إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

القواعد العسكرية الأجنبية الجديدة لمواجهات إستراتيجية جديدة

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2014-12-10

الارشيف

أخيراً قررت الحكومة البريطانية تحويل تواجدها العسكري في منطقة الخليج العربي من دوريات متنقلة إلى وجود دائم. وزير الدفاع فيليب هاموند وقع الاتفاق مع الحكومة البحرينية، معتبراً أن القاعدة البريطانية التي يتم بناؤها حالياً في ميناء سلمان ستكون من أجل "دعم الاستقرار في الخليج"، و"لمواجهة التهديدات الإستراتيجية والإقليمية".

بعض المحللين السياسيين ربط هذه الخطوة بالحرب الدولية على تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، خصوصاً أنها المرة الأولى التي تقيم بريطانيا قاعدة عسكرية ثابتة في الخليج العربي منذ انسحابها من هناك في سنة 1971. مع الإشارة إلى أن التواجد العسكري البريطاني لم يغادر المنطقة بصورة نهائية منذ ذلك الوقت، لكنه كان يتخذ أشكالاً مختلفة حسب الظروف والتطورات السياسية والأمنية.

الخطوة البريطانية ليست مرتبطة تحديداً بمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، وإن كانت ستساهم في حملة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في العراق وسورية. كما أنها ليست قراراً منعزلاً عن المخططات الغربية للمنطقة، فقد سبق لفرنسا أن أقامت قاعدة عسكرية بحرية في أبوظبي سنة 2009... يوم لم يكن هناك "داعش" ولا من "يداعشون"!!

سيكون من التبسيط والاستسهال القول إن القاعدة البريطانية وزميلتها القاعدة الفرنسية، وما سبقهما من قواعد أميركية في أفغانستان وتركيا والخليج العربي والحوض الغربي للبحر المتوسط، هي جزء من مخطط استعماري يعود بنا إلى مرحلة الأربعينات والخمسينات قبل صعود المد التحرري الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. هذا أمر طبيعي يتناسب مع مصالح الدول الكبرى التي تسعى إلى مكاسب استراتيجية في فترة تشهد صراعاً دولياً مكشوفاً للهيمنة على الموارد الأولية في أنحاء العالم.

لكننا نقترح النظر إلى هذا التوسع العسكري الغربي (الأميركي والأوروبي)، ليس فقط في الخليج العربي وإنما في أفريقيا وشرق أوروبا وجنوب شرق آسيا، من منطلقين قد يبدوان منفصلين لكنهما في الواقع متكاملان بصورة وثيقة جداً.

المنطلق الأول هو عودة "الحرب الباردة" بين الغرب الأميركي ــ الأوروبي من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، وفي الوسط تقف مجموعة دول صاعدة مثل البرازيل وجنوب أفريقيا والهند التي لم تحسم بعد مواقفها النهائية. وعلى رغم الكلام الديبلوماسي الصادر عن كل الأطراف، إلا أن مستقبل العلاقات الدولية يتجه إلى مزيد من التصعيد الذي سيترافق حكماً مع سباق تسلح بدأنا نشهد تجلياته في جنوب شرق آسيا حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تطويق الصعود الصيني من خلال تعزيز تواجدها العسكري هناك، وعقد اتفاقات أمنية محلية، وفي الوقت نفسه تزويد "حلفائها" بأحدث الأسلحة.

لا يقتصر التمدد العسكري (أو المدني ذو الاستخدامات العسكرية أيضاً) على الغرب الأميركي ــ الأوروبي، فالصين التي وجدت نفسها في عين العاصفة الأميركية قررت التوجه إلى الخارج تجارياً واقتصادياً أولاً ثم عسكرياً ثانياً. وهكذا بات لها وجود قوي في أفريقيا وسريلانكا وآسيا الوسطى، مع فتح قنوات جديدة باتجاه أفغانستان وباكستان. وعمدت كذلك إلى فرض الأمر الواقع في جنوب وشرق بحر الصين حيث ستقع المواجهة الحتمية في حال تدهور الأوضاع الدولية.

أما روسيا التي أدركت، ولو متأخرة، أبعاد التحرك الأطلسي في حديقتها الخلفية من البلطيق إلى القوقاز، فقد قررت كسر القيود السياسية التي كبلتها منذ سقوط الاتحاد السوفياتي في التسعينات والعودة مجدداً إلى رسم خريطة نفوذها الإستراتيجي إبتداء من دول الجوار (كما في جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا) وصولاً إلى المحيط الهادئ والمياه الدافئة في الخليج العربي، وكذلك التشبث بآخر إطلالة بحرية لها في المتوسط: طرطوس.

المنطلق الثاني للنظر في عودة القواعد العسكرية الغربية إلى منطقة الخليج يكمن في طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الدول الغربية والدول المُضيفة للتواجد الأجنبي العسكري من الناحيتين الخارجية والداخلية. فمن حيث المبدأ، يمكن القول إن قرار إقامة القواعد العسكرية يحمل في طياته نوعاً من عدم الثقة بقدرة الدول المحلية على مواجهة التحديات الدولية المرتقبة. لكنه في الوقت ذاته يؤمن حماية لها من الحراك الداخلي الذي قد يسعى إلى إحداث تغييرات في التركيبة السياسية الحاكمة.

والأمثلة التاريخية والمعاصرة المتوافرة بين أيدينا تؤكد أنه لم يكن بالإمكان دائماً الفصل بين الحماية الخارجية من عدو محتمل، وهمياً كان أو حقيقياً، وبين التأثير في الشؤون الداخلية للدول المُضيفة تحت أية ذريعة كانت. ومن النماذج التي ترد إلى الذهن في هذا المجال التدخل الأميركي في لبنان (1958 و1982)، والتدخل البريطاني في الأردن (1958 و1970)، والتدخل الفرنسي في لبنان (1982)، والحملة العسكرية الأطلسية على ليبيا (2011)...إلخ. أما حالياً، فإن النفوذ الأميركي في أفغانستان يكاد يرسم معالم الحياة السياسية في كابول، بما فيها مساعي "المصالحة الوطنية" مع الطالبان.

في ضوء المنطلقين اللذين أشرنا إليهما أعلاه، فإن منطقتنا مقبلة على مرحلة شديدة الخطورة في سياق الصراع الدولي وعودة الحرب الباردة ونشوء معسكرات متحاربة وتغير موازين القوى وتبدل التحالفات "التاريخية"! ولعل تصريح وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن "استعداد عدد من الدول العربية للتحالف مع إسرائيل" أبرز دليل على ما نتوقعه. وهذا يعني، بشكل أو بآخر، خروج القرارات السيادية من أيدي الحكومات والقوى المحلية لصالح قوى خارجية لها مشاريعها ومصالحها غير المتوافقة مع مشاريعنا ومصالحنا القومية. وقد تنجح تلك القوى في تحقيق مخططاتها إذا لم تقم في وجهها تحالفات ومحاور قومية وإقليمية ذات رؤية واضحة ومشروع قابل للتنفيذ.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017