شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2014-11-17
 

منطق ومناطق العجز الإمبراطوري

العميد الركن المتقاعد وليد زيتوني - البناء

يكشف التاريخ القديم والحديث أن الدولة بجميع أشكالها، هي كائن حيّ يمرّ بمراحل متعددة، وهو ما يسميه ابن خلدون، المراحل الخمس للملْك. غير أن هذا الكائن قد تطور بتطور العلم والتقنيات عن زمن ابن خلدون وحتى عن زمن مكيافيلي في كتابه الأمير، الذي عالج فيه أنماط وأشكال الإمبراطوريات القائمة في عصره.

في الشكلين القديم والمتوسط، زالت الإمبراطوريات نتيجة عوامل ذاتية غير مواكبة لتغيرات في المناخ العالمي المحيط، إما بظهور إمبراطوريات قويّة أجبرتها على التراجع والانكفاء، أو لظهور تمردات في الأقاليم لمصلحة مشاريع تحرر إقليمية بفعل وعي محلي، أو مدفوعة بتدخلات لإمبراطوريات منافسة.

غير أن السلوك الإمبراطوري في ما يتعلق بالآخر، إنسانياً كان أو كائناً معنوياً دولة، شبه دولة، جماعات اتنية، قبائل،…الخ هو سلوك واحد مبني على علاقة السيد والعبد، التابع والمتبوع، الأعلى والأدنى، القادر والعاجز… إلى ما هناك من قراءات فوقية تتبلور بمظاهر عنصرية تحتقر هذا الآخر وتذلّه، وتجعله يقبل بما منّ عليه السيد من فائض نهبه.

الإمبراطورية الأميركية الحديثة تجاوزت إمبراطوريات ما قبلها، بما فيها الإمبراطورية الإنكليزية التي لا تغيب عنها الشمس، من حيث القدرة والاتساع حتى أنها أطبقت على العالم جغرافياً ومادياً. فربطت هذا العالم بقراراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية وحتى الاجتماعية بما أملته على العالم التابع من أنماط سلوك تتناسب وتتطابق مع حاجاتها ومنطقها، على حساب حاجات الشعوب الأخرى وحضاراتها وثقافاتها.

غير أن عمر هذه الإمبراطورية يبدو قد دخل مرحلة الشيخوخة، إذا ما دققنا الملاحظة في ظواهر الانكماش والتجعدات التي بدأت تظهر على جسدها والعجز الواضح في حركتها الاستراتيجية على المستويات الاقتصادية والعسكرية كافة بما فيها تخبطها السياسي. لم تعد الولايات المتحدة واثقة من خطواتها ومشاريعها، خائفة ومترددة في معظم قراراتها، وأصبح الوهن يطاول علاقاتها مع دول كانت تعتبرها ولفترة زمنية قصيرة قادرة على تطويعها أو سحقها إذا ما خرجت عن طاعتها. فبعد عام 1990 وانهيار الاتحاد السوفياتي السابق وفرض الشروط التي تتناسب مع تطلعاتها إليه، وضعت يدها على جميع دول الكومنتيرن التي كانت تحت سيطرته المباشرة وأدخلتها قسراً أو بالإغراء في منظومة الحلف الأطلسي، وطوعت الدول التي كانت تدور في فلكه أثناء الحرب الباردة ووضعت شروطاً قاسية على شكل أنظمتها السياسية والاقتصادية، كل ذلك تحت قالب وقبة الأمم المتحدة ومؤسساتها التي صارت جزءاً من آليات سيطرتها على العالم.

بدأت مظاهر التراجع واضحة، بعدما صمدت الصين بوجهها اقتصادياً، على رغم المحاولات اليائسة التي بذلتها في هذا المجال، من تحميل الصين أعباء إضافية بهونكونغ وإغراق السوق المالية، ووضع ضوابط وشروط على صادرات الصين الصناعية، وتحريك الساحات المطالبة بالحرية والديموقراطية بما فيها الحراك الأخير في هونكونغ.

وفي مظهر آخر لا يقلّ شأناً، بدا هذا الضعف أثناء ما اسمته «الربيع العربي» التي كانت قد خططت لقيامه منذ منتصف الثمانينيات، بحيث أحجمت عن التدخل عسكرياً في ليبيا وأوكلت المهمة إلى الحلف الأطلسي لعجز بموازنتها الدفاعية، وعدم استطاعتها تحريك أساطيلها بالشكل المقنع الذي يتناسب مع ادعائها كقائدة للعالم.

في هذه المرحلة أفاقت روسيا من كبوتها، وتطلعت نحو آخر معاقلها في الشرق الاوسط وتحديداً إلى سورية التي صمدت بوجه الهجمة الدولية الموجهة من الولايات المتحدة الأميركية، وأحسّت أن الوقت أصبح مناسباً للتدخل في وجه الإمبراطورية التي تعبث بمقدرات الكون، فاستخدمت بداية دبلوماسيتها في المحافل الدولية التي كانت قد تحوّلت ملعباً فسيحاً للإدارات الأميركية المتعاقبة. وثم وضعت خطوطاً حمراً للحراك الأميركي، بعد أن تعاونت مع الصين وإيران ودول البريكس، فعجزت الإمبراطورية عن تحقيق أهدافها المرتقبة بالسهولة التي كانت تنتظرها.

ردّت الولايات المتحدة على روسيا في أوكرانيا، فاستوعبت روسيا هذا الهجوم، بل حققت أهدافاً إيجابية في ما يتعلق بالقرم والبحر الأسود، وانتقلت إلى مرحلة الهجوم الاستراتيجي مع حلفائها، فكانت اليمن الهدف الأول وأصبح باب المندب كما مضيق هرمز تحت القبضة النارية لمحور الممانعة. وربما أصبحت مصر على قاب قوسين من الانخراط في هذا الجهد بمحاربتها القوى التكفيرية باعتبار هذه القوى مع النازية الجديدة في أوروبا أدوات تنفيذية للمشروع الأميركي. أما الأنظار تتطلع الآن إلى ليبيا بعد سقوط النظام التكفيري في كل من مصر وتونس. بحيث يستكمل جدار الدفاع بشمال أفريقيا والتي يتجاوز جغرافياً جدار الدفاع الصاروخي الأميركي في الشرق الأوروبي.

إن الإمبراطورية الأميركية في حالة ذبول حقيقي وبخاصة أن العام المقبل سيشكل ضربة قاضية لنظامها النقدي استناداً إلى دراسات أعدت في دوائرها.

فهل نستريح من هذا التنين في السنوات المقبلة؟

وهل نشهد نهاية آخر الإمبراطوريات في هذا العالم؟


 

جميع الحقوق محفوظة © 2024 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه