شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2007-01-31
 

سواء فهمونا أم أساؤوا فهمنا

فوزي نجد

مر الشعب السوري في مآس هائلة منذ فجر التاريخ حتى اليوم مرورا بالحكم العثماني الذي دام خمسة قرون وتقلص بعد الحرب العالمية الآولى إلى كيليكيا والاسكندرون، تلاه حكم الحلفاء – البريطاني الفرنسي - وما تبعه من تقسيمات الوطن وفق معاهدة سايكس - بيكو البريطانية الفرنسية السرية وما تبع ذلك من مرحلة الاستقلالات الكيانية الصورية وتقسيم كل كيان من الكيانات الخمس إلى دويلات ضمن الدولة الواحدة تتخاصم وتتقاتل حسب ما يملى عليها من الخارج حيث يصوّر الاغراب أهدافا وهمية لكل فئة أو دويلة ضمن الدولة تتنافى مع غايات وأهداف الفئات الأخرى. ويبدأ الصراع سياسيا في البدء على قضايا شخصية في معظمها ويتطور إلى الصراع الدموي العنيف، ليس لمصلحة الوطن أو الكيان، بل لمصلحة الدويلات والكانتونات الطائفية ضمن الدولة الواحدة. وهذا ما سهل قيام إسرائيل على أرض فلسطين دون مانع أو رادع لأن الأمة السورية مقسمة تقسيما نفسيا وجغرافيا وسياسيا وضاعت عن جميع سكان الكيانات الخمس حقيقة الواقع القومي لهذه المنطقة الفريدة من العالم.

إذا ألقينا نظرة سريعة على كيانات الأمة السورية وأحوالها الداخلية لوجدنا الصراع العنيف في كل منها مدعوما من الخارج أو مناهضا له. وقد يكون الخارج من طبيعته مقسوما إلى مناطق نفوذ دولية تتسابق للسيطرة على فئة أو فئات تحافظ على مصالح كل منها دون مصالح الدولة- الكيان.

نرى في فلسطين اليوم عدة فصائل فلسطينية تتمثل في فئتين رئيسيتين – فتح وحماس، لكل منهما أهداف مغايرة لبعضها البعض. فتح بقيادة محمود عباس اعترفت بإسرائيل كدولة شرعية بين دول المنطقة وتريد تطبيع الفصائل الفلسطينية الأخرى للاعتراف بإسرائيل وإقامة معاهدة سلام وعلاقات طبيعية معها. ونرى في المقابل بعض الفصائل الفلسطينية التي ترفض الكيان الصهيوني اليهودي على أرض فلسطين، ممثلة بحماس وعلى رأسها رئيس الوزراء هنية، ترفض الاعتراف بإسرائيل رفضا قاطعا رغم محاربة الدول الأجنبية من أوروبية وأمريكية وعربية بقطع المساعدات عن حكومة هنية لإرغامها على الاعتراف بإسرائيل حسب المخطط الصهيوني الأمريكي. وقد أفرجت إسرائيل عن مئات ملايين الدولارات من الأموال الفلسطينية لصالح الرئيس محمود عباس وكذلك فعلت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية لدعم موقفه ضد حكومة حماس مما يزيد الشرخ بينهما. وتتأزم السياسة بين مؤيدي فتح ومؤيدي حماس وتصل إلى تبادل النار وسقوط قتلى على الجانبين.

ونرى في العراق مقاومة عراقية ترفض الاحتلال الأمريكي البريطاني وترفض وضع مقاليد الحكم في أيدي حكومة أكثرية شيعية. وتستمر القوات الأمريكية بإبادة الشعب العراقي وبإذكاء نار الحرب الطائفية بين الشيعة والسنة وقد اختلقت مؤخرا قضية "تسلل الإيرانين إلى العراق لقتل الأمريكيين" ولذلك أمر الرئيس بوش قواته بقتل الإيرانيين القادمين إلى العراق. وتستمر المذابح في بغداد وفي مناطق أخرى بين العراقيين أنفسهم وبين قوات الحكومة تدعمها القوات الأمريكية وبين المقاومة الشرسة، وكأن هذه الدولة العظمى (امريكا) اضطلعت بمسؤولية الحد من تكاثر عدد البشر على كوكب الأرض.

وفي لبنان اليوم نرى حكومة الترويكا المثلثة الرؤوس قد انقسمت على نفسها وقسمت الشعب إلى قسمين رئيسيين، قسم موال للحكومة وقسم معارض لها وموال لدمشق، يحوي كل منهما مجموعة من بعض زعماء الطوائف المسيحية والإسلامية في كلا الجانبين. وبينما يحتل فريق المعارضة الساحات في بيروت ويقطع الطرق العامة بما فيها طريق المطار الدولي، يقوم رئيس الوزراء على رأس وفد من أركان الحكومة اللبنانية بتمثيل لبنان في المؤتمر الذي عرف بمؤتمر باريس 3 حيث تجتمع الدول الكبرى لجمع المال لمساعدة لبنان على إعادة إعمار ما دمرته حرب تموز في السنة الماضية. ويظهر للعيان الفارق الكبير بين ممارسة الفريقين ويتأزم الموقف إلى حد المواجهة المسلحة وسقوط قتلى.

وتتدخل السعودية ومصر والسودان والجامعة العربية لحل المشكلة اللبنانية وقد باءت كل الجهود بالفشل لحد الآن. لأن المعارضة التي يدعمها رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب اللذان عطلا الدستور ، تطالب بحكومة وطنية بمعنى أن يكون للمعارضة ثلث عدد الوزراء زائد واحد ليحصلوا على حق الفيتو ويتسنى لهم إسقاط الحكومة باستقالة ثلث أعضائها زائد واحد، متى كان ذلك لازما. وفي هذه الظروف المأساوية تنضم دمشق إلى المعارضة اللبنانية وتطالب بتشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل الفئات السياسية اللبنانية.

هذا هو الظاهر للعيان، صراع سياسي داخلي بسيط. لكن الحقيقية هي أبعد من ذلك لأن الصراع السياسي في لبنان هو صراع بين أمريكا الداعمة لدمشق وبين الاتحاد الأوروبي بزعامة فرنسا التي تريد فعلا مساعدة لبنان ليبقى حرا مستقلا. ولكن دمشق لها مصالح حيوية في لبنان تريد المحافظة عليها من خلال "حكومة وطنية" تستطيع أن تقول لا ونعم. ومن الواضح أن دمشق لم تحاول حل الخلافات بين الإخوة لأنها طرف في النزاع على السلطة.

ولذلك يصعب على الحكومة التنازل للمعارضة الموالية لدمشق عن حقها في أخذ القرار تحت الضغط والإكراه ، كما يصعب على المعارضة التنازل عن مطالبتها بحق الفيتو. وتقف الأمور عند هذا الحد من التصعيد السياسي مما بدد آمال الشعب في لبنان ودفعه إلى الهجرة كما فشلت كل مساعي السعودية ومصر والسودان والجامعة العربية بإيجاد الحل الذي يقبل به الفريقان.

وحدها نجحت إسرائيل بخلق هذه المآزق الثلاثة المتشابهة في فلسطين والعراق ولبنان ليبقى الشعب السوري كله مقسوما على بعضه البعض عاجزا عن مواجهة المخطط الصهيوني الهادف إلى السيطرة على الوطن السوري من قناة السويس إلى الفرات ويمكن أن يكون إلى دجلة أيضا. ولا نجد حلا لهذه القضايا المصيرية إلا في عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي حيث تتوحد الكلمة ويزول الشقاق الطائفي الكياني. وتعلم إسرائيل هذه الحقيقة القومية وترهب تعاظم انتشارها وانتصارها في كل أرجاء الوطن السوري، ولذلك كانت وما زالت تعمل بكل الوسائل التي تستطيع الوصول إليها لتصور الحزب القومي بأنه عدو الكيانات كلها وتشجع شعبها على مواجهة هذا الحزب الوحيد الذي يعمل على توحيد هذه الكيانات لتصبح دولة قومية واحدة تستطيع وحدها القضاء على الكيان الصهيوني وعلى كل أصابع الاستعمار الظاهرة والخفية أيضا. فلا يأخذننا العجب إذا هاجم طائفيون إنعزاليون مراكز الحزب القومي الفرعية ومركز الروشة الأساسي أيضا. هذه هي الصورة الواضحة أمام عيوننا ولن يتراجع القوميون الاجتماعيون عنها مهما كانت التضحيات هائلة.

أسواء فهمونا أم أساؤوا فهمنا فإننا نعمل للحياة الحرة الكريمة ولن نتخلى عنها.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2021 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه