شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2008-05-09
 

منير خوري: عندما يتوقف العقل يبدأ الايمان، عن كتابه «حدود المجتمع»

نبيل المقدم

كتاب حدود المجتمع هو مقاربة سوسيولوجية في تحليل بعض المفاهيم الاجتماعية. ميزة هذا الكتاب بكونه محاولة لوضع حد للبلبلة التي تسود أذهان مثقفينا بخصوص بعض المفاهيم التي يتعاملون معها من دون الوقوف عندها للتأمل في طبيعتها وتبيان الحدود التي تفصل بينها وبين مفاهيم أخرى ومن بين هذه المفاهيم التي أخضعها المؤلف للدراسة والتمحيص مفهوما الايمان والمعرفة ومفهوما الحضارة والمدنية ومفهوما الاجتماعية والمجتمعية ومفهوما المعاييرالمجتمعية المكتوبة وغير المكتوبة ومفهوم القيم بشكل عام ومفهوم الانسان­ المجتمع ومفهوم الحزب العقيدي, ومنير خوري هنا في تناوله لأي من هذه المفاهيم لم يقصر تحليله على البعد السوسيولوجي بل تجاوز ذلك الى البعد الفلسفي مما أعطى لمقاربته لهذه المفهومات بعداً نقدياً. يقول الدكتور عادل ضاهر الذي قدم لهذا الكتاب «ان منير خوري يدعو القارئ في كتابه هذا الى اعادة النظر بما هو مسلم به في هذه المفاهيم وهو يحرضه بشكل مضمر على طلب المزيد من التعمق في فهمها, ويستنفر فيه شتى الأسئلة حول ما ينطوي عليه الفهم الصحيح لها». فيما يرى الباحث والناقد سليمان بختي «إن منير خوري لا يتوقف عند المفاهيم الاجتماعية لأجل تحليلها وتحديدها وتمييزها واستجلاء معانيها بل يتجاوز ذلك باتجاه رؤية فكرية تقوم على خصوصية الواقع الحضاري وعلى النقد وعلى الالتزام». من الأمور الأساسية أيضاً التي يثيرها الدكتور خوري في كتابه هذا مسألة فك الارتباط بين حق المقاومة من جهة والإرهاب من جهة أخرى ومسألة صراع الحضارات. وفي هذا المجال يقول الكاتب ان الحضارات لا تتصارع ولا تتصادم بل الذين يتصارعون ويدعون الى الحوار يسيئون عن جهل او سوء نية الى معنى الحضارة. ويتحدث الدكتور خوري عن المفهوم الايماني بين اليقينية والرمزية فيقول ان الايمان يبدأ فقط عندما يتوقف العقل العلمي عند حدود طاقته الحسية­العلمية أما الثقة اليقينية فعكس المفهوم الايماني فهي تنتهي عند الحدود التي ينطلق منها الايمان الحقيقي وان الصراع هو بين اتزان العقلانية من جهة وجموح الفضولية من جهة أخرى, ومن هنا تبدأ المعركة الايمانية اي بين ايمان يقيني من جهة وبين ما يسميه الكاتب ايماناً رمزياً من جهة أخرى. وفي مفهوم الأحزاب العقيدية بين المشكلة ووعيها يقول الكاتب ان العنصرين الضروريين لنشوء الحزب او الجمعية هما وجود المشكلة ووجود الوعي لهذه المشكلة. وانطلاقاً من ذلك نستطيع ا! لتأكيد بأن الأحزاب والجمعيات هي دوماً نتيجة حتمية لكل المجتمعات البشرية خصوصا المجتمعات الحضارية المتقدمة والمتطلعة دائماً نحو الأكمل والأفضل وإن هذه الأحزاب والجمعيات تفقد مبرر وجودها في حالتين فقط لا ثالثة لهما في المجتمعات الطوباوية حيث يبلغ الانسان درجة الكمال ويدرك عندها حقوقه وواجباته. أما في الحالة الثانية فهي عكس الحالة الأولى تماماً اي عندما ينعدم الوعي الاجتماعي عند الانسان ويكون من البدائية بحيث ينحدر الى مستوى العجماوات وهذه الحالة أيضاً ليست واقعية,بل لأن المجتمعات البشرية ارتفعت فوق هذا المستوى البدائي منذ زمن طويل.

كتاب حدود المجتمع يأتي الينا حاملاً اضافته المعرفية ووظيفته التجديدية النابعة من المعاناة الذاتية والموضوعية والهادفة الى توظيف التجربة الحقيقية.

مع مؤلف الكتاب منير خوري كان لنا هذا الحوار.

€ في كتابك هذا تدعو القارئ الى اعادة النظر في الكثير من المفاهيم المسلم بها وتحرضه على طلب المزيد من التعمق في فهمها؟

­ في خضم الأزمة الخطيرة التي يمر بها العالم اليوم, وعالمنا العربي والاسلامي بشكل خاص حيث اختلطت أمور الدين بأمور الدنيا, وتشابكت المفاهيم العلمية مع المصالح السياسية والشؤون العلمانية مع الشؤون الايمانية, وفي وقت طغى فيه القوي على الضعيف يجد المرء ان لا سبيل أمامه سوى التمسك بناصية العقل لإعادة تعريف الأشياء وترتيب الأولويات وتحديد المفاهيم. وعن طريق العقل يمكننا وقف الخلط والتشويش, ووضع حد للبلبلة, وللفوضى المبررة تحت عنوان الفوضى البناءة وفك الارتباط بين ما هو معقول وغير معقول.

€ تتحدث عن المفهوم الايماني بين اليقينية والرمزية ماذا تعني بذلك؟

­ ان الايمان يبدأ فقط عندما يتوقف العقل العلمي عند حدود طاقته, أعني طاقته الحسية والعلمية. أما الثقة اليقينية فعكس المفهوم الايماني, فهي تنتهي عند الحدود التي ينطلق منه الايمان الحقيقي. والعقل هذا على الرغم من تمسكه بهذه العلمية والذي يرفض الخروج من هذا المبدأ من جهة, يرفض العقل من جهة أخرى وبحكم طغيان الروح الفضولية فيه, ان يلجأ الى القفزة الايمانية التي لا علاقة لها بجوهر عقلانية العقل, بمعنى آخر ان الصراع هو بين اتزان العقلانية من جهة وجموح الفضولية من جهة أخرى, من هنا تبدأ المعركة الايمانية, أي بين ايمان يقيني وبين ما أسميه أنا ايماناً رمزياً, عقل فضولي يرفض الوقوف عند حدود طاقته العلمية هذه فيقفز فوق ذاته ويلجأ ا! لى الايمان مرغماً لأن هذا الايمان يبقى الملجأ الأخير الذي يريح الانسان ويطمئنه.

€ مبدأ صراع الحضارات هل هو المسؤول الاول والأخير عن الافتراق الحاسم والفاصل بين المجتمعات البشرية؟

­ المشكلة الأساسية ليست في صراع الحضارات ولا في الحوار حولها لأن الحضارات بالمفهوم العلمي والسوسيولوجي تتعايش وتتجاور ولا تتصارع ولا تتصادم, بل الذين يتصارعون ويدعون الى الحوار يسيئون عن جهل أو سوء نية الى معنى الحضارة وهذا ما أوصلنا الى ما نراه اليوم من فوضى فكرية والى حوار طرشان. الحضارة هي حصيلة تفاعل مجتمعي مع الأرض عبر الزمن انها رأسمال هذا الانسان الأوحد والمسؤولة عن تقدم الانسانية وارتقائها, وكلما تضخم هذا الرأسمال ازدادت وتيرة التقدم وتضاعفت. الحضارة هي تعبير عن الشخصية المجتمعية التي تتميز ولا تمتازعن غيرها من الجماعات الأخرى.

€ تتحدث عن النزعة الفردية بوصفها ظاهرة مرضية تحيط بالمجتمع اللبناني حتى الاختناق فيما يراها العديد من المثقفين قيمة انسانية كبرى وخصوصا لبنانية مميزة؟

­ الحقيقة التي خفيت على هولاء المثقفين هي أن السلبيات الكامنة في طيات هذه النزعة اضعاف ما تحمله من ايجابيات, فعندما تتعرض النزعة الفردية للانتقاد تقوم قيامة المعترضين بحجة أن الحرية والفردية صنوان. فالحرية عندهم مطلقة وكذلك الفردية بسبب ارتباطها بالحرية ارتباطاً عضوياً. ولكن كلا التوأمين يمارسهما الانسان الفرد على حساب الانسان المجتمعي بحيث مثلاً يثرى الفرد ويفقر المجتمع او يتمرد الفرد ويستعبد المجتمع. هذه هي الحلقة المفرغة التي أوقعنا فيها تكريسنا للحرية الفردية كما تمارس في لبنان وعدد كبير من بلدان العالم. الحقيقة الصارخة التي لا مناص من مواجهتها, ان لا الانسان في لبنان ولا في أي مكان آخر كائن حر مجرد بالمطلق على الرغم من اعترافنا انه محور الحياة وغايتها. لا يعيش ولا يحيا من فراغ انه دوماً في بيئة مجتمعية معينة وهو ابن مجتمعه ومدين لهذا المجتمع في بناء شخصيته وممارسته لهذه الشخصية. اليوم وبعد صراع طويل بين هذين المحورين أصبح هناك شبه اجماع من قبل العديد من علماء الاجتماع على ان الانسان والمجتمع يشكلان وحدة عضوية لا تتجزأ, انهما وجهان لقطعة نقود واحدة سمها الانسان­المجتمع.

€ في كتابك هذا تثور ثائرتك على الأساليب التربوية المتبعة اليوم في المدراس والجامعات, هل برأيك كاستاذ جامعي مارس التدريس لحوالى نصف قرن تقريباً ان التعليم عندنا! تحول من قيمة حضارية الى سلعة تجارية؟

­ مشكلة التربية في لبنان أننا مومسناها كما مومسنا الجنس والسياسة والدين والعائلة وغيرها من المؤسسات المجتمعية والعلاقات الانسانية التي تشكل مجتمعنا. ان التربية هي السلسلة الفقرية لكل مجتمع حضاري متماسك ومتطور. لقد انزلناها من مراتبها السامية شبه المقدسة لنتعاطى معها بالعقلية المركنتيلية كما نتعاطى مع السلع التجارية الرخيصة. التربية اصبحت عندنا في مأزق وذلك بسبب ازدواجية نظرتنا اليها كقيمة حضارية من جهة وكسلعة تجارية من جهة أخرى. وفي تأرجحها بين هذين النقيضين تتيه أجيالنا ويغرق شبابنا في خضم التناقضات التي أوصلتنا الى شفير الانفصام في شخصيتنا الحضارية. وهذا اخطر ما يصيب المجتمعات حيث تتجسد التناقضات المجتمعية في شخصية الافراد, فتنفصم تالياً شخصيتها وتزدوج ممارساتها طبقا لازدواجية ذواتها.

€ تعدد الأحزاب في لبنان هل هو ظاهرة مرضية ام تعبير موضوعي عن واقع المجتمع؟

­ تتعدد وتتنوع الاحزاب والجمعيات في العالم بتعدد مبررات وجودها, وهي تأتي نتيجة لتحسس أو وعي مجموعة من الناس بوجود مشكلة معينة, وهذا يعني تحديداً ان العنصرين الضروريين لنشوء الحزب هما وجود المشكلة ووجود الوعي لهذه المشكلة. أما عدد الأحزاب والجمعيات ونوعياتها واتجاهاتها فيتوقف على نوعية وضخامة المشكلة من جهة ودرجة الوعي عند الجماعة المعنية بهذه المشكلة من جهة أخرى. لذلك أشدد على أهمية تنظيم العمل الحزبي في لبنان وبصورة خاصة الاحزاب العقيدية لأن ذلك من شأنه أن يسهم الى حد بعيد في اخصاب الحياة السياسية وإغنائها بالفكر السياسي العلمي الموضوعي البعيد عن البهلوانيات السياسية الرخيصة, ان انحطاط المستوى السياسي في لبنان يعود بأغلبيته الى حرمان الاحزاب العقيدية من ممارسة حقوقها في هذا الميدان, مما ترك الابواب مشرعة امام حرية التجارة السياسية التي لم تأخذ بحرية العمل السياسي, ولم تكترث لأهمية الصراع العقيدي حتى وصل القطار اللبناني او كاد يصل نحو الهاوية.

€ تقول في كتابك ان الطاقة النفطية في عالمنا العربي وان كانت تنبع من أراضينا فهي ليست ملكاً لنا, اذاً من يملك هذه الطاقة البترولية وهل هي نقمة علينا ام نعمة؟

­ هذا هو السؤال الكبير الذي يواجهه العالم العربي والعالم الثالث بصورة عامة, خاصة بعد غزو العراق من قبل الولايات المتحدة. انه السؤال الذي يضع العالم العربي على منعطف تاريخي خطير لأن بروز الطاقة البتر! ولية فجأة وبهذه الضخامة في عالم عربي يعاني ما يعاني من مشاكل, يضع العالم العربي على المحك في مواجهة تحدٍّ كبير جداً, فهل يستطيع العالم العربي الاستجابة لهذه التحديات بهدوء واتزان وبتخطيط شامل بعيد المدى؟ من جهة أخرى ان الطاقة البترولية في عالمنا العربي هي ليست ملكا لنا. قد يستغرب الكثيرون هذا القول ويستهجنونه, لذلك استدرك قائلاً ان هذه الطاقة لم تصبح بعد ملكاً لنا لأن الملكية التي اعنيها ليست الملكية القانونية بل ملكية حضارية لانها هي الملكية الحقيقية الدائمة والثابتة, الطاقة البترولية في عالمنا العربي ليست نتاجاً حضارياً ولا تمت الى حضارتنا بصلة, ولا هي حصيلة تفاعل بين الانسان العربي وبيئته الطبيعية وكون الطاقة البترولية في العالم العربي من دون هوية, تبقى هذه الطاقة والى ان نثبت قدرتنا على تحضيرها حيادية بكل ما لهذه الكلمة من معنى, وهنا يكمن خطرها فهي لعدم ارتباطها بأي معنى من معاني الارتباط الحضاري تصبح مشاعا للعالم, ومؤهلة للتفلت منا بسرعة, انها سلاح فعال بيد كل من يحسن استعمالها ولن يتوانى دقيقة واحدة عن حرق الأرض الأم التي خرجت منها من دون رادع او وازع اذا اقتضت مصلحته ذلك تماما كما فعلت الولايات المتحدة بغزوها للعراق.




 

جميع الحقوق محفوظة © 2021 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه