شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2007-10-23
 

الخطاب السياسي في لبنان

نبيل المقدم

للخطاب السياسي في المجتمعات الحية دورا محوريا في احداث حالة نهضوية تنقلها من وضع التخلف السياسي والنفسي والثقافي، التي تسبح في اعماقها وتدفعها صعودا معبئة قدراتها بمخزون هائل من الارتقاء الانساني الحضاري المتفاعل مع دورة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمنطلقة دائما من الجذورالحضارية لهذه المجتمعات . ان أكبر تحد يواجه الخطاب السياسي في مجتمعنا هو ان كيف يستطيع هذا الخطاب اكتساب بعدا تغييريا يواجه من خلاله الخطاب السياسي التقليدي ويكسر حلقات الجمود التي تقيد انتقاله الى الحداثة والشفافية في التعاطي مع الوقائع والمستجدات التي تعبر في فضاء المجتمعات الحية مخلفة ورائها تاثيرات جدية على أمنه الاجتماعي والسياسي.

لا يمكن ان يكون هناك خطاب سياسي يسلك تجاه هذا المنحى، ان لم ينطلق هذا الخطاب من مبدأ وحدة المجتمع والذي لامهادنة بأي شكل من الاشكال مع العوائق التي تقف في وجه ترابط أواصره على كافة المستويات، المتتبع للخطاب السياسي لفريق الرابع عشر من آذار في لبنان يلاحظ اول ما يلاحظ في هذا الخطاب هو هذا الاضطراب الفكري والسياسي الذي يلف جنباته ويعكس عدم القدرة على تفسير التحولات في السياسة الدولية والاقليمية، وإستسلامه لمبدأ الحتمية في انتصار النظام الرأسمالي الليبرالي المعروف بالنظام العالمي الجديد، معتبرا ان نهاية التاريخ هي في جنة هذا النظام دون اي اعتبار لقيمة الانسان في مجتمعه والذي يحرك هو مسار هذا التاريخ على اساس تفاعلي مادي وروحي.

يتجاهل هذا الخطاب الاهمية الفاصلة والمحورية للواقع القومي وهو يذهب الى حدود محاولة طمسها كليا بدل التأسيس عليها، لكي تقوم معادلة جديدة ونظام جديد قوامه الصراع داخل المجتمع ضد الاقطاع والطائفية والنظام الاجتماعي السيء وغيرها من معوقات النهوض. اذ ان اهم ما يلمسه المتتبع لهذا الخطاب انه بالرغم من كل اوراق الهدايا الذي يحاول ان يغلف نفسه بها وبالرغم من كل حديثه عن اجواء نقية خالية من ملوثات الفئوية والطائفية وعن رفضه لكل اشكال الهيمنة والفئوية، فان هذا الخطاب لا يزال يراوح ضمن دوائر فكرية مغلقة ويعجز عن سبك لغة منفتحة تخرج من دائرة المراوحة في معتقدات قديمة شكلت في مرحلة معينة عقيدة الحرب لدى اطراف لبنانية معينة.

كما يفتقر هذا الخطاب الى مستندات علمية وفكرية تجعل منه سنداً واقعياً لتثبيت خطاب نقدي فاحص ومسؤول يسترشد بالاسباب الحقيقية التي كانت اساس انطلاق الازمة اللبنانية المستفحلة منذ سنتين ونيف، والتي انعكست نتائج وخيمة على كافة المجالات الحياتية للمواطن اللبناني، ومع الوقت تحول هذا الخطاب الى بؤرة تنبعث منها كل مظاهر العبث السياسي والتي تؤشرالى تداعيات فتنة كبرى قائمة على مبدأ الخوف من الآخر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ماهي التحولات التي يبتغيها هذا الخطاب من كل هذا الغلو في التهويل وفي التزييف الصريح لكل الوقائع التاريخية والسياسية التي كونت مرحلة من مراحل النضال الوطني؟ والتي تميزت باتسع مروحة التفاعل بين مختلف الاطر النضالية من سياسية وفكرية وعسكرية وانتهى الى جملة من المكتسبات الايجابية للبنان؟ والتي استنهضت قيماً هيمنت عليها مظاهر الغيبوبة لفترة طويلة من الزمن، وذلك بالرغم من كل العومل السلبية التي حاولت اخضاع تلك المرحلة لمجموعة من التأثيرات المشبوهة التي هدفت الى الاخلال بتوازنها وافنأ فكرتها الاساسية.

وليس جديدا القول ان هذا الخطاب يخرج عن كونه مجرد صدام بالرأي بين فئتين سياسيتين متعارضتين في مكان وزمان معين ليشكل عنوانا لمرحلة جديدة سمتها الانتقال الى نوع من انواع التبعية في السلوك الفكري والسياسي. يريدنا هذا الخطاب ان نسلم بأشياء معينة دون اي دليل مادي او عقلي او حتى من دون السعي في طلب هذا الدليل، فقط المطلوب ان نسلم بمنطق هذا الخطاب وشرعيته، وذلك سببه خوف اصحاب الخطاب من ان تقودنا عملية وصل الأمور ببعضها البعض الى الاطلالة على شرفات بعض العناوين والرؤى التي لها أثر عميق في المناخ العام الحالي المشحون بالعصبيات المذهبية والتي سنصل معها نهاية الأمر، اذا ما استمرت الى أن تصبح كل طائفة ساعية بنفسها الى تحقيق أمورها السياسية الخاصة. وبذلك ينكفىء مفهوم المجتمع الواحد الذي يشترك جميع أبنائه في تحمل مسؤولياته. ويقوم مجتمع الدويلات المرتكز على لعبة المصالح الضيقة والحسابات السياسية الصغيرة.

كما يفتقر هذا الخطاب ايضا الى أدنى الشروط التي يجب أن تتوفر في الخطاب السياسي السليم ألا وهي الديموقراطية، اذا هذا الخطاب يحمل في طياته سعياً حثيثاً لتحقيق مبدأ غلبة فريق على آخر كونه يتعامل مع الرأي الآخر تعامله مع معتدي يفتقد الى كل مقومات الصلاح والموسوم بسمة الإنحراف عن واجب الدعوة للقيم الوطنية والقومية. وكونه أيضاً منذ مرحلة تكوينه حتى بلوغه هذا المستوى الذي هو عليه اليوم لم يبرهن القيمون عليه انهم حاولوا تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

لقد تحول هذا الخطاب مع الوقت الى نوع من الحراك بلا وعي كونه خرج وبطواعية كاملة عن آفاقه وواقعه وقطع على نفسه فرصة ما يجب هو أن يقرره لنفسه وترك لقوى خارجية أن تفكر مكانه وتقرر عنه، أي ان هذا الخطاب ذهب بعيداً في قطع الصلة بتراثه ممهدا الطريق لولادة حالة انفصالية قد تظهر في اي لحظة وتكون انعكاسا لخطوط والوان ثبت بالبرهان القاطع انها تأتي ضمن اطار لوحة معينة عنوانها هدر كرامة لبنان وهضم حقوقه المشروعة.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2021 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه