Warning: Undefined variable $PHP_SELF in /home/clients/61e9389d6d18a99f5bbcfdf35600ad76/web/include/article.php on line 26
SSNP.INFO: مفهوم الحرية في الفلسفة السورية القومية الإجتماعية بقلم الأمين يوسف المسمار
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2026-02-06
 

مفهوم الحرية في الفلسفة السورية القومية الإجتماعية بقلم الأمين يوسف المسمار

الامين لبيب ناصيف

هذه المقالة فصل من دراسة طويلة أعدها المؤلف في كتاب عن مفاهيم الحرية والنظام والقوة والواجب التي هي الدعائم الاساسية لحزب النهضة السورية القومية الإجتماعية قبيل ملاحقته في عهد الطغيان المخابراتي في لبنان الذي صادر محتويات الكتاب ولم يسلم من الدراسة سوى مسودة هذا الفصل .

والجدير بالذكر ان ملخص الدراسة ألقي في اجتماع اللجنة الثقافية للحزب السوري القومي الإجتماعي في بلدة ديك المحدي في منزل الرئيس الأسبق الأمين أسد الأشقر عام 1967.

نذكر من الحضور الرفقاء: هنري حاماتي (الأمين لاحقاً)، غسان الأشقر (الأمين لاحقا)، الدكتور عادل ضاهر، جوزيف بابلو الذي كان يعد دراسة بعنوان: "سعاده والعلوم الإجتماعية باللغة الفرنسية"، جمال فاخوري (الأمين لاحقا)، سيمون الديري، ميشال مرقص الذي كان يهيء ويحضّر لدراسة عن المسألة الفلسطينية.

*

مشكلة الحرية عميقة الجذور في تواريخ ألأمم.

تناولها الفكر الإنساني في جميع عصوره ومراحله، وفي جميع ميادين ونواحي نشاطاته من فلسفية وأدبية وعلمية واقتصادية وسياسية...الخ

لهذا لن ندّعي بأننا أول من طرق باب هذا الموضوع، ولا آخر من سيخوض غماره. فقد تناوله بالدرس والبحث غيرنا كثيرون، فتعددت بذلك مفاهيم الحرية بتعدد الدارسين والباحثين وتمايزت وتنوعت بتمايز وتنوع الجماعات، والبيئات، والأزمنة، ومستويات حضارات الشعوب .

إلا أن الجديد عندنا هو الرؤية الجديدة للإنسان والحرية. فنحن لا نقول بوجود حرية مستقلة بذاتها. لأن الحرية الحقيقية كما نفهمها ليست حرية العدم، بل حرية الوجود .الوجود الإنساني الكامل. الإنسان الذي هو مقياس كل الأشياء، ومتجه كل القيم .

قبل أن نوضح مفهومنا للحرية، علينا أن نوضح مفهومنا للإنسان الذي هو سبب وجودها وغايتها .

وتوضيح مفهومنا للإنسان يتطلب، بالضرورة، إيضاح نظرتنا الى الحياة الإنسانية في نشوئها ونموّها وتطورها وارتقائها. ولما كانت هذه العجالة لا تتسع لبحث اجتماعي وفلسفي يفي الموضوع حقه من جميع جوانبه، فإننا نكتفي بالإشارة والتنويه بأهم النظرات والنظريات التي استند اليها أو التزم بها النوع الإنساني في خطوط وخِطط تفكيره التاريخية التطورية، لنشير بعدها الى نظرتنا الجديدة الى الانسان التي يمكن تسميتها بالنظرة المجتمعية العقلية .

أولاً: النظرة الروحية الغيبية

هي نظرة تقرر انبثاق "الوجود من العدم" ويرى اصحابها ودعاتها الإنسان في كمال وجوده فردا، ويرون ايضا البشر في كل بيئاتهم ومجتمعاتهم عائلة واحدة، ويتركز بنظرهم أساس المثال الأعلى للقيَم الانسانية في الأساس الغيبي الذي جاءت القيَم الإنسانية تعكس بعضا من ارادته، وتتحرك بأوامره تبعا لنواميسه وقوانينه التي يخرقها بمعجزاته ويعطل سيرها حين ومتى يشاء. وهذه النظرة هي أرقى ما توصل اليه الانسان قديما في ثورته على بدائيته ووحشيته على الرغم من كونها نظرة ماورائية افتراضية تكهنية جزئية أدت الى مفهوم فردية القيم وما ورائيتها، بحيث رأت الحرية مثلا حرية فردية .

ورتّبت على الفرد الانساني مسؤولية تجاه قيَم ماورائية مجردة تهيمن على كل تفكيره، وتسيطر عليه سيطرة تامة. وهذه النظرة لا تزال تتحكم بالمجموع الأعظم من البشر في كل مجتمعاتهم .

ثانيا: النظرة المادية التكهنية

هي النظرة التي تقرر انبثاق الوجود من "تطور مادي تلقائي" وقد رأى أصحابها ودعاتها وفلاسفتها الماديون الإنسان في تمام وجوده ايضاً وجوداً فرداً، ورأوا البشر رغم تمايز وتميّز بيئاتهم ومجتمعاتهم مجتمعاً واحداً، واعتقدوا أن المثال الأعلى للقيَم الإنسانية، في مفهومهم، يتركّز في الأساس المادي الديالكتيكي الذي جاءت القيَم الإنسانية تعكس بعضا من جدليته وتتحرك تبعا لناموس حتميته الذي لا يخضع لتغيير الا تغيير القانون الجدلي.

وهذه النظرة كانت رد فعل على النظرة الروحية الغيبية الإفتراضية. فتناقضت معها من حيث النتائج الأخيرة، وانسجمت النظرتان الروحية والمادية من حيث أسلوب المواجهة، وموقفهما من علة الكون. فحل إفتراض "التطور

التلقائي" عند الفلاسفة الماديين محل افتراض "واجب الوجود" عند الفلاسفة الروحيين .

مما أدى الى مادية القيَم بدل ما ورائيتها، وثنائية التناقض في المثال الأعلى المادي بدل الوحدانية الغيبية في المثال الأعلى الروحي .

ثالثا: النظرة المجتمعية العقلية

وهذه النظرة هي عنوان نظرتنا المجتمعية الإنسانية الواقعية التي هي ليست رد فعل على النظرة الروحية، وليست رد فعل على النظرة المادية. وانما هي نظرة عملية واقعية علمية شاملة الى الواقع الإنساني في نشوئه ونموّه، ونشوء المجتمعات وتطورها، ونشوء الأمم وتمدنها وارتقائها، ومعنى القومية ووعيّ مضامينها وفهم واستيعاب القيَم الإنسانية العليا وممارسة الصراع لتحقيقها .

هذه النظرة لا تبدأ مما قبل الإنسان. ولا تهتم بما هو خارجه او بعده بل تهتم بكل ما له علاقة به. ان هذه النظرة تبدأ من وبالإنسان. وتهتم به، وبكل ما من شأنه تحسين حياة الإنسان وتجويدها وتشريفها وتوسيع آفاق تقدمها وترقيتها، وهي تنتهي فيه. وهي ترى أن الإجتماع كما ذكر المعلم أنطون سعاده في مؤلفه العلمي "نشوء الأمم" "حتمي لوجود الإنسان، ضروري لبقائه"، وعلى هذا الأساس فقد قررت هذه النظرة أن الإنسان في كمال وجوده هو انسان مجتمع وليس انسان فرد، وأدركت من البداية أن أساس الارتقاء الإنساني ليس أساس روحي وحسب، ولا هو أساس مادي خالص بل هو أساس مادي روحي- أي مدرحي. أي مادي – روحي، أو روحي – مادي، دون ثنائية .

وهذه النظرة تنطلق من نظرة المعلم أنطون سعاده وتعمل بقوله الشهير:

" ليس المكابرون بالروح بمستغنين عن المادة وفلسفتها، وليس المكابرون بالمادة بمستغنين عن الروح وفلسفته. إن أساس الإرتقاء الإنساني هو أساس مادي روحي، وإن الإنسانية المتفوقة هي التي تدرك هذا الأساس وتشيد صرح مستقبلها عليه" وكما ترى بعين الوضوح واليقين والعلم مجتمعية الإنسان ومدرحيته، لا فرديته المادية ولا فرديته الروحية، فإنها ترى أيضا بعين الواقع والعلم أن الكرة الأرضية الكروية هي واقع بيئات جغرافية متعددة ومتنوعة، وان العالم الإنساني هو واقع مجتمعات قومية متمايزة.

انه واقع أمم. واقع انسانيات ثقافية حضارية متعايشة متعاونة ولا يمكنها ان تعيش وتتطور وهي المعتزلة الواحدة منها عن الأخرى، بل عليها ان تكون على اتصال بعضها ببعض. وهذه النظرة ترى أيضا أن مطلقية القيَم الإنسانية هي في كونها قيَم مجتمعية قومية مدرحية انسانية متنوعة في انسجام، ومتعددة في تناغم، ومتمايزة في تفاهم .

وبناء على ما تقدم فإن مسؤولية الفرد الإنساني النهائية ليست ولا يمكن ان تكون تجاه القيَم الماورائية المجردة، ولا تجاه المثال المادي في الحياة، وإنما هي مسؤولية تجاه المجتمع الذي ينتمي اليه الفرد ولا يستطيع اختياره إلا بقدر ما يختار والديه. فالمجتمع هو مصدر الأفراد وهو بالتالي مصدر القيَم وغايتها، وهو أيضا المدى الصالح والحيوي الذي يفسح المجال لبروز الشخصية الفردية ونموّها ورقيّها واطلاقها الى أبعد مدى .

وعلى هذا الأساس فإننا نجد أن القيَم الفردية أو الفئوية أو المذهبية أو الطبقية لا تستطيع مهما ارتقت أن تصل الى مستوى القيَم الحقيقية الإنسانية، لأنها لا تقدر أن تتعدى في اهتماماتها نطاق الفرد أو الفئة أو المذهب أو الطبقة أو الأقلية أو الأكثرية .

وبما أن المجتمع يحضن الفرد والفئة والمذهب والطبقة والأقلية والأكثرية وكل الشرائح، فإن القيَم القومية الاجتماعية الإنسانية هي قيَم جميع الأفراد والفئات والمذاهب والطبقات والأقليات والأكثريات وكل الشرائح الاجتماعية.

وحيث ان المجتمع القومي هو عنصر أساسي في مُرَكب العالم الذي نسميه الانسانية المترابطة فيما بين أممه بواسطة

ثقافاتها وعلاقاتها وآدابها وابداعاتها، فإن القيَم الاجتماعية القومية هي قيَم انسانية عامة لجميع بني البشر. وكلما ارتقى الفكر في أمة، وارتقت مفاهيمها، وتوسعت آفاق نظرها، وابعاد مُثُلها العليا، فإن وسائل تفاهمها مع غيرها من الأمم تصبح أرقى، وقيَمها تصبح أكثر انسانية وأكثر قبولا وتبنيا .

وبناء على كل ما ورد ذكره، فإن مسؤولية كل فرد إنساني هي أن يكون مواطناً صالحاً منتجاً في المجتمع وليس في الفئة، ولا في المذهب ولا في الطبقة ولا في الطائفة ولا في أي شكل آخر من أشكال التجمعات البشرية المنغلقة أو المنفلشة.

وحين يتحول أبناء المجتمع الى مواطنين صالحين منتجين مبدعين، فإن مجتمعهم يُصبح، بلا شك، عضواً سليماُ فاعلاً في حركة إغناء التجدد والإرتقاء الإنسانيين، وتكوين عالم انساني جديد بقيَم انسانية أرقى وأسمى .

على ضوء هذا المفهوم الجديد للوجود الإنساني يتضح أن الوجود الكامل السليم الصحيح ليس وجوداً فردياً بل إجتماعياً، وليس وجوداً مادياً منفصلاً عن الروح، ولا وجوداً روحياً مجرداً من المادة، بل هو وجود مادي روحي واحد دون ثنائية. وجود مدرحي انساني إذا تجزأ فقد انسانيته وتلاشى.

ولأن واقع الكوكب الذي نعيش عليه ليس بيئة واحدة، بل واقع بيئات متنوعة، مما يجعل العالم الإنساني واقع مجتمعات متمايزة. واقع أمم. فإن الوجود المجتمعي الأتم الكامل هو وجود الأمة التي لا تعني جيلاً واحداً في حقبة من الزمن، ولا تعني عدة أجيال في عدة حقب زمنية، بل تعني وحدة حياة الجماعة الانسانية وحركتها المستمرة على بقعة أو بيئة معينة من الأرض تفاعلت معها وتتفاعل وسوف يستمر هذا التفاعل منذ كانت الحياة الانسانية الى ما سوف تكون .

استناداً الى هذه النظرة التي تقول بالانسان المجتمع، والتي ترى أن الأفراد هم امكانيات وفعاليات اجتماعية فان المثال

الأعلى للقيَم الانسانية يتركز على الاساس المجتمعي الإنساني حيث يكون المجتمع هو مصدر كل القيَم ومآلها. وحيث يكون ارتقاؤه المستمر الشرط الأساسي على أهليته وجدارته في الإبتكار والإبداع والخلق، وحيث يدل على مبلغ السموّ في رسالته الحضارية الى الشعوب الأخرى، ويشير الى جدية مشاركته في الصراع الانساني من أجل تحقيق:

" حياةٍ أجود، في عالمٍ أجمل، وقيمٍ أعلى ".

فبدلا من فردية القيَم وما ورائيتها كما تقرر في النظرة الروحية الغيبية، وبدلا من فردية القيَم وماديتها وخضوعها لبعض القوانين الحتمية التي توصل الى اكتشافها أو تقريرها العقل الانساني في زمن معيّن، ومكان معيّن، ومستوى ثقافي معيّن، فإن القيَم تصبح في المفهوم الجديد قيَما اجتماعية إنسانية تبدأ من وبالمجتمع وترتقي وتسمو بقدر ما في المجتمع من طاقة على الارتقاء والسموّ .

وتصبح مسؤولية الأفراد ليست تجاه قيَم ماورائية مجردة، ولا تجاه قيَم مادية خانقة، بل تجاه قضية عُظمى تساوي كل

وجودهم. ويتوقف على انتصارها أو انهيارها انتصار الأمة أو انهيارها. وانتصار العالم وغناه الانساني أو انهيار العالم وشيوع همجيته .

هذه هي بعض ملامح النظرة الجديدة التي تكشفت لنا بأحد أبرز عباقرة أمتنا المعلم أنطون سعاده الذي دفع دمه ثمنا لتكريس هذا الوعي وانتصاره في جميع أبناء أمتنا، ليتنبهوا الى حقيقة وجودهم، وليعملوا من أجل تحقيق انتصار حقيقتهم فتستعيد الأمة قدرتها على الحياة والإبداع، وتحتل مكانها اللائق بها تحت الشمس .

وعلى ضوء هذه النظرة الإجتماعية العلمية العقلية التي لا تبدأ مما قبل الإنسان، ولا تهتم بما بعده، سنحاول تفسير المفهوم الجديد للحرية. مفهوم الحرية المجتمعية الإنسانية في رسالة الأمة السورية الى العالم .

مفهوم الحرية المجتمعية

وبما أن الوجود المجتمعي الإنساني هو وجود حركة، فإن الحرية هي حرية الصراع والتقدم. صراع العقائد في سبيل تحقيق مجتمع أفضل. انها قاعدة من قواعد نهضة كل مجتمع، وهي الى جانب كونها قاعدة هي ايضا وسيلة من وسائل تقدمه وازدهاره .من الطبيعي أن القاعدة لا تكون فاعلة أو تكتسب فاعليتها إلا من حيث هي جزء في كل مُرَكب. لها مكانها ولها دورها ولها وظيفتها .

ولهذا فإن الحرية لا تكون بالضعف بل تكون مع القوة. ولا تكون بالفوضى بل تكون مع النظام. ولا تكون بالتخاذل بل تكون مع الشعور بالمسؤولية والقيام بالواجب. ونحن لا نستطيع أن نتصور مجتمعاً حراً راقياً يرضى بالجهل ويعيش بالتخلّف، ويسير بالرذائل دون الفضائل. يتبيّن من كل ما تقدم ان للحرية في مفهومها الجديد مناخاً خاصاً لا تنشأ بدونه ولا تنمو وتستمر بغير توفره. وهذا المناخ لا يقوم بدون مقومات أصلية جلية ومتينة .

وبما أن الحرية هي ميزة الإنسان العاقل وهي من أرقى مزايا الإنسان المجتمع، فإن مقومات نشوء مناخها هي مقومات إجتماعية إنسانية نهضوية، ومن العبث أن نبحث عن الأحرار خارج نهضة المجتمع، سواء كان ذلك في مناخ الإستسلام لقوى "الما وراء" أو في مناخ الإستسلام للقوانين" الوضعية الإفتراضية" التي وضعها الإنسان أو قررها في تعاقب أجياله. وكذلك لا تفيد في شيء كل محاولات التوفيق والتسويات التي تجري لتقريب وجهات النظر المتناقضة في النتائج والمنسجمة في المواقف من مسألة علة الكون وأسلوب المواجهة .

إن الحرية هي من أهم الوسائل وأفعل الأسباب التي يستطيع الإنسان بواسطتها غزو العوالم التي ما تزال قدرته الإنسانية غير كافية وغير مهيأة لإكتشاف خبايا وأسرار تلك العوالم.

والتي تسفه، في حال اكتشافها، الكثير من المفاهيم "الماورائية" والتعليلات التكهنية، والحرية في الوقت نفسه هي من أقوى الأسلحة الفعّالة في اكتشاف نواميس كونية وحياتية أعم، وقوانين طبيعية أشمل تساعد الإنسان على التخلّص من عبودية النظريات الحتمية والأحكام المسبقة. لأن الحقيقة البديهية التي يجب أن تبقى ماثلة أمامنا هي: "أننا كلما صعدنا قمة تراءت لنا قمم أعلى ويجب علينا أن نصعدها". وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن كل قول نهائي فاصل في تعليل نشوء الكون أو تفسير نهايته، هو قول باطل مهما ارتقى أسلوب منطقه، ومهما بدت تعليلات حدوثه واقعية للعقول الفردية الجزئية.

فالعقول الفردية تحتاج دائما وباستمرار الى مزيد من التعقل والتبصر، ومزيد من النموّ والنضج وسموّ الإدراك. والحقيقة في نظري هي كما قال المعلم سعاده:" انه لا يُوجد في العالم شيء يُسمى حقيقة ابتدائية. فكل شيء متعلق بما سبقه الى ما لا نستطيع ادراكه. "

واستنادا الى هذا الفهم الإجتماعي للإنسان، فنحن نقرر أن القيَم الإنسانية هي قيَم اجتماعية .ولأن المجتمعات هي كائنات طبيعية حيّة نامية، فإن القيَم الحقيقية هي القيَم الحياتية التي تنمو وترتقي بنموّ المجتمعات وارتقائها. وتضعف وتتخلف وتزول بضعف وتخلف وزوال المجتمعات. ولذلك فإن أفضل تحديد للحرية هي أن تبقى بدون تحديد .

واذا كان لا بد من تعريف الحرية لتقريبها من الأفهام، فإن الحرية تكمن في طاقة المجتمع على النموّ الدائم، وقدرته على الخلق المتسامي، وتكمن أيضا في جدارته على ممارسة سلبيته في مواجهة الكون الماثل أمامنا، وقدرته على تعديل وتصحيح وتصويب كل المفاهيم التي ظهرت حتى الآن من جراء تقصير العقول الفردية الجزئية، التي كان قصورها بالذات ويبقى، طريقا مسدودة ونهاية خانقة تقضي على كل أمل للإنسانية بالنهوض والتقدم .

من هنا كانت أهمية توفر مناخ النهضة الذي هو: "خروج من البلبلة الى التعيين"، على حد تعبير المعلم سعاده. ومن هنا كانت أهمية ولادة الإنسان الجديد الجيّد الناهض. وتوفر مناخ النهوض أو النهضة، وولادة الإنسان الجديد الجيّد هما أمران أو شرطان مهمان أساسيان ولا يمكن أن يحصلا إلا بتوفر المقومات الأساسية التالية:

المقوم الأول: الوعيّ الإنساني

إن الوعي الإنساني السليم هو شرط أساسي وجوهري لقيام ونشوء الحرية، لأن "المجتمع معرفة والمعرفة قوة". والقوة هي حركة ديناميكية حيّة نامية. والمعرفة التي نقصد هي المعرفة الإنسانية بكل أبعادها، وبكل مستوياتها ومقاييسها المنبثقة من يقظة المجتمع، وتنبهه لوجوده ومعنى وجوده. وحياته ومصالحه في الحياة. ومصيره وكيفية تحسين وتجويد وترقية هذا المصير.

إن الحرية هي وليدة تنبُّه الإنسان الخارج من الظلمة الى النور. ومن الشك الى اليقين. ومن الجهل الى العلم.

فالجاهلون المتخلفون لا يمارسون إلا جهلهم وتخلفهم وانحطاطهم. إنهم عبيد جهلهم وتخبطهم وبلبلاتهم وعقدهم وأمراضهم التي لا تسمح لهم بأن يكونوا أحرارا . وعلى عكسهم يكون الواعون العارفون العاقلون أحراراً بوعيّهم ومعرفتهم وتبصرهم وصراعيتهم، حيث يؤكد تنبُههم، وتؤكد ممارستهم لوعيهم وبطولتهم على إصالتهم وعلى صفاء حريتهم وسموّهم في حريتهم.

إن الحرية الإنسانية لا تُحَد لأنها لا تكون إلا بالمعرفة المتطورة النامية بغير حدود. كتطور المجتمع ونموّه وتساميه الذي ليس له حدود. أما العبودية فوحدها هي المحدودة بالغفوة والغباء والجهل والتخلف والإنحطاط.

المقوم الثاني: المناقب الإجتماعية

إن المناقب الإجتماعية هي الشرط الثاني من شروط توفر مناخ الحرية التي يستحيل أن تكون وتقوم مع الرذائل والمساوئ والمفاسد .

إن الحرية منقبة. والحرية التي لا تكون منقبة وغير المقترنة بالمناقب الإجتماعية الإنسانية لا تكفي أبداً لكي يكون المجتمع حراً. ولذلك لا بد من توفر عقلية مناقبية أخلاقية فاعلة يمارسها الإنسان وعياً، وتحقيقاً واستمرار ممارسة، فيعبّر بذلك عن حريته الصحيحة السليمة محبةً وعدلاً، وحقاً وخيراً، وجمالاً، ونظاماً، وقوةً، ومسؤوليةً، وعطاءً، وتضحيةً، فترتفع الحرية الى مستوى قيَمي ومناقبي جديد وتصبح بالإضافة الى كونها قاعدة من قواعد النهضة القومية الإجتماعية، فضيلة من فضائل هذه النهضة.

إن الذين يمارسون الفضائل باستمرار، ويعملون ويعطون ويصارعون ويضحون من أجل تقدم الأمة ورقيها وفي سبيل تحقيق المُثُل العليا العظيمة لأمتهم هم وحدهم الأحياء الأحرار بوعيهم ومناقبهم وأخلاقهم وصراعهم وتضحياتهم. أما الذين يعيشون بالرذائل المتأتية من جهلهم وتخلفهم وتخاذلهم وخيانتهم فليسوا من الأحرار في شيء، ولا يستحقون أن يكونوا أحرارا.

المقوم الثالث: التقدم الإجتماعي الإنساني

إن التقدم الإجتماعي الإنساني، فضلا عن كونه ميزة من مزايا نموّ الإنسان المجتمع، ونموّ وعيه، وسموّ مناقبه، فإنه أيضاً شرط ثالث من شروط مناخ وجود، ونموّ، وسموّ الحرية. لأن المعرفة الفاضلة التي لا تنمو، ولا تتطور، ولا تتقدم وترتقي، فإنها تتحجّر وتنغلق وتتقولب، وتُحَجِّر، وتُعَطِّل، وتخنق العقل الإنساني بمفاهيمها الجامدة، وقوالبها القاتلة، وتتحول الى درك رديء من دركات العبودية .

إن قدرة العقل الإنساني المجتمعي لا تُحَد. والعقل هو وحده الذي يضع القواعد، ويقرر المفاهيم، ويكتشف النواميس، ويُذلل كل عاصي. فإذا قُولِبَ العقل بالقوانين، وحُوصِر بالنظريات والتنظير فقد بَطُلَ أن يكون عقلاً لقد "جد العقلُ، ليعرف، ليدرك، ليتبصر، ليميّز، ليعيّن الأهداف، وليفعل في الوجود ."على حد تعبير المعلم أنطون سعاده .

وبالعقل ليس للحرية حدود. لأن العقل يسمو ويتسامى بغير حدود. فحريتنا، تقاس مثلا، بقدر ما نحن نتقدم وسباقين ومتفوقين في مضمار الحضارة وليس بنسبة ما نحن متخلفين ومتأخرين وخاملين .وحريتنا يجب أن تقاس بالنسبة لما حققته أرقى المجتمعات الحضارية التي تجاوزناها في مفهومنا المجتمعي الجديد للحرية وليس بالنسبة للمجتمعات المتخلفة الغبية. إن الوعيّ، والمناقب، والتقدم، هي مقومات أساسية وشروط مهمّة ضرورية لا يمكن أن يتوفر مناخ الحرية المجتمعية الإنسانية بدونها. وهي وعي المجتمع حقيقة وجوده، ومصالح حياته، وتعيين أهدافه ومُثُله، وممارسة الفضائل والمناقب القومية الإجتماعية لتوليد عقلية أخلاقية جديدة جيدة، وصراع بالوعي والمناقب لتحقيق أسمى المُثُل وأبعد المرامي التي تليق بأصحاب النفوس الحرة الجميلة العظيمة .

هذا المفهوم الجديد للحرية قادر أن يستوعب جميع المفاهيم الجزئية للحرية في العالم لأنه يقول بحرية المجتمع كل المجتمع وكل مجتمع، وليس بحرية فرد فقط، ولا بحرية فئة، أو طائفة أو طبقة .

إن المجتمع هو حر بقدر ما فيه من وعيّ ومعرفة، وبقدر ما يمارس من المناقب والفضائل، وبقدر ما يحقق من التقدم والإرتقاء. ولذلك فإن المجتمع الحر هو وحده الذي يتمتع فيه أبناؤه كل أبنائه بالحرية. فهم أحرار لأنهم من مجتمع وفي مجتمع حر. أما الذين يقولون بحرية سياسية أو اقتصادية أو دينية أو جزئية وعلى أساس فردي، فإن مفاهيمهم تبقى قاصرة عن مفهوم الحرية المجتمعي السليم الشامل كل هذه الشؤون .

إننا نقبل مفاهيمهم من حيث هي مفاهيم جزئية، وليس من حيث هي مفاهيم شاملة. فالحرية التي تقول بها الرأسمالية الفردية مثلا، والتي تبيح للفرد في المجتمع أن يعتقد بما يريد، ويقول ما يريد، ويعمل ما يريد، ليست حرية حقيقية شاملة. فما هي قيمة إعتقاد أو قول أو عمل الفرد الجاهل السيء المتخلف في ظل الأنظمة الجائرة الفاسدة المستبدة المستغلة نشاط وجهود ونتاج الملايين لمصلحة فئة ظالمة جشعة خائنة متآمرة على مجتمعها ؟!

إننا نقول أولا بتحرير الفرد من عقد المخاوف والأوهام والخرافات والمفاسد والحاجات المادية الجزئية او الحاجات الروحية الفردية الانعزالية وأمراض الأنانية والفئوية والمذهبية والكيانية الضيقة. ونعمل لإيجاد النظام النهضوي الجديد، وتوفير المناخ الصحيح الملائم، ليصبح لإعتقاد الفرد وقوله وعمله وممارسته قيمة الحرية بتربيته على القيم الانسانية العليا والوعيّ، وتدريبه على حياة المناقب، وتشجيعه على الصراع والتقدم والارتقاء .

مفاهيم جزئية

أما الحرية الإقتصادية التي قالت ونادت بها الفلسفات والمذاهب المادية، والتي لاقت استحسانا عند الكثيرين من الناس ليست أكثر من دليل على وجود الخلل والأخطاء في المفهوم الرأسمالي الفردي للحرية .

وبدلا من أن تكون الأقلية العددية متحكمة بحياة المجتمع، ومسخّرة كل جهوده لمنافعها بتسلطها على مصالح حياته،

وتسخيره لخدمة أغراضها الخصوصية في النظام الرأسمالي الفردي، فقد شددت الماركسية وحرضت على ثورة طبقة

الأكثرية المسحوقة المحكومة على الطبقة الحاكمة والعمل من أجل إذلالها والسيطرة عليها وإنشاء "دكتاتورية البروليتاريا" مكانها مجزئة بذلك المجتمع، ومدمرة وحدته باقتتال داخلي ومعطلة وعيه، ومحطمة مناقبه وروحيته، وقاضية على كل امل بالتقدم والرقي .

إن المفهوم الماركسي بدلا من التركيز على وحدة المجتمع شدّد على تفتيته بحجة توحيده، وأثار الضغائن والحقد في نفوس أبنائه فانشلت حركته الإنتاجية، وتعطل فعل طاقاته التي يجب أن توجّه كلها لتحسين أوضاع المنتجين بتحسين حياة المجتمع وترقيته بتمام وجوده .

وهو أيضا بدلا من الرؤية العلمية الواقعية للعالم الإنساني كواقع مجتمعات متمايزة بحضاراتها ومواهبها وقدراتها فإنه تجاوز هذا الواقع وأثار بين الشعوب حروبا على غرار حروب الدول الرأسمالية الإستعمارية أدت الى استعباد كثير من الشعوب المتخلفة بدل مساعدتها على النهوض والتقدم. فصارت العلاقة بين الشعوب علاقة تابع ومتبوع بدل أن تكون علاقة التعاون والإخاء الإنسانيين التي هي في أساس الحضارة العالمية والتقدم الإنساني ويجب أن تكون .

إننا نجد في الحقيقة أنه كما قصّر المفهوم الرأسمالي الفردي الإستعماري التسلطي فكذلك قصر أيضا المفهوم المضاد .

وتطورات المجتمعات وحركات الشعوب كانت أقوى من أن تسير بحسب نظرات ونظريات وضعها مدعو الفلسفة والعلم جهلا، وتقبّلها الكثيرون من أبنائنا غباء. إن النظريات والقوانين والمبادئ والدساتير والأنظمة هي لمساعدة الشعوب على تحسين حياتها، وترقية مصيرها .

وجميع النظرات والنظريات الروحية أو المادية أو التوفيقية كانت وتبقى وسوف تستمر على مشرحة تطور الشعوب نهضاتها وثوراتها. وحتى الأديان نفسها هي خاضعة لحالة النموّ والتطور والتغيير .وتكفي نظرة بسيطة الى التاريخ لنجد كيف ترومنت المسيحية في روما، وتسكسنت في انكلترا. وكيف تتركت المحمدية في تركيا، وتعجمت أو تفرسنت في إيران. وكيف تروسنت الماركسية في روسيا، وتصينت في الصين، وتكوبنت في كوبا. وكيف تفرنست النظريات الأخرى من هيغلية وشخصانية في فرنسا، وتأمركت في أميركانيا .وتدرج تأقلمها صعودا أو هبوطا في الشعوب النامية التي ما تزال تعاني من إستغلال الدول القوية الإستعمارية إن كل المزايدات اللفظية الكلامية والدعايات المغرضة لا يمكنها أن تقوم مكان الحقائق والوقائع والأرقام .

فالفرد مثلا في ظل الأنظمة الرأسمالية الفردية الإستعمارية هو حرٌ في الظاهر في أن يعمل أو لا يعمل ولكنه في الحقيقة والواقع والمحسوس هو مُجبَرٌ لكي يعيش أن يعمل تحت أقسى الشروط التي يفرضها عليه أرباب العمل وأصحاب الشركات وجميع المهيمنين على أرزاق العباد .

ولذلك فإن حريته هي حرية العبودية والذل وليست حرية الكرامة والعز .

والفرد، أيضاً، في الأنظمة الماركسية الإشتراكية حرٌ في ممارسة الدعاية والتبشير والدعوة الى اعتناق عقيدة مادية والعمل على تقوية وتعزيز سلطة الدولة التي تشكل في حد ذاتها شركة كبرى يديرها ويسيطر عليها حفنة من الذين برعوا في تزوير الحقائق وتضليل الناس واستخدامهم كرها أو طوعا من أجل مآرب خاصة جزئية وفئوية متذرعين بفلسفة مادية ومصورينها للناس على انها عقيدة العقائد، ونظرية النظريات التي لا نظرية قبلها ولانظرية بعدها.

وهي في الحقيقة نظرية دعاية خادعة لا تخدم سوى المسيطرين والمهيمنين على مركز القرار والتقرير في الحزب أو الأحزاب التي تسيطر على مقدرات الدولة والأمة.

وكذلك حال المواطن الفرد في ظل الأنظمة العسكرية التوتاليتارية الذي تأمنت له لقمة العيش في خدمة الحكومة المستبدة، وتأمن له العمل في حقولها ومصانعها ومزارعها ومكاتب شركاتها، فأصبح غير قادر مهما وجد النظام ظالما ومجحفا وسيئا أن يقول رأيه بصراحة أو يحتج أو يرفض أو يبرز مواهبه في غير الخط المرسوم له. وليس له إلا الوظيفة المقررة لنشاطه من قبل المستبدين والمسيطرين على مرافق الدولة في حكومتها الجائرة .

إن حرية الفرد في هذه الأنظمة هي حرية التبويق والتصفيق للأسياد الذين يستخدمون الناس عبيدا لقاء لقمة عيشهم جبرين على أعمال لا يقبلها حق ولا تقربها عدالة، وليست حرية الأحرار الأعزاء الذين لا يقبلون بغير عيشة الشرفاء وحياة الكرام. الحرية المجتمعية هي حرية الصراع والتقدم إننا نقول بالإنسان المجتمع الذي هو مصدر الفرد، ونطاق بروز وتحقق شخصية الفرد، والضامن لإستمرار وجود وخلود الفرد .

ففي المجتمع أصل الفرد ومصدره. وفي المجتمع بروز شخصية الفرد وتحقق كيانه. وفي المجتمع بقاء الفرد وخلوده .

والفرد الحر هو ابن المجتمع الحر. ودرجة حرية الفرد ترتقي وترتفع سويتها بنسبة ما يتوحدن بقضية مجتمعه، وبقدر ما يعمل الفرد من اجل عزة مجتمعه ورقيه. وليس بنسبة ما ينعزل ويغترب عن قضية مجتمعه. لأن في الإنعزال تنكر للوعي والمناقب يؤدي الى التقزم والتصنم والإنهيار .

والحرية لا تكون أبداً تقزماً وتصنماً وانهياراً بل هي دائما انفتاح لا نهاية له، وحركة لا تتوقف عن الفعل، ونموٌ من طبيعته الإستمرار .

من طبيعة الإنسان النموّ. والنمو هو نموّ الوعي والفكر. والحرية هي مظهر نموّ الفكر الذي يوجّه الإرادة، فتسمو الإرادة بحرية الفكر وتزيده وضوحا وقوة وفاعلية، فيزداد تألقا ويزداد المجتمع تقدما وحرية. ويصبح الإنسان مؤهلا لتحقيق :

" الحياة الأجود في عالم أجمل وقيَم أعلى ."

حيث يصبح لقاء الأمم الحرة الناهضة سبيلا الى الإرتقاء الإنساني الصحيح وبلوغ عالم موحد" إذا كشفت مخبآت الأبد أنه سيكون ممكنا احداث ذلك العالم". كما قال بذلك المعلم سعاده.

إننا ننطلق في فهمنا من وحدة حياة المجتمع وليس من تجزئته الى فتات. ونرى في كمال وجود أمتنا وتمامه وجودنا الكامل الفاعل كأفراد، فنرفض كل ما من شأنه تجزئتنا وتفسيخنا أرضا وشعبا وحضارة .

نحن وحدة حياة. لا قيمة للأرض بدون شعبنا وحضارته. ولا وجود للشعب والحضارة بدون أرضنا. ولا معنى للأرض

والحضارة بدون شعبنا .

ولأننا وحدة حياة على هذا المستوى، فإن كل فرد من أفرادنا ينمو ويجب أن ينمو، ومن حقه أن ينمو، ولا معني لوجوده

وشخصيته بغير نمو. وعلى كل حكومة في دولته أن تسهر وتحافظ وتعمل على نمو وتقدم وارتقاء كل فرد دون تمييز، ودون تحفظ، ودون تبرير. كما عليها أن تحافظ على كل شبر من أرض الوطن لتبقى سلامة الأمة مصانة .

وينبغي على الحكومات أيضا أن توفر للشعب كل أسباب ووسائل تنمية الحضارة وتوسيع آفاقها الى جانب موارد عيشه

بكرامة .

بهذه الأمور المتقدمة تكون الأمة حرة ويكون أبناؤها أحراراً ولا معنى للحرية إلا بالقدرة على العمل والإبداع وتحمّل المسؤولية وممارسة فعل الصراع سحقا للباطل وانتصارا للحق .

إلا أن النمو الذي أشرنا اليه لا يكون أبدا ولا يستقيم بغير انتاج. والإنتاج بدوره متنوع يشمل العلم والفكر، والصناعة

والزراعة، والفن والإبداع، والتضحية والصراع. ولهذا كان مبدأ الإنتاج في مفهومنا القومي الاجتماعي أنه :

" يجب على كل مواطن أن يكون منتجا بطريقة ما." ليصح أن يكون مبدأ الحق في المجتمع الحر هو أن :

" لكل مواطن نصيبه العادل من الإنتاج العام".

في المجتمع كما توضح مبادئ الفلسفة السورية القومية الإجتماعية .ومبدأ الإنتاج لا يتفق ولا يتوافق أبدا مع هدر طاقات المجتمع وفعالياته. والمجتمع لا يتقدم ويرتقي باستنفاد واستهلاك كل جهود المواطنين وارهاقهم، بل يتقدم المجتمع بتهيئة مناخ الإنتاج الفكري العلمي الصناعي الزراعي الفني الإبداعي البطولي وتنظيمه ورعايته وتأمينه لما فيه مصلحة الأمة

وسلامة الدولة الجديرة والمؤهلة لخدمة مصالح الأمة وأهدافها بحيث تتأمن مصلحة كل مواطن وسلامته في الحياة الجيّدة

المتنامية العزيزة الحرة.

وحيث يعمل المواطن ليس خدمة خصوصية لبعض أفراد، ولا لشركات، ولا لمرافق حكومية، ولا لأغراض جزئية ولا حتى لإنتاج بذاته مهما كان هذا الإنتاج، بل انه يعمل في سبيل تحقيق الحياة الجيّدة المُثلى لأمته المتحدة حياته بحياتها والتي لا جودة لحياته إلا بجودة حياتها. فيضحي في سبيل انتصار مقاصدها العليا، وغاياتها الشريفة، وقضيتها العُظمى التي تنطوي على أجمل مقاصده، وأشرف غاياته، وتعبّر عن استقلال فكره وصحة إرادته وسلامة حريته .

إن الأفكار الجيّدة تتحقق في المجتمع خلال مسيرته ونضاله ولا يجوز أبدا أن تطبق على المجتمع أية فكرة أو نظرية أو أمر كما لو أنه مادة من مواد الإختبار في المختبرات .

ولهذا بالضبط كانت ضرورة توليد عقيدة الوعيّ القومي الإجتماعي في كل أبناء المجتمع، وإيقاظ وجدانهم المجتمعي العام، وتنبيههم الى قضية وجودهم وحياتهم ومصيرهم. وكانت بالتالي أهمية توفير المناخ الصحيح الملائم لتأمين سلامة نموّهم في توليد نظام جديد تتحقق بواسطته مبادئ عقيدة الحرية الجامعة لمختلف العقائد وغاياتها التي هي مزيد من تحقيق الحق والخير والجمال، واستمرار ارتقاء الحق والخير والجمال باستمرار ارتقاء الأمة الحرة المتحررة بالمعرفة الفاضلة من كل مثالب الجهالات .

إن المواطن الفرد كما تبين في الأنظمة المشار اليها هو حر في أن يكون عبدا للفكرة والنظرية والحزب وحكومة الدولة والمتسلطين على مقدراتها ومرافقها ووزاراتها، لكنه أبدا ليس بحر ان يمتنع عن تنفيذ أوامرها مهما كانت خاطئة وجائرة ومهلكة. من الأمور البديهية أن يضحي المواطن الفرد بنفسه من أجل حياة مجتمعه لأن في حياة المجتمع وسعادته تكمن حياة الفرد وسعادة الفرد. أما التضحية في سبيل فكرة أو نظرية أو مبدأ لا يعبّر عن روحية نهوض الأمة، أو حكومة او رئيس بشكل لا يخدم مصالح الأمة وأهدافها في الحياة، وممارسة الإستقلال الروحي، والمصير العزيز فإنها تضحية خرقاء تصغر أمامها كل الأضاليل والأخطاء والجرائم .

إن التضحية ليست من أجل التضحية، بل يجب أن تكون التضحية من أجل قضية عُظمى تساوي وجود الأفراد في بقاء مجتمعهم ونموّه وتقدمه ورقيه. فوجود الفرد ما كان بالإنفصال عن المجتمع. وبقاء الفرد يستحيل أن يتم خارج حركة المجتمع. ولا حرية للفرد إلا اذا كان مجتمعه حراً. والمجتمع الحر لا يمكن ان يكون حراً إلا إذا كان جميع ابنائه أحراراً، واستمرت أجياله تمارس الحرية وعياً ومناقباً، ونمواً وانتاجاً، وصراعاً ورقياً. بهذا المفهوم للحرية يصبح أي اعتداء على أي فرد من أفراد المجتمع أو أي شبر من أرض الوطن هو اعتداء على الشعب كله، واعتداء على الحرية ذاتها، وتهديدا لوحدة الوطن وسلامته. ويصبح في المقابل أيضا أي تساهل بحقوق أي مواطن أو أي تنازل عن شبر واحد من أرض الوطن هو تساهل بحقوق الشعب كله وتنازل عن أرض الوطن كلها، كما أن أي ويل أو كارثة أو نكبة تنزل بأي فرد من أبناء الأمة ولا ترد الأمة كما ينبغي أن ترد وتحمي أبناءها، فإنها تعرض شخصيتها للإنهيار وسيادتها للضياع وحريتها للسقوط .

وكل أمة تنهار شخصيتها، وتفقد سيادتها على نفسها ووطنها ولا تحمي نفسها بحماية أبنائها تسقط لأنها غير جديرة بالحياة، وغير مؤهلة للتنعم بالحرية .

ومن المحال المحال أن يعيش أبناء المجتمع الحر في ظل التخلف والجهل والمثالب والإنحطاط والذل. الحرية هي الأحرار في مجتمع حر.

إن الحرية هي الأحرار. وإن الأحرار هم الأمة الحرة. والأمة الحرة هي الأمة الواعية مسؤوليتها، والقوية بوعيها، والنظامية بحريتها، والحرة بنظاميتها، والعادلة بحقها، والمحقة بعدالتها، والخيّرة بجمال نفسيتها، والجميلة بخيِّر انتاجها وابداعها.

الأمة الحرة هي التي تعرف حقوقها وحقوق غيرها من الأمم وتحترم هذه الحقوق وتناضل من اجل الحفاظ عليها. فلا تتنازل عن حقها في الحياة والتقدم والارتقاء لغيرها، ولا تعتدي على حقوق غيرها .

انها الأمة التي تعرف واجباتها ومسؤولياتها وتمارس مسؤولياتها وتقوم بواجباتها بحرية عصية على القهر .

الأمة الحرة تدرك وحدة حياتها ومصالحها واغراضها ومقاصدها ومثلها العليا وتجاهد في سبيل تحقيقها بكل ما تستلزمه الحرية من وعي وعزم وارادة وجهاد .

الأمة الحرة هي التي تعمل من أجل اكتشاف أعداء الإنسان والحرية لتطاردهم وتحاربهم وتنتصر عليهم .انها تحمل رسالة الهُدى والحياة والحرية الى جميع الأمم والشعوب، واضعة حدا لأطماع الجماعات الهمجية المتوحشة، مساهمة في انشاء المدنية الإنسانية وبنائها وترقيتها، مبدعة ومبتكرة أروع وأجمل ما تؤهلها نفسيتها العظيمة على ابتكاره وابداعه من خِطَط التفوق الإنساني .

لن نستطيع أن نكون أحرارا، ولن نستطيع أن ننعم بالحرية وفي شعبنا مواطن فرد واحد جائع أو جاهل أو مُهان، ومن أرضنا شبر واحد مُغتَصَب .

ولن نستطيع أن نكون أحرارا أيضا وأمتنا ليس لها دور في صناعة أو المساهمة في صناعة وكتابة تاريخ مدنية الإنسان

على هذا الكوكب لسبر أغوار هذا الكون الماثل أمامنا واكتشاف ما يمكن اكتشافه من أسرار الوجود ومخبآت الآفاق .

فالحرية تعني الحياة الجيدة لكل مواطن، وتعني أيضا سيادة الأمة الكاملة على نفسها وعلى وطنها. وتعني الخروج من الظلمة الى النور، وتعني نهوض الأمم وتعاونها فيما بينها لخلق الإنسان البشري الإنساني.

الإنسان النوع

النوعي الذي شاءته العناية الخالقة متميزا وسيّدا وممثلا لها على الأرض .

الحرية تعني تحقيق وتحقق ارادة الحياة العزيزة الحرة، ولا معنى للحرية غير ذلك .






 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه