شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 1937-12-18
 

الرد على البطريرك عريضة:‏ مسائل السيَاسة القومية جزء6

أنطون سعادة

الاجتماع

يتقدم بنا غبطة البطريرك من باب الحقوق المدنية والسياسية إلى باب الاجتماع فيطرقه بعنوان ‏‏"البقاء". ‏

في هذا الباب يبين لنا غبطته الاجتماع على الدين فيقول: "الزواج هو ترتيب إلهي غايته إيجاد الفة ‏بشرية وحفظ النسل البشري".‏

ثم يورد غبطته هذه العبارة المطلقة: "والإحصاء يثبت لنا أن بين الذكور والإناث نسبة تكاد تكون ‏متساوية، لأن الذكور هم أكثر من الإناث بنحو العشر.‏

فيتلخص من ذلك أن الذكر من الإنسان لا يكون له إلا امرأة واحدة والأنثى لا يكون لها إلا ذكر ‏واحد" بصرف النظر عن زيادة العشر من الذكور.‏

في المطلقات والعموميات يصبح الكلام سهلاً جداً ويهون إيجاد الحلول الكلامية وتنعكس الآية متى ‏بدأ المرء ينزل من جو المطلقات إلى أرض الحقيقة الواقعة.‏

فإذا سلمنا بأن الثابت من الإحصاء هو ما ذكره غبطته وصرفنا النظر عن الإحصاءات الموضوعة ‏لكل بلاد على حدة في مختلف الظروف وأخذنا مائة وعشرة رجال لمائة امرأة وتزوج مائة رجل ‏المائة من النساء فكيف تنحل معضلة العشرة من الرجال الذين لا نساء لهم؟

ومع أن مسألة الزواج لم تعد في عصرنا هذا مسألة مجرد ذكورة وأنوثة، بل مسألة معقدة تدخل فيها ‏عوامل نفسية واقتصادية واجتماعية عديدة، فإننا نريد جدلاً أن نقتصر على الوجهة العددية من ‏الموضوع، فالإحصاءات بعد الحرب تسجل اختلالاً كبيراً في الموازنات العددية بين الذكور ‏والإناث فلا يكون لكل رجل امرأة ولا يكون لكل امرأة رجل فيختل الترتيب الإلهي وتضطرب ‏الالفة البشرية.‏

وما كان أغنى غبطته عن الدخول في باب الإحصاءات لتشجيع الزواج ومقاومة البغاء.‏

فلو اقتصر على بيان مضار البغاء الأخلاقية والنفسية، فضلاً عن المضار الجسدية والمادية، مع ‏بيان فضائل الزواج والعائلة لوفى الموضوع حقه في هذا الباب ولم يفتح قضية الأحوال الشخصية ‏من أساسها ومعضلة الاجتماع الكبرى التي تواجهها في بلادنا وعندنا من أسبابها الشيء الكثير ‏المستمد من تقاليدنا الاجتماعية وجمودنا السياسي والاجتماعي وظروفنا الاقتصادية وما ينطوي ‏تحت ذلك من أسباب فرعية كالمهاجرة وتقييد الحريات الاجتماعية وتقاليد الزواج من صدقة، ومهر ‏وما إلى ذلك.‏

إننا نرى رأي غبطته في فساد البغاء ولكننا لا نرى العلاج الذي يصفه كافياً لاستئصال الفساد. ‏فالتطهر من البغاء لا يتم "بالمنع" بل بإعادة النظر في الشيء الكثير من أحوالنا الاجتماعية وتعديل ‏شؤوننا الاجتماعية والاقتصادية وإيجاد التربية الصحيحة، خصوصاً التربية القومية التي تغرس ‏الفضائل في النفوس وتهيئ الأسباب الكافية لرفع المجتمع إلى مستوى أفضل من مستواه الحالي من ‏الوجهة الاجتماعية والمناقبية. وهذا من جملة الشؤون الهامة التي تعنى بمعالجتها الثقافة القومية. ‏التي جاء بها الحزب السوري القومي الاجتماعي.‏

التربية القومية

يقول غبطة البطريرك بوجوب العناية بالتربية التي يجعلها موضوعه الثامن بعنوان: "التربية ‏الوطنية" وفي هذا الباب يبتدئ غبطته بقاعدة مطلقة كقوله: "إن الطفل يخلق خالي المعرفة من كل ‏شيء" ويأخذ عن مار أفرام السوري شكره لله على ولادته في بيت أهله مسيحيون ليخرج مسيحياً، ‏ليدل على مبلغ تأثير التربية ونتائجها. وقول غبطته أن من تربى في وسط مسيحي ينشأ ويبقى ‏مسيحياً ومن تربى في وسط إسلامي ينشأ ويبقى مسلماً يوافق قول الشاعر السوري الخالد المعري ‏القائل: ‏

وينشأ ناشيء الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه ‏

وطفل الفارسي له ولاه *** بأفعال التمجس دربوه ‏

وغبطته يريد أن تبقى التربية القومية مقسمة بين الأديان المتعددة ويقول أنه لا يجوز للحكومة أن ‏تؤسس أو تشجع تأسيس مدارس لا دينية، أي علمانية. وأنه يجب على الحكومة أن توكل لرجال ‏الدين التعليم المدني أيضاً. فنخرج من نصائح غبطته بتربية دينية، مذهبية، طائفية، لا قومية تزيد ‏مصائب الميعان القومي النازلة بنا فلا نكون أمة واحدة مطلقاً ويظل مصيرنا مربوطاً باستفادة ‏الأجنبي من انقساماتنا الدينية.‏

ثم ينتقل غبطته في الجانب نفسه إلى معالجة مسألة التعليم من وجهة دينية بحت فيسمح لنفسه أن ‏‏"يضحك من اعتراض بعضهم على المنح المدرسية ويختم باب "التربية الوطنية" بهذه الصورة ‏الدينية الرائعة: "فالمسيحيون يحوزون على المنح المدرسية إذا كانوا ينصفونهم في غيرها ولا ‏يرومون إلا عدلاً في توزيع المنافع العامة. وإذا سكتوا وغيرهم ضج فسكوتهم لا يعد رضا واكتفاء ‏بمالهم وضجيج الغير لا يعبر عن حقوق مبخوسة، بل عن زيادة في الطمع وعن قحة لا تعرف ‏الخجل". ‏

الختام

يختم غبطة البطريرك خطابه بتلخيص المطالب التي عرض لها في خطابه وما يعده واجبات ‏الحكومة التي يقتصر على ما ذكره منها ويهمل "واجبات أخرى" لا لسبب جوهري في مثل هذا ‏الموقف، بل "حذرا من ملل السامعين" ثم يبدي خشية من ذهاب نصائح غبطته في سبيل النصائح ‏السابقة ورجاؤه أن تكون نصائحه هذه المرة ذات فاعلية لدى أرباب الأمر "إذا كانوا يريدون ‏نجاحهم المستمر وخير الشعب".‏

يا صاحب الغبطة! ‏

ترون من تشريحنا خطابكم مبلغ الفرق العظيم بين معالجة الشؤون الروحية، التي انحطت كثيراً هذه ‏الأيام من إهمال رجال الدين العمل ضمن نطاق اختصاصهم واهتمامهم بأمور الدولة، ومعالجة ‏الشؤون الزمنية التي تتطلب اختصاص غير اختصاص رجال الدين.‏

وقد رأينا، يا صاحب الغبطة أنكم دافعتم عن أحزاب ولدت عند رتاج المقام البطريركي مستعدة ‏لتكون دائماً صنيعة المشيئة الدينية في أمور الدولة، فهي لا تترك فرصة تمر إلا وأظهرت تمسكها ‏بمقامكم. إننا نترك لغبطتكم تقدير مبلغ الرجاء بهذه الأحزاب.‏

بين الحياة والموت. ومصير الأمة والوطن معلق على نتيجة هذه الحرب الداخلية العنيفة. فإذا جاءت ‏تشنجات العراك السياسي الاقتصادي الانترناسيوني والأمة لا تزال تحت سيطرة المؤسسات العتيقة ‏والعوامل الشخصية والاجتماعية ‏المتضاربة فمصيرها إلى الاستعمار وذلّ لم تر لهما مثيلاً. أما إذا جاءت هذه التشنجات الكبيرة وقد ‏انتصرت نهضة الحزب السوري القومي الاجتماعي، حلت مؤسساتها القومية محل المؤسسات ‏الرجعية. فإن توحيد قوات الأمة وقواها يسمح لها بانتهاز الفرصة وتثبيت سيادتها وحقوقها.‏‎

تمت


نشر هذا البحث التحليلي في جريدة "النهضة" الصادرة في بيروت، وذلك ابتداء من العدد 58 تاريخ 18 كانون الأول سنة ‏‏1937‏



 

جميع الحقوق محفوظة © 2024 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه