها يمكن تصنيفه ضمن مفهوم الثورة التي تمثل تغييراً جذرياً وعميقاً في الواقع القائم على مختلف الصعد. وما يمكن تسميته بالثورة قد يكون ثورة فاشلة، وقد يشكل نكوصاً وارتداداً إلى الوراء، بدلاً من رسم مسار جديد لحياة جديدة.

أبرز الثورات السياسية في التاريخ الحديث، التي يمكن التوقف عندها ودرس عواملها وأسبابها ونتائجها هي : الإنكليزية (1688)، الأميركية (1776)، الفرنسية (1789)، الروسية (1917)، الإيرانية (1979).

الثورة الانكليزية كان لها أثر كبير إذ قضت نظرياً وعملياً على فكرة حقّ الملوك الإلهي، كما أصبح البرلمان صاحب الكلمة العليا في شؤون الحكم، وأحدثت تأثيراً كبيراً خارج إنكلترا.

الثورة الأميركية كانت ثورة قومية ضدّ الاستعمار البريطاني، وأرست نظاماً ديمقراطياً على المستوى الداخلي كان لقيم الحرية والفردية فيه شأن كبير.

الثورة الفرنسية أرست نظاماً جمهورياً علمانياً ديمقراطياً ساوت فيه بين المواطنين من دون أي تمييز ديني أو عرقي وألغت الامتيازات التي كانت قائمة للنبلاء ورجال الدين. كما أثّرت الثورة الفرنسية في العديد من الدول وخاصة في أوروبا.

الثورة الروسية أرست مفاهيم جديدة على المستوى الاجتماعي وكان لها تأثير عالمي في معظم حركات التحرر ضد الاستعمار في العالم.

الثورة الايرانية الاسلامية كانت أولاً ثورة الاستقلال والإرادة القومية ضد التبعية الأميركية والغربية التي مثّلها حكم الشاه، وكانت ثورة العدالة الاجتماعية وفق القيم الاسلامية، وثورة الدخول في الثقافة العلمية العصرية، وكان لها تأثير في كثير من حركات التحرر الرافضة للهيمنة الأميركية.

رغم خصوصية كل ثورة من هذه الثورات فثمة تقاطعات في ما بينها :

هي ثورات استقلال ضد سلطة أجنبية مباشرة أو غير مباشرة لدى الدول الخاضعة للاستعمار أو الهيمنة الخارجية. وهي لدى الجميع ثورات ضد النظام السياسي القائم وتأسيس لنظام سياسي جديد ودستور وقوانين وأنظمة جديدة .

وهي ثورات تنطلق من قوى محلية تملك قرارها الذاتي، وقد تستعين بقوى خارجية على قاعدة تبادل المصالح، إنما تبقى محافظة على قرارها واستقلالها وسيادتها.

وهي ثورات انطلق مفكروها من ثقافة التنوير والثورة الصناعية وما سبقها وما رافقها من ثورات علمية وفكرية وأفكار ونظريات سياسية.

ما هو موقع ما سمّي بالثورات أو الربيع العربي، وأين يمكن تصنيفها؟

في 17-12-2010 أحرق محمد البوعزيزي نفسه احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية عربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وبسبب رفض سلطات المحافظة قبول الشكوى التي قدّمها في حق الشرطية فاديا حمدي التي صفعته أمام جمهور من الناس وقالت له ارحل.

شكّلت هذه الحادثة شرارة لحراك كبير انتشر في تونس وانتقل إلى عدة بلدان عربية، حراك أطلق عليه « الربيع العربي» و «الثورات العربية».

ماذا أنتج هذا الحراك بعد سنتين من انطلاقه؟ ما هو اتجاه التغيير على مستوى الاستقلال السياسي الحقيقي من هيمنة الارادة الأميركية والخضوع لإملاءاتها وتوابعها وخاصة التابع الصهيوني؟ ما هو اتجاه التغيير على مستوى البنية الاجتماعية والسياسية ؟ ما هو اتجاه المساواة والحرية والعدالة وحقوق المرأة ومفهوم المواطنة، في المجتمع والدولة حيث حصل التغيير في تونس ومصر وليبيا؟ هل التدمير وسفك الدماء الجاري في سورية برعاية أميركية وغربية وصهيونية وتمويل خليجي ودعم تركي هما عمل ثوري لمصلحة الشعب السوري؟ هل قوى الحراك المسلّح في سورية هي قوى مستقلة وتطلب الاستقلال ؟ وهل يمكن لثورة تعمل على رسم حياة جديدة أن يكون الاستعمار هو منشئها وداعمها؟ وهل يمكن في القرن الحادي والعشرين أن تقوم ثورة بأفكار ضبابية وظلامية وبدعم الأنظمة الأشد رجعية وتخلّفا؟ وهل نتخيّل ثورة تدمّر بلدها وتقتل وتذبح شعبها بالسيوف والسكاكين، وعلى الهوية، وتستقدم عشرات ألوف المسلحين الغرباء للإمعان في القتل والتدمير؟

هل نحن أمام حراك وثورات تتحرّك بقوى داخلية تملك الإرادة وحرية القرار، أم نحن أمام صفقات لتبديل سلطة بأخرى أكثر تنازلاً واستسلاماً للأميركي والغربي والصهيوني؟ هل يمكن لقوى تتحرك بعصبيات مذهبية وجاهلية ومعارف غيبية أن تقيم مساراً لحياة أفضل في الاجتماع وفي السياسة؟

انظروا نتائج ما وصل اليه العالم العربي بفعل ما يسمّى بـ» بالربيع العربي وثوراته». تأمّلوا وفكّروا جيّداً؟

لستم في حاجة إلى وثائق تكشف لكم الصفقات مع الأميركي والصهيوني.

تابعوا التصريحات المعلنة وانظروا الى تناقض المواقف قبل الوصول الى السلطة وبعدها وانتبهوا جيّداً إلى السكوت المخزي وابتلاع الألسن كي لا يصرّحوا بسوء ضد الظلم الصهيوني والأميركي.

الثورة في اللغة العربية تفيد الهيجان والانتفاضة والثوران. ان ما ترونه هو هيجان سيخمد سريعاً، لأنه حراك لا يمثل إرادة حقيقية للشعب ومصالحه. إنه انتفاضة أبعد ما تكون عن ثورة حقيقية تنطلق من رؤية واضحة وفكر نيّر لرسم مستقبل الشعب تعبيراً عن آماله وطموحاته.

« الثورة باللغات الأجنبية هي المعاودة ، إعادة البدء، دورة كاملة، تحوّل تام، revolution». الثورة وفق استخدام المصطلح في اللغات الأجنبية تشير الى تغيّر عنيف وعميق في البنية السياسية والاجتماعية للدولة. انتقلت كلمة ثورة الى ميادين عديدة غير الميدان السياسي والاجتماعي : ثورة علمية –ثقافية –صحية ... الانتفاضات والانقلابات التي لا تؤدي الى تغيير عميق وجذري في الواقع السياسي والاجتماعي لا يمكن تصنيفها ضمن مفهوم الثورة.

نحن في حاجة الى ثورات معرفية وعلمية تدخلنا في ثقافة العصر قبل كل شيء آخر وتؤسس لثورة اجتماعية وسياسية حقيقية وتنقلنا من جماعات القبائل والطوائف ومن الرعايا والأتباع، الى مجتمع المواطنة واحترام الانسان مهما كان أصله وجنسه ودينه.

نحن أمام انتفاضات وأشكال حراك لا أسس فكرية وسياسية لها، وفي أفضل الأحوال نحن أمام ثورات فاشلة.


 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه