شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2021-11-05
 

أكثر من عنوان... وأقل من معضلة

أحمد أصفهاني

النقاش الذي شهدته قبل أيام منصة "الهيئة العامة لمؤسسة سعاده للثقافة" حول عناوين سلسلة "جنون الخلود" كان حيوياً ومفيداً. ومع أني أوضحت من جهتي بعض النقاط، إلا أنني أرغب بالتوسع أكثر في تبيان بعض المسائل الناجمة عن الحوار، وليس فقط العناوين التي هي من باب الاجتهاد، باستثناء عنوان "جنون الخلود" الذي اختاره سعاده وثبته في رسائله إلى الرفقاء في البرازيل والأرجنتين. وارتأيت توزيع مقالي هذا عبر لائحتي الإلكترونية وليس من خلال "منصة الهيئة" حتى تكون التبعات على مسؤوليتي الشخصية... تاركاً لمن يرغب من الرفقاء نشره وتوزيعه حسبما يرى مناسباً.

ما كان سعاده ليعطي كل ذلك الوقت ويبذل كل ذلك الجهد في تفنيد "حارضة" رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) لولا أن هذا الأخير حاول اللعب على وتر الخلافات المذهبية، ساعياً إلى تفجير الفتنة بين أبناء الجالية السورية في البرازيل والأرجنتين... بل وفي الوطن أيضاً. إهتمام سعاده المطلق هو المجتمع السوري، ولذلك فإن أي موضوع يتناوله يجب أن يكون مرتبطاً بالشأن القومي. وليس هناك عنصر أكثر تأثيراً في السوريين من الدين، وأشد خطراً على وحدة المجتمع من الحزبيات الدينية.

منذ البداية، لم يكن سعاده في وارد كتابة بحث عن المسيحية والمحمدية من حيث هما "رسالتان سماويتان". ذلك أن دراسة الدين، أي دين كان، من جوانبه الفقهية اللاهوتية الماورائية المجردة ليست من الشؤون التي يغوص فيها مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي الداعي إلى "فصل الدين عن الدولة". إن فكر سعاده قومي بالمطلق. قاعدته قومية، وغايته قومية. والمنهج الذي ينظر من خلاله إلى كل مناحي الحياة لا يخرج عن تلك القاعدة، وإنما يلتزم بها التزاماً شمولياً. وقد وصف "غرضه الأساسي" من المباشرة بكتابة سلسلة "جنون الخلود" بأنه "تبيان الأدب الانحطاطي وأضراره على نفسية الشعب، وتبيان عوامل النفسية المخرّبة التي تدفع أصحاب هذا الأدب إلى العيث فساداً في الشعب، والعبث بمثله العليا، وإرجاعه إلى الفتنة الدينية التي أتلفت الزرع وأهلكت الضرع".(1)

جاء هذا الكلام في متن الحلقة الثانية عشرة من السلسلة. وحتى ذلك الوقت كان تركيز سعاده على تعرية الأدب الانحطاطي وفضح المتورطين في تأجيج النعرات الدينية المؤدية إلى الفتنة بين السوريين. ولا توجد إشارة محددة إلى نيته في توسيع البحث ليشمل الرسالتين المسيحية والمحمدية. بل هناك نص في رسالة منه إلى وليم بحليس بتاريخ 31 آذار 1941، بعد صدور الحلقة الحادية عشرة يقول: "الحقيقة أن هذه المقالات قد طالت، وما كنت أقصد جعلها بهذا الإسهاب (...) والآن وقد وصلت إلى "محاضرته" (يقصد الشاعر القروي) وهي الغرض الأصلي وأعتقد أنها لن تأخذ أكثر من أربع أو خمس مقالات".(2) وبعملية حسابية بسيطة، يظهر أن سعاده كان يتوقع التوقف عند الحلقة السادسة عشرة، ما يعني أن الحلقات العشرين اللاحقة كان يمكن أن لا تُكتب... وهي التي تتضمن موضوع المسيحية والمحمدية والقومية!

هذا الأمر يُعزّز قناعتنا بأن سعاده لم يخطط مسبقاً لكتابة بحث في "الرسالتين المسيحية والمحمدية". نحن نعرف أنه خطط لتأليف كتاب "نشوء الأمم"، وأعد المراجع لكتاب "نشوء الأمة السورية" الذي صادرته سلطات الانتداب وأخفته، كما جمع مقالات أدبية متناغمة في كتاب "الصراع الفكري في الأدب السوري". لكن شيئاً من ذلك لم يحدث مع "جنون الخلود". فهذه السلسلة كانت تنمو وتتطور عدداً بعد آخر. وسأذهب إلى أبعد من ذلك فأقول إن سعاده ما كان سيدخل في هذه المعركة لو أن شاعراً او أديباً غير سوري ألقى "محاضرة" مماثلة في لندن أو القاهرة أو طهران أو واشنطن على سبيل المثال... إلا إذا تركت تلك المحاضرة تداعيات وتأثيرات على وحدة المجتمع السوري. فالدين المجرد، وما يشتمل عليه من اعتقادات روحانية، لم يكن من الموضوعات التي يتطرق إليها سعاده، كونه يعتبر أن الإيمان الديني هو علاقة خاصة بين الإنسان وربّه.

وثمة أسئلة محددة تستوجب منا التمعن فيها لأنها ستساعدنا على فهم رسالة الكتاب:

* ماذا أراد سعاده من كتابة سلسلة "جنون الخلود"؟

* هل كانت الغاية الأولية تأليف كتاب ديني؟

* هل يدخل القسم الثاني من السلسلة في باب مقارنة الأديان؟

* هل خاض سعاده في المعالم الفقهية اللاهوتية الماورائية، أم أن غرضه ظل "تبيان عوامل النفسية المخرّبة"؟

* وأخيراً... هل نجمع مقالات القسم الثاني كعمل فكري ديني، أم كنظرة قومية اجتماعية في الدين؟

قد تختلف الردود بين رفيق وآخر، إلا أن السؤال الأخير لا يحتمل سوى جواب واحد: إن سلسلة "جنون الخلود" بقسميها هي نظرة قومية إلى الدين من حيث فعله في المجتمع السوري.

عندما جمعتْ المؤسسات الحزبية المختصة حلقات "جنون الخلود" ونشرتها في خمسينات القرن الماضي، تم اختيار عنوان "الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية" للقسم الثاني. وهو بالفعل عنوان جذاب يلفت النظر، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يثير إشكالات. وربما كان اختياره يهدف إلى تحقيق اختراق في المتحدات المتدينة، وفي الوقت نفسه كشف تهافت المتعصبين مذهبياً أو دينياً. لكن إذا وضعنا الكتاب بين أيدي قراء لا يعرفون فكر سعاده، ويجهلون تاريخ الحركة القومية الاجتماعية، فماذا يوحي لهم العنوان للوهلة الأولى: بكل بساطة، إنه كتاب ديني يقارن بين رسالتين سماويتين!!

وأعتقد أن هذا ما جال في ذهن الزعيم عندما وجّه رسالة إلى نجيب العسراوي بتاريخ 21 آذار 1942 قال فيها: "قررت طبع سلسلة "جنون الخلود" في كتابين: الواحد أدبي ويتعلق بمنظومات رشيد الخوري كدراسة أدبية، والثاني يختص بموضوع المسيحية والمحمدية أو اليسوعية والمحمدية والعصبية القومية. وقد رأيت أن يحمل الكتاب الأول فقط عنوان "جنون الخلود"، أما الكتاب الثاني فسأجد له عنواناً من موضوعه".(3) إذن لم يكن العنوان قد تبلور بعد في تلك الفترة، لكنه سيكون "من موضوعه". والموضوع هو "المسيحية والمحمدية أو اليسوعية والمحمدية والعصبية القومية". ونجد في هذه العبارة عنصرين هما: الدين (المسيحي والمحمدي) والعصبية القومية. ومن الطبيعي أن يغطي العنوان المقترح العنصرين معاً، لا أن يبرز أحدهما ويلغي الآخر!

إن عنوان "الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية" كان اجتهاداً موفقاً لجهة إثارة الاهتمام، وقد أصبح من الثوابت الإعلامية في تراث الحزب السوري القومي الاجتماعي. غير أنه لا يُسدّد ما كان يرغب به سعاده لجهة تضمينه العنصر الآخر الأكثر أهمية: العصبية القومية. فسلسلة "جنون الخلود" كلها إنما جاءت "سداً لحاجة أوجدها وضعه (يقصد موضوع المسيحية والمحمدية) على بساط البحث ضمن الموضوع القومي وما أثاره من أحقاد وبلبلة".(4) فالمسألة شديدة الوضوح بالنسبة إلى سعاده: القومية أولاً... والقومية دائماً.

لهوامش:

1 ـ "الأعمال الكاملة ـ الجزء الخامس"، صفحة 77.

2 ـ المرجع نفسه، الجزء العاشر. صفحة 60.

3 ـ المرجع السابق، صفحة 253.

4 ـ المرجع السابق.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2021 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه