إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

المنهج القومي ومفردات الخطاب الديني

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2014-06-30

الارشيف

"ليس في عقيدتنا القومية الاجتماعية ما يُحرّم العقائد الدينية أو يحتجز حرية الفكر في أي أمر من الأمور الروحية والقضايا الفكرية، بشرط أن لا تطلب الهيمنة على عقيدتنا القومية الاجتماعية أو إفسادها أو تعطيل غايتها الأخيرة".

سعاده

رسالة إلى فخري معلوف

بتاريخ 4 آذار 1945

ليس من اختصاصات الفكر القومي الاجتماعي، في أية حال من الأحوال، أن يتدخل في القضايا الدينية أللهم إلا إذا حاول رجال الدين أو المؤسسات الدينية التدخل في الشأن القومي العام بحيث تؤثر أو يمكن أن تؤثر في الوحدة الروحية الاجتماعية للأمة، والتي إذا تضعضعت ستؤدي إلى تشرذم المتحد الواحد إلى جماعات متناحرة، تماماً كما هو حاصل في بلادنا هذه الأيام. ونقصد بالفكر القومي الاجتماعي عقيدة سعاده والإنتاج الثقافي لمعتنقي هذه العقيدة سواء في المؤسسة الحزبية أو خارجها. صحيح أن حرية التفكير في أي موضوع كان ليست محرمة على القوميين الاجتماعيين، لكن ليس من اختصاص المؤسسة الحزبية أو أي قومي اجتماعي أن يفرض على الآخرين رؤية بعينها. فليس هناك رأي واحد نهائي في الماورائيات يمكن أن يصبح مقياساً للإيمان العام.

أدرك سعاده باكراً خطورة الخلط بين المسائل القومية والمسائل الدينية، لذلك شدّد في مبدأين من المبادئ الإصلاحية للحزب السوري القومي الاجتماعي على ضرورة "فصل الدين عن الدولة" و"منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين". وهو رفض مراراً الإنجرار إلى مناقشات عقيمة في قضايا غيبية، غير أنه لم يكن ليتردد في التصدي لأعلى المراجع الدينية حينما تقحم نفسها في شؤون سياسية أو مسائل تقع خارج اختصاصها أو عندما كانت تنشأ حالة تهدد الوحدة القومية، ما يستلزم موقفاً قومياً اجتماعياً واضحاً. ومن الأمثلة ذات الدلالات المهمة مقالاته في جريدة "النهضة" رداً على خطاب البطريرك الماروني أنطون عريضه في أواخر سنة 1937، والنقاش المسهب لـ "حارضة" رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) في البرازيل بين 1940 و1942. وما كان سعاده ليتصدى لترهات الخوري لولا أن هذا الأخير قصد إثارة الفتنة الدينية بين السوريين في المغترب من أجل غايات شخصية، فكانت النتيجة سلسلة "جنون الخلود" التي أراد الزعيم أن يسمي القسم الثاني منها بـ "المسيحية والمحمدية والقومية".

وعلى رغم هذا الموقف الجذري والحازم في فصل الدين عن الدولة، إلا أن سعاده لم يجد ما يمنع أي قومي اجتماعي من ممارسة اعتقاداته الدينية، شريطة أن لا تتعارض تلك الممارسة مع وحدة الروح القومية، وأن لا تكون سبباً للشقاق بين أبناء الوطن الواحد. ولعل في طريقة معالجته لمسألة انحراف فخري معلوف، كما أوردها في رسائله إلى غسان تويني، ما يُعطينا فكرة واضحة عن المنهج القومي الاجتماعي في التعاطي مع الشؤون الدينية.

وبقدر ما يُمنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين، يُمنع رجال السياسة القومية أيضاً من التدخل في شؤون الدين من حيث الاعتقاد بالماورائيات. يقول سعاده في رسالته المشار إليها أعلاه إلى فخري معلوف: "لا يمكننا ونحن نبغي الصحيح أن ننظر إلى الدين بمنظار سياسي ولا إلى السياسة بمنظار ديني. يحسن أن يكون الإنسان مؤمناً في الدين ولا يحسن أن يكون مؤمناً في السياسة".

ونستعيد هذا الكلام الآن نظراً إلى ما نراه من إقدام رجال السياسة القومية على استعارة تعابير ومفردات دينية في معرض تناولهم الأحداث السياسية والاجتماعية في بلادنا. هذا الخلط بين المسائل القومية والمسائل اللاهوتية يؤشر إلى خلل في فهم بعض القوميين للعقيدة القومية الاجتماعية التي تمنع "النظر إلى الدين بمنظور سياسي ولا إلى السياسة بمنظور ديني". ولعل الدمج بين المفاهيم السياسية ذات الخلفيات الدينية أو المذهبية من جهة ومفاهيم السياسة القومية من جهة أخرى هو الذي أوصل بعضنا إلى تبني مقولات ومواقف قوى خارجية تستمد عقائدها وسياساتها من نظريات غيبية ذات جذور دينية راسخة.

الإسلام المسيحي والإسلام المحمدي (في تجلياته السورية المتطورة) يشتركان في قيم روحية تسعى إلى خير الإنسان وسعادته وطمأنينته النفسية. أما نظريات الخلق والموت والحشر والنشر والعالم الآخر فتخضع لاعتبارات القناعة الفردية التي لا يحق لأحد أن يسحبها على الآخرين أو يفرضها عليهم أو يمنعها عنهم، لأن ذلك سيعطل وحدة الحياة في المجتمع القومي ويقيم الحواجز الروحية بين أبناء الوطن الواحد. إن الخلط بين الدين والسياسة، بغض النظر عن المستفيد من ذلك، يسئ إلى الدين بقدر ما يسئ إلى السياسة. والمسؤولية هنا لم تعد تقتصر على رجال الدين المتدخلين في السياسة بل أيضاً على رجال السياسة القومية الذين راحوا يستعيرون المفردات الدينية لتبرير أو تعزيز مواقفهم القومية!

يعاني مجتمعنا السوري من تناقضات دينية ومذهبية حادة في هذه المرحلة، يزيدها خطورة تنطح رجال الدين من مختلف الطوائف للتحكم بالدفة السياسية بما يتناسب والمصالح الذاتية لكل جماعة. والمصيبة الكبرى في هذا الوضع أن بعض المواقف لا يتجاوز كونه نكاية بالطرف الآخر وفق مقولة "كرهاً بعلي وليس حباً بمعاوية" أو حسب المثل الشعبي المعبّر "نكاية بالطهارة شخيّت بلباسي"! فلا يعود الموقف ذا قيمة بحد ذاته بقدر ما تكمن أهميته في شخصية ومكانة مَنْ يصدره. إن الأزهر وقم والنجف وبكركي والفاتيكان ومكة وفاس والقيروان وغيرها وغيرها هي مراكز ذات إيحاءات مذهبية، بغض النظر عن طروحاتها السياسية التي قد تلامس في بعض الأحيان المسائل القومية. ولذلك لا يسع الفكر القومي الاجتماعي أن يتبنى مثل ذلك الخطاب المذهبي لأنه سيضع نفسه فوراً في مواجهة خطاب مذهبي نقيض. إن أكثر ما تحتاج إليه الأمة هذه الأيام، في معمعة الاستقطاب الدموي الحاد، هو الفكر القومي العابر لزواريب الطوائف ومتاريسها!


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017