للناس قيمهم، للناس مقدساتهم، للناس حساسياتهم المتدرجة في اهميتها من تلك التي تطال المحرم والتابو الى تلك التي تتعلق باعتبارات حياتية عامة وخاصة.
والحرية الحقيقية، الانسانية الحقيقية هي تلك التي تعرف ان حدها هو تلك الحساسيات التي تشكل اساءات قد لاتحتملها العلاقات بين البشر.
في اوروبا من جهة، وفي العالم الاسلامي من جهة ينشغل الناس هذه الايام بقصة الاساءة الى شخص الرسول الكريم والاسلام من قبل صحيفة دانمركية ومن ثم فرنسية . وليست هذه هي المرة الاولى التي تحدث فيها تعديات كهذه ، تجعل النار تشتعل بسرعة في كومة القش التاريخية التي تكونت عبر قرون بين عالمين من المفترض ان تقربهما عبادة الله الواحد ، ولكن التاريخ اثبت ان توظيف هذه العبادات والمفاهيم لخدمة الاهداف الاقتصادية والسياسية هو ما جعل منها عنصر تفريق لا عنصر توافق انساني . لا شك انه ما من انسان مسلم او عربي ( واقول ذلك بتمييز مقصود ، لان الاسلام هوبالنسبة لاي مسلم في العالم ،دين وحسب بينما هو بالنسبة للعربي ، ايا يكن دينه ، دين وحضارة) - الا ويشعر بانه مهان اذ تهان رموزه الاكثر تقديسا وكرامة ، ولا شك في انه يشعر بشيء من العزاء عندما يرى ان ردة الفعل الشعبية والرسمية تنتصر لهذه الرموز باقصى ما عندها من قدرة وحدة .
ولكن واللكن كبيرة هنا ، التروي ، والتمعن في الخلفيات السياسية للقضية يقود العاقل الى اكثر من سؤال : الاول تفرضه طبيعة انتماءات وارتباطات وسائل الاعلام المعنية بالفضيحة.
فلماذا الدانمرك ؟ ولماذا الاعلام المعروف بخضوعه لسيطرة اللوبيهات اليهودية؟ والثاني يفرضه منطق التخطيط السياسي الذي يكمن وراء العمل الاعلامي وهو: هل كان من الممكن الا يتوقع صاحب القرار الذي سمح بتمرير الرسوم ردة الفعل التي حصلت وربما اعنف منها؟ والثالث يتعلق بضرورة لا فكاك منها للوصول الى صلب أي تحليل ، وهو مسالة السياق ، فما هو السياق الذي تاتي فيه هذه الاستفزازات ؟ مما يقود الى السؤال الاخير وهو في مصلحة من تصب ردة الفعل هذه وفي السياق المذكور ؟ الدانمرك هي الدولة الاوروبية الاكثر ارتباطا بالولايات المتحدة وبسياسات المحافظين الجدد ، وهي الدولة التي تحتفظ بعناد بقوات عسكرية في العراق ، في حين تواجه معارضة شعبية تطالب بسحب هذه القوات .
والاعلام الدانمركي ، كمعظم حالات الاعلام الاوروبي خاضع كليا لسيطرة اللوبيهات اليهودية ، ولا مجال هنا لتناول التفاصيل لكن ذلك كاف لتبين ان المطلوب من هذا الاعلام ان يخدم الاهداف الاميركية والصهيونية ، وهي اهداف تتلخص ستراتيجيا بتاجيج منطق صراع الحضارات لتمرر تحت غطائه جميع مخططات الجانبين ، فانه يتلخص مرحليا في حاجة ادارة جورج بوش الى عدم البقاء عارية في العراق ، في الوقت الذي يتنامى فيه مازقها هناك . خاصة وان هذا المازق يقع الان على حافة السكين ، فاما ان تنجح بالقوة العملية السياسية وتغطي بذلك على الفشل العسكري ، واما ان تتنامى اخبار المقاومة وتاثيرها على الراي العام الدولي ، وتسير نحو تفشيل العمليتين معا ، مما سيعني بداية نهاية الامبراطورية . اما فلسطينيا فان وصول حماس الى السلطة ( وهو ما كان متوقعا منذ ما قبل الانتخابات ) هو امر يقلق اسرائيل من جهة ، ولكنه يشكل من جهة اخرى مادة دسمة استثنائية لاثارة الاوروبيين ضد القضية الفلسطينية . ولا ينفصل ذلك اطلاقا عن سياق مناخ الشارع الاوروبي الذي لم ينس احد معارضته للحرب على العراق ، من جهة ، وموقفه المتنامي ازاء القضية الفلسطينية ، من جهة اخرى ( ويذكر الجميع الاستطلاع الذي دل على ان معظم الاوروبيين يعتبرون اسرائيل خطرا على السلام العالمي ، كما يذكرون موقف البرلمان الاوروبي تجاه العراق وفلسطين ) . لذا فان المدخل الامثل لزرع الكراهية والحذر بين الاوروبيين والعرب ، هو مدخل تاجيج الصراع الديني الحضاري ، بدءا من الارهاب ووصولا الى الشد المتبادل . ومن هنا كانت مسالة الصور المذكورة حلقة في سلسلة لا ترمي الا الى صرف النظر عن حقيقة ما يجري في العراق وفلسطين، وتحويل الانظار نحو صراع مفتعل ، يبدأ من الاحساس بالاهانة ويصل الى الكراهية والحقد، مثيرا غبارا كثيفا يغطي على كل الاصوات المعتدلة والمؤيدة ، ويجر تلك التي تقف في الوسط الى منطق العداء ... غبار يمر من تحته الاميركيون واليهود الى اهدافهم المرسومة بدقة.
ومن هذا المنطلق نجدنا مطالبين كعرب بردات فعل على مستوى هذه المواجهة المصيرية ، ردا لا يضحي بالكرامة والقيم العليا ، ولكن لا يترك نفسه ينقاد الى المساهمة في تنفيذ مخططات العدو.
|