شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2021-09-12
 

حكومة ما بين الخازوقين

أحمد أصفهاني

أطلق الناس تنهيدة ارتياح، ولو جزئياً، بعدما تم الإعلان عن تشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب الميقاتي. ليس لأن الحكومة العتيدة ستجترح المعجزات في الوضع اللبناني المعقد، بل لأن هذه الخطوة ستكبح الانهيار الكامل الذي شارف عليه اللبنانيون خلال السنتين الماضيتين. فقد بلغت الأمور حد اللاعودة، مما يشكل خطراً يُنذر بخروج الوضع عن السيطرة سواء الإقليمية أو الدولية.

ونحن لا نريد في هذا المقال أن ننغص على الناس لحظات ارتياحهم وتوقعاتهم. لكن من الضروري أن ننظر إلى التطورات الحكومية بمعزل عن أشخاصها وتصريحاتهم ووعودهم. فما كان للميقاتي والطبقة السياسية المشاركة في الصفقة الوزارية أن تنجح في ولادة الحكومة لولا أنها تحظى بتغطية خارجية معلنة ومستترة، أو على الأقل بعدم اعتراض خارجي.

نقترح أخذ المسائل التالية بعين الاعتبار:

1 ـ التدهور الداخلي على كل الأصعدة أصبح كارثياً. ودخل أبسط مستلزمات الحياة اليومية مجال الاستحالة. ولم يعد بالإمكان السكوت، لأن أحداً لا يمكن أن يتكهن بمسار الأحداث عندما يقع الانفجار الكبير (وقد كنا قاب قوسين أو أدنى من ذلك).

2 ـ تشهد المنطقة حالياً لحظة مراجعة للعلاقات الإقليمية والدولية، ما يستدعي الانخراط في مفاوضات قد تؤدي إلى توافقات. فقد فُتحت أبواب كانت موصدة بالحديد الصلب قبل مدة قصيرة: حوار إيراني ـ سعودي خجول، ملامح تفاوض بين مصر وتركيا، انفتاح ديبلوماسي على دمشق... وغيرها. وبما أن الملفات السياسية متداخلة بشكل معقد، والمعضلة اللبنانية ملف أساسي متفجر، فمن الطبيعي أن تُتخذ خطوات للتهدئة ريثما يتحدد التوجه العام. وقد استفاد لبنان من تلك اللحظة... على الرغم من أنها معرضة للاهتزاز أبداً.

3 ـ السنة المقبلة هي سنة الانتخابات في لبنان. وقد كان هناك احتمال كبير أن يصل اللبنانيون إلى ذلك الاستحقاق وهم غارقون بالفوضى العارمة (وليست الفوضى الخلاقة حسب التعبير الأميركي)، في حال استمرار الضغط والحصار على الشعب اللبناني. وكان أن تلاقت رغبات التهدئة الساعية إلى حلحلة الأزمة المستعصية تدريجياً، فخرجت التشكيلة الوزارية إلى النور.

طبعاً توجد اعتبارات أخرى أدت إلى الخروج من عنق الزجاجة الحكومية، بعد ثلاثة عشر شهراً من المناورات الفاشلة. غير أن ما عرضناه في الأعلى هو الذي سيحدد عمل الوزارة خلال الفترة المقبلة. وأوّل ما نشدد عليه هو أن حكومة الميقاتي ليست الحكومة التي ستشرف على الانتخابات، أو التي ستدير النقاش المحتمل لتعديل قانون الانتخابات. إن غياب بعض المكونات السياسية اللبنانية عن المشاركة في الحكومة الجديدة قد يمنع الميقاتي ووزارته من البقاء في الحكم للإشراف على العملية الانتخابية الحاسمة. إضافة إلى أن "الناخب الأجنبي" ما زال في طور الترقب والدرس. ونحن نتوقع أن يتم تشكيل حكومة "سياسية" للانتخابات بعدما تكون التشكيلة الحالية قد أنجزت مهمتها "الإنقاذية" المحدودة!

وبما أن حكومة الميقاتي معنية بكبح التدهور الاقتصادي والمالي، وما ينتج عنه من انهيار اجتماعي، فهي منفتحة على التفاوض مع البنك الدولي والمؤسسات المالية العالمية للحصول على قروض لا يمكن للوضع اللبناني أن يستقر من دونها. وهنا تبرز مشكلة الشروط المعتادة التي يفرضها البنك الدولي مقابل المساعدة العاجلة. الحد الأدنى الذي يطلبه البنك الدولي يتضمن إلغاء الدعم عن سلع أساسية، وقف الهدر المالي، خفض عدد الموظفين في دوائر الدولة، مكافحة الفساد (هذه أسطوانة مملة تتكرر على ألسنة أرباب الفساد أنفسهم)... وهي طلبات يمكن التفاوض حولها. أما الحد الأعلى فيتمثل ببيع الأصول والممتلكات العامة ومنها رخص تشغيل شبكة الهواتف الخلوية. ونحن نعتقد بأن هذه مسألة إشكالية لا يوجد إجماع سياسي أو اقتصادي بشأنها.

والمحصلة العامة التي نخرج بها بعد الشروحات السابقة هي أن لحكومة الميقاتي دوراً مؤقتاً ومحدوداً. وسيكون تحركها تحت سقفين بدلاً من سقف واحد: أولاً، الحفاظ على مسافة متوازنة بين اللاعبين الإقليميين والدوليين ريثما تنجلي أبعاد المراجعات الاستراتيجية في منطقتنا. وثانياً، محاولة إيجاد علاج موضعي ومؤقت يخفف الأزمات المعيشية المتراكمة التي تفتك باللبنانيين.

يُروى أن ملكاً حكم على أحد الأشخاص بالإعدام خوزقة. وعندما حان موعد التنفيذ، جلس على المنصة للتمتع بالمشهد. والمعروف أن الخوازيق تأتي بأحجام متنوعة. وما أن وُضع المحكوم على أصغر خازوق حتى صرخ باتجاه الملك قائلاً: "يا مولاي أريد أن تضعوني على الخازوق الأكبر". استغرب الملك، لكنه أمر بتلبية الطلب. وتكرر الأمر مرّة ومرتين وسط تعجب الملك الذي قال أخيراً: "في العادة يطلب المحكومون وضعهم على الخازوق الأصغر، بينما تطلب أنت العكس. لكني سأطلق سراحك إذا شرحت لي لماذا تطلب الحجم الأكبر فالأكبر"! أجاب الرجل بحماس: "يا مولاي، بين خازوق وخازوق ترتاح مؤخرتي قليلاً".

اللبنانيون "يرتاحون" اليوم مع وعود تطلقها الحكومة الجديدة. لكن الخوازيق التي أوصلتنا إلى الحالة الكارثية الراهنة ما تزال ماثلة أمام أعيننا... ومنصوبة خلف مؤخراتنا!


 

جميع الحقوق محفوظة © 2021 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه