إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الديمقراطية وقانون الانتخاب اللبناني

يوسف كفروني - البناء

نسخة للطباعة 2013-01-15

إقرأ ايضاً


تغنّى اللبنانيون كثيراً بديمقراطيتهم مفاخرين بتميّزهم بها، مقارنة بسائر الدول العربية التي تحكمها أنظمة ملكية أو عسكرية.

هل يستطيع أيّ لبناني اليوم أن يتغنّى بالديمقراطية اللبنانية ويفاخر بها؟ ألا يجد معظم اللبنانيين أن ديمقراطيتهم كذبة كبيرة وفارغة من أي مضمون؟

يفترض بالنظام الديمقراطي أن يحوّل الصراع على السلطة من صراع خفي وعنيف ومدمّر إلى صراع علنيّ، وفق قواعد راقية وشفافة تساوي بين جميع المواطنين من دون تمييز ولا امتياز ولا استثناء لأحد. قواعد واضحة وثابتة تخاطب عقول المواطنين لإقناعهم بالبرامج الأفضل التي تمثّل مصالحهم وترتقي بواقعهم نحو الأفضل، وتسمح بالمراقبة والمحاسبة لأي مسؤول في الدولة مهما علا شأنه.

الصراعات القاتلة التي عاشها اللبنانيون في ظل الكذبة الديمقراطية، ومنذ كذبة الاستقلال حتى اليوم، هي من أكبر الصراعات التي تشهدها أي دولة في العالم تحكمها أكثر الأنظمة استبداداً ورجعية وتخلّفاً.

ما شهده اللبنانيون من كوارث وويلات متكرّرة يؤكّد أن ما أسماه اللبنانيون نظاماً ديمقراطياً لا علاقة له بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد.

إن تعديل القوانين الانتخابية في كل موسم انتخابي، ودائماً قبل بضعة أسابيع من موعد الانتخابات، هو مهزلة المهازل المتكرّرة، واستغباء للمواطنين الغائبين والمغيّبين، وتأكيد على الكذبة الكبيرة المسماة النظام الديمقراطي في لبنان.

جرت ممارسة الديمقراطية في الدول المتقدمة وفق قوانين انتخاب تعتمد أنظمة انتخابية متنوعة، من النظام الأكثري الى النسبي فالمختلط فنظام الصوت الواحد وغيرها.

لا شك في أهمية النظام الانتخابي وضرورة تطويره بما يجعله أكثر تمثيلاً وعدالة بين جميع المواطنين . لكن لا معنى له إذا لم يستند إلى أساس دستوري سليم. فالديمقراطية تقوم أولاً على أساس فكرة الوطن والشعب المكوّن من مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لا على أساس جماعات مستقلة بذاتها يشكّل كل منها «أمة خاصة». فلا يمكن قيام ديمقراطية حقيقية بين الجماعات المغلقة والمستقلة، لا على أساس أكثري ولا على أساس نسبي ولا على أي أساس آخر.

تقوم الديمقراطية ثانياً على أساس العلاقة بين النظام الانتخابي ونظام الأحزاب السياسية، ولا معنى للديمقراطية خارج الأحزاب السياسية التي يفترض قيامها على أساس فكرة الشعب والوطن أيضاً. فلا يجوز في الديمقراطية قيام أحزاب على أساس فئوي، ديني أو طائفي أو مذهبي أو عرقي أو مناطقي.

أهمية الحزب السياسي في العملية الديمقراطية تتمثّل في قدرة المواطن على الاختيار بين برامج الاحزاب السياسية المحدودة، مفاضلاً بينها ومختاراً ما يراه ملائما، ومتكمناً من محاسبة الحزب في الدورة المقبلة إذا كذب أو أخلّ بوعوده.

خارج الانتخابات على الأساس الحزبي يصبح الانتخاب شخصياً ويفقد أي معنى سياسي، كما يفتقد المواطن القدرة على المراقبة والمحاسبة، حتى لو انتخب في الدورة المقبلة شخصاً آخر فقد يكون أسوأ من السابق.

الوضع مختلف مع الحزب السياسي الذي لديه مصلحة في أن يقدّم أفضل الأشخاص المدرّبين والمختبرين في مؤسساته والممارسين الشأن العام، أو يتوجّه المواطن الى حزب منافس.

يجمع الدستور اللبناني على نحو متناقض بين مفهوم المواطن ومفهوم آخر يلغيه هو مفهوم الجماعات الطائفية وحقوقها وامتيازاتها. وعلى هذا التناقض الدستوري قامت النظم الانتخابية المتعددة التي تعكس النفاق السياسي الكبير والتكاذب الفاضح والمفضوح الذي تعيشه الجماعات الطائفية، متذاكية بعضها على بعضها الآخر في أيّها الأكثر وطنية والأقرب إلى الديمقراطية، وكلها متساوية في “النفاق الديمقراطي” وفي جوهرها الطائفي وسياساتها الطائفية المغلّفة بقشرة زائفة من الشعارات الوطنية والديمقراطية.

لا منطق وطنياً في كل القوانين الانتخابية المتعاقبة، فالتمثيل طائفي وأصوات الناخبين غير متساوية، بل تختلف قوتها بحسب الدائرة الانتخابية.

لا منطق وطنياً في تقسيمات الدوائر الانتخابية عبر مختلف العهود، بل المنطق الطائفي هو السائد.

لا أساس وطنياً في العملية الانتخابية، بل كانت خاضعة ولا تزال لسلطة الاعلام والمال والنفوذ السياسي القائم الذي يسخّر مؤسسات الدولة وأجهزتها لتوزيع الخدمات وفق المصالح الانتخابية لهذا الزعيم أوذاك.

الأقلام الانتخابية موزعة بحسب أرقام السجلات للمذاهب والعائلات، والناخب مجبر على التصويت في القلم المحدّد له، ما يجعل التصويت مكشوفاً بنسبة كبيرة أمام النفوذ السياسي الذي يستطيع ممارسة ضغوط متنوعة على الناخبين ومحاسبتهم.

القوانين الانتخابية تطرح دائماً من زاوية حساب الأصوات والربح والخسارة لهذا الفريق أو ذاك، لا من منطلق المصلحة الوطنية، ولا من منطلق ما يسمى تكاذباً بالعيش المشترك.

القوانين المطروحة كلها قوانين طائفية، والقانون الأرثوذكسي هو أكثرها طائفية ويقطع الطريق على إمكان لبناء وحدة وطنية ويرسخ مفهوم الطائفة-الأمة، ويشجع مستقبلاً على انتاج ممثلين عن الطوائف هم الأشد طائفية وانغلاقاً.

القانون الأرثوذكسي هو أسوأ القوانين على الإطلاق، إذ يلغي فكرة المواطن كلياً، ويلغي حق المواطن في اختيار نواب من خارج طائفته قد يرى فيهم من هو الأصلح والأكفأ تمثيلاً.

إذا كانت الطبقة السياسية غير مؤمنة بفكرة الوطن والدولة، ولا تتحرك الا بالمحرّضات الطائفية، فالأجدر بها أن تستقيل من العمل السياسي. ولكنها لن تستقيل بل ستظل متسلّطة على البلاد والعباد، مرتهنة للخارج الذي يحقق لها مصالحها الخاصة والمكاسب والمنافع، وستستمر في استغلال الشعب من خلال التجهيل والتجويع، والتخويف من أبناء وطنه المنتمين الى طائفة أخرى.

على الشعب أن يثور على هذه الحالة من الاذلال اليومي الذي يمارس ضد كرامته وضد مستقبله وضد حقوقه. وربما يكون الحكم العسكري كمرحلة انتقالية خطوة ضرورية إذا استطاع توحيد المجتمع ووضع حدّ لطغمة سياسية فاسدة وبناء دولة قادرة وعادلة، ومستقلة وحرّة. وقد يكون أفضل مليون مرّة من اجترار الكذب والنفاق السياسي باسم ديمقراطية كاذبة وزائفة.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026