توقفت المصادر الدبلوماسية والسياسية باهتمام واستغراب في آن معاً أمام التصريحات التي صدرت أخيراً عن وزارة الخارجية الأميركية حول طلب الإدارة الأميركية من الدول المجاورة لسورية عدم السماح بإدخال السلاح والمسلحين إلى داخل الأراضي السورية وإلى ضرورة مقاتلة «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» باعتبارهما تنظيمين إرهابيين يتبعان لتنظيم «القاعدة».
فمن زاوية الاهتمام الدبلوماسي في الشق الأول من المواقف الصادرة عن وزارة الخارجية الأميركية أنه للمرة الأولى يصدر موقف أميركي بهذا الوضوح لناحية مطالبة الدول التي تدعم وتمول «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» وهذه الدول باتت معروفة من قبل الجهات المعنية بتطورات الأوضاع في سورية والمطالبة الأميركية هذه وضعتها المصادر الدبلوماسية في إطار الالتزام الأميركي مع روسيا بشأن الملف السوري وضرورة محاربة الإرهاب العالمي الموجود على أرضها في هذه المرحلة. كما أن تلك المصادر ترى في ذلك محاولة بعث رسالة علنية إلى روسيا مفادها أن الإدارة الأميركية ملتزمة بما اتفق عليه في ما بينهما على أن الحل السياسي للأزمة في سورية هو الوحيد القادر على إخراج سورية من المحنة التي تمر بها ومن الحرب الكونية التي أعلنت عليها منذ حوالى ثلاث سنوات.
وتقول المصادر الدبلوماسية: إلا أن ما هو مستغرب في الشق الثاني من الموقف الأميركي أنه لم يضع ما يسمى «الجبهة الإسلامية» التي ولدت من رحم ما يسمى «الجيش الحر» ومن خلال قيام تحالف بين بعض التنظيمات الإرهابية المسلحة أطلق عليه «الجبهة الإسلامية» برعاية ودعم كلي وعلني من المملكة العربية السعودية بشخص بندر بن سلطان مدير المخابرات السعودية مع العلم أن هذه «الجبهة» يجب أن تكون على رأس التنظيمات الإرهابية إذ لا تختلف ممارساتها وتصرفاتها في بعض المناطق التي توجد فيها عن تصرفات وسلوكيات «جبهة النصرة» و»داعش». أي أن الصفة الإرهابية تنطبق عليها كلياً وكل المحاولات الجارية من قبل الولايات المتحدة الأميركية لجعل هذه «الجبهة الإسلامية» تنظيماً إسلامياً معتدلاً يمكن أن يلعب دوراً متكاملاً مع الدور الذي برسم «الائتلاف الوطني» الذي ترعاه أيضاً المملكة العربية السعودية هذه المحاولات ستبوء بالفشل خصوصاً إذا ما تمت متابعة الموقف الروسي المتكرر في الفترة الأخيرة وعلى لسان وزير الخارجية سيرغي لافروف بأن «الجبهة الإسلامية» لا يمكن أن يكون لها أي موقع في الحوار المرتقب في «جنيف ـ 2».
وترى المصادر أنه من خلال هذا التوجه في الشق الثاني من الموقف الأميركي كان المقصود استرضاء المملكة العربية السعودية التي تتولى الإشراف المباشر وتتبنى عملية الدعم المالي والعسكري والإعلامي والسياسي وبهكذا موقف تتوهم الإدارة الأميركية أنه بإمكانها استغباء روسيا التي تعتبر من جانبها أن مثل هذه المواقف المتذبذبة لا تخدم نجاح مؤتمر «جنيف ـ 2» وأن الولايات المتحدة إذا كانت جادة فعلياً في التزاماتها التي وعدت بها روسيا فعليها أن تمارس ضغوطاً جدية على المملكة العربية السعودية لكي تغير سلوكها وموقفها من الأزمة في سورية وهي بالطبع قادرة على ممارسة هذا الموقف وترجمته عملياً.
وتعتبر المصادر الدبلوماسية أن جوهر الموقف الأميركي هذا يتلخص في حجز موقع لـ»الجبهة الإسلامية» من منطلق أنها حالة سعودية بامتياز في أي حوار مقبل متلازماً مع أن يكون «الائتلاف الوطني» الذي يترأسه الجربا هو الممثل المباشر لـ»الجبهة الإسلامية» في المؤتمر المرتقب باعتبار أن الجبهة المذكورة والائتلاف المذكور هما وجهان لعملة واحدة اسمها بندر بن سلطان وهذا التوجه الأميركي يأتي في سياق سياسة الإرباك وعدم حسم الأمور باتجاه نجاح انعقاد «جنيف ـ 2» تحت شعار محاربة الإرهاب في سورية في الدرجة الأولى وبرعاية دولية لأن الأمر بات يشكل حالة من القلق الدائم لجميع الدول في العالم بما فيها تلك التي انغمست في الحرب والعدوان على سورية ولا يمكن أن تكون الفرصة سانحة لأي نجاح لهذا المؤتمر إذا لم يتوقف العنف ويتبنى الفرقاء التزامهم الجدي بمكافحة ومحاربة الإرهاب في سورية
|