شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2021-09-09
 

المواطنة نبيلة صليبا عانت الكثير وناضلت الى جانب زوجها الأمين الدكتور منير خوري

الامين لبيب ناصيف

كنت على علاقة جيدة بالأمين جبران جريج، مذ كان يتولى مسؤولية منفذ عام بيروت فاختارني لاكون مديراً لمديرية المصيطبة، وتبع ذلك زيارات قام بها الى منزلنا، والى منزل خالي الدكتور في الاقتصاد اندره جحا. ولاحقاً مع عقيلته ماري بربر الى منزلنا فتعرّفا الى الوالدة واستمرت العلاقة جيدة بين "أم وسيم"، والوالدة.

بعد حصول الثورة الانقلابية وتعرّض الأمين جبران للاعتقال ثم صدور الحكم بالسجن عليه، لم انقطع عن زيارة بيته، كانت أم وسيم بمثابة الأخت وقد احتلت لدي مساحة كبيرة من الاحترام لما كانت عليه من رفعة الاخلاق والرصانة(1). في اثناء زياراتي التفقدية لمنزل الأمين جبران التقيت اكثر من مرة بالسيدة نبيلة صليبا، عقيلة الأمين د. منير خوري التي كانت تصطحب بناتها في تلك الزيارات.

بعد خروج الأمين د. منير من الاسر، اجتمعت به كثيراً في المسؤوليات المركزية، وكان طبيعياً ان ازوره في منزله وهو كان استحوذ على احترامي ومحبتي، ثم استمر في التردد عندما تقدم به العمر ووقع فريسة المرض.

كانت تلفتني عقيلته الفاضلة نبيلة بخلقها الرفيع، وبالكثير من التميّز الأخلاقي. تماماً كما الرفيقة ماري بربر، مشيراً الى اني كنت اتردد دائماً الى منزل الأمين جبران جريج، حتى عندما وقع الانشقاق الحزبي، فكنت في تنظيم مغاير. مع ذلك اذكر ان الأمين جبران عندما انتخب رئيساً للحزب اتصل بي هاتفياً ورغب إليّ ان أمرّ الى منزله، ففعلت، وبقيت ازوره واطمئن، الى ان وافته المنية.

كان اطلعني الأمين جبران انه يعدّ كتاباً بعنوان "هذه أمك يا وسيم"، وفيه الكثير عن الرفيقة ماري بربر ونضالها الى جانبه، وما قاسته في اثناء الاعتقالات والسجون التي تعرض لها، وهي كثيرة.

بانتظار ان يصلني من العزيزة ايمان جبران جريج ما يؤسس للحديث عن الأخت والرفيقة ماري بربر، انشر ما وردني مؤخراً من الرفيقة ندى خوري مع الكثير من شكري، ومن تسجيل ما أكنّه للأمين الدكتور منير خوري، لعقيلته الفاضلة نبيلة، ولبناته الثلاث أمل، ندى ووفاء من محبة راسخة وتقدير لافت.

ل. ن.

*

كتبت الرفيقة ندى خوري :

ولدت والدتي عام ١٩٣٠ في قرية الخربة، التي صار اسمها اليوم برج الملوك، قضاء مرجعيون.

والدها نقولا صليبا، وأصله من المتن، كان "معلم عمار"، نزح أثناء مجاعة الحرب العالمية الأولى إلى الجنوب وتزوج من جدتي سليمة فواز من قرية ديرميماس المجاورة واستقرا في الخربة حيث أسسا معا أسرة من تسعة، خمسة أولاد وأربع بنات، كانت والدتي السادسة بينهم..

تربت نبيلة في كنف أسرة قروية متواضعة ولكن ذات سمعة طيبة في منطقتها ومعروفة بكرمها وأخلاقها وحبها للعلم. جدتي سليمة بالأخص وكانت متأثرة بالإرساليات البروتستانتية كانت تطمح لتعليم كل أولادها في أحسن المدارس والجامعات. ومن القصص التي تروى عنها أن خالتي، كبرى بناتها، أغرمت وهي صبية بجارها في القرية الذي طلب يدها من أهلها فلم تقبل جدتي بزواجها منه إلا بعد أن التحق بالجامعة وتخرج منها بشهادة عليا.

حين كانت نبيلة في سن الحادية عشر نزلت الأسرة الى بيروت كي يتمكن الأولاد من إكمال دراساتهم في الجامعات والمدارس. وتخرجت نبيلة من المدرسة الإنجيلية، او "مدرسة الإنجليز" كما كانت معروفة. وللأسف لم تستطع وأختها الصغرى دخول الجامعة بسبب الظروف المادية للأهل ولأن أفضلية التعلم كانت في ذلك الوقت تعطى للذكور. حلمت نبيلة بدراسة التمريض إلا ان حلمها لم يتحقق. ولو استطاعت تحقيق ذلك الحلم لكانت برعت في مهنتها وهي كتلة من العطاء والإنسانية.

بعد تخرجها من المدرسة عملت الوالدة كسكرتيرة في أكثر من مؤسسة حتى انتهى بها الأمر في مكتب برنامج "النقطة الرابعة" من مشروع ترومان الأميركي للتنمية بعد الحرب العالمية الثانية حيث كان مديرها شابا وسيما اسمه منير خوري أحبته وأحبها وتزوجا في عام ١٩٥٥.

لم تكن الوالدة من أسرة سياسية معروفة بمواقف أو اتجاهات عقائدية معينة ولا كانت هي نفسها تحب السياسة. وإن كانت بالتأكيد تعرف انتماء والدي السياسي الا أنها لم تكن مدركة مدى عمق ارتباطه بالحزب. لذلك فإن اكتشافها بعلاقته بانقلاب عام ١٩٦١ جاء صدمة كبيرة لها قلبت حياتها المثالية رأسا على عقب. فبعد أن كانت زوجة أكاديمي وخبير مرموق في الأمم المتحدة، تسكن في رفاهية في شقة مريحة في أحد أرقى أحياء راس بيروت آنذاك، اضطرت للانتقال مع طفلاتها الثلاث إلى بيت أهلها والعيش مع والديها واختها في شقتهما الصغيرة المتواضعة. بعضهم قال لها: "طلقيه"، وآخرون قالوا: "اعطي البنات لأهله". فكان دائما جوابها "هو زوجي، أنا اخترته وأنا أتحمل مسؤوليتي". وحين كان يعرض عليها البعض مساعدة مادية كانت ترفض وتقول: "إذا اردتم مساعدتي، دبرولي شغل".

وبالفعل، وكي تعيل بناتها الثلاث، توظفت الوالدة كسكرتيرة في الجامعة الأميركية في بيروت حيث بقيت تعمل هناك حتى سنة تقاعدها.

أي انسان كانت نبيلة؟

كوالدة، كانت تفيض حنانا” وعطفا”، أحبت ثلاثتنا بالتساوي وعلمتنا ان نحب بعضنا دون أي تنافس أو غيرة. ضحت بكل شيء من أجل راحتنا فنادرا ما كانت تشتري فستانا” جديدا” ولم تتزين أبدا بالمجوهرات أو بالماكياج، ولم نرها يوما” خارجة إلى عشاء أو مطعم مع أن لبنان في ذلك الوقت كان يعج بالسهر والحفلات والولائم. اعتنت بنا أشد عناية وسهرت علينا وعلى سلامتنا فكنا هدف حياتها وكيانها. كانت تؤمن بالعلم فاتبعت أسس التغذية السليمة في طعامنا فكانت تمنعنا من شرب المشروبات الغازية ومن تناول الأطعمة السريعة والمعلبات، وكانت تستفيق في الصباح الباكر لتحضير وجبات طازجة كل يوم قبل خروجها الى عملها. وكانت تصر على أخذنا دوريا لزيارة الأطباء والقيام بالفحوصات اللازمة للتأكد من سلامتنا. علمتنا رقص الباليه والعزف على البيانو. كانت فخورة بأنها أم لبنات في زمن وفي مجتمع يحبذ الذكور. وكانت تضحك حين كان بعضهم يقول "مسكينة زوجها في السجن وكمان عندها ثلاث بنات!". كانت تدافع عن الفتاة وعن حقوقها وتؤمن بالمساواة بين الجنسين. علمتنا ان لا فرق بين البنت والصبي وشجعتنا على بناء صداقات سليمة مع الصبيان في المدرسة ولاحقا مع الشباب في سني المراهقة.

في مكتب شؤون الموظفين في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث عملت حوالى ثلاثين عاما، عرفها زملاؤها موظفة متفانية في عملها، لا تتأخر عن مواعيد عملها وتقوم بواجباتها على أتم وجه. معتنيه بهندامها، مؤدبة، لطيفة، تخدم الموظف الصغير قبل الكبير. من مبدأ مساندة الضعيف والدفاع عن المظلوم، كانت تعجل في معاملات العمال وتسهل أمورهم. كانت دائما تقول: "العامل البسيط مسؤول عن أسرة وهو بحاجة للمساعدة أكثر من الأستاذ والمدير". فكان صغار موظفي الجامعة يحبونها كثيرا وحين يرونها مارة أمامهم في حرم الجامعة يسرعون للوقوف احتراما لها ويهبون للسلام عليها.

وفي البيت عرفها أصدقاؤها وأقاربها إنسانة كريمة الى أبعد حدود، بابها مفتوح للجميع وسفرتها مليئة بأشهى طعام من طبخها اللذيذ. خدومة تهب للمساعدة عند أول طلب، عطوفة لا تتوانى عن زيارة مريض، وحتى في آخر أيامها حين كانت في أصعب مراحل مرضها، كانت فور سماعها بمرض أحدهم تتصل هاتفيا للاطمئنان عنه. كانت تحزن لأحزان الناس وتفرح لأفراحهم: تبارك كل عرس، وتحمل كل مولود جديد وكأنه طفلها، تلاعبه وتغنجه وتهديه في كل عيد هدية، فكان الأطفال يعشقونها ويظلوا يذكرون "آنتي نبيلة" حتى كبرهم.

مع الوالد ظلت زوجة محبة وفية ساندته في جميع مراحل حياته، ودعمته ماديا ومعنويا الى النهاية.

لم تكن حياة والديَّ سهلة، إلا ان العبء الأكبر من تلك الصعوبات وقع على كاهل نبيلة، فاستوعبت ظروفها برأس مرفوع دون تشكي أو تذمر. ومن الصور التي لا تغيب عن ذاكرتي دموعها الحارة التي كانت تذرفها صامتة في الليل، فكنا نشعر بها على أجسادنا الصغيرة ونحن نائمات في السرير معها. وفي الصباح كانت تستفيق باسمة مشرقة لتجهزنا للمدرسة وكأن شيئا لم يكن.

رحلت نبيلة عنا في ال ٢٩ من تشرين الثاني ٢٠١٨ فخسرنا جميعا، بناتها وأخوتها وأفراد أسرتها وأصدقاؤها امرأة نادراً أن نجد مثيلاً لها بطيبتها وإنسانيتها وكرمها وحكمتها. وإذا كان ثمة ملائكة في هذا الكون فهي كانت أحدهم بالفعل.

هوامش:

(1) امتدت علاقتي الوطيدة الى شقيقها الرفيق د. حسيب بربر، الى ابنه الرفيق يوسف، الى ابنة شقيقتها، الرفيقة محاسن صعب التي اقترنت من الأخ والصديق الرفيق نبوغ نصر.





 

جميع الحقوق محفوظة © 2021 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه