إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

شعري يربط الماضي بالمستقبل عبر إبراز قيم الاسطورة د. الرفيق جورج يونان

حاورته ناموس عمدة شؤون عبر الحدود الرفيقة داليدا المولى.

نسخة للطباعة 2010-06-25

الرفيق الدكتور جورج يونان: اعمل خدمة لقوميتي والمعرفة تقربنا من الله

هي النفس التواقة أبداً الى التميّز والابداع التي يختزنها آلاف السوريين القوميين الاجتماعيين الذين قصدوا بلدان العالم اجمع وحققوا طموحاتهم، بإرادتهم مرة ومجبرين اغلب المرات. لهم دائماً قدوة يسعون إليها، وفي جعبتهم انسانهم الجديد يحثهم على بذل المزيد من الجهد والعطاء.

من هنا انطلق الدكتور، الشاعر والرفيق جورج يونان، من الصراع والاعتقال ورسالة الطب الى احد اشهر الاطباء في نيو جرسي – الولايات المتحدة الاميركية – حافظاً في كل خطوة خطاها بعيداً عن سواحل وطنه ما اؤتمن عليه يوم رفع يمينه زاوية قائمة ونادى بحياة سورية، وأقسم بأن يلهج بالعقيدة اينما حلّ.

الرفيق جورج، الرجل العلمي من الطراز الاول، يحملك الى وضع علامة استفهام كبيرة حين يقرأ بعضاً من ابياته الشعرية التي يخبئها في دفاتره ويخصّها بالكثير من العناية، ويخطر السؤال سريعاً لما لم يكن شاعراً؟

ففي قصيدته "قدٌّ لدمشق" يأخذك الى رحاب حريته الخاصة ويقول:

يا شمسَ الخابورِ الحبيسة خلف السحاب الداكن.

سننتظرُ نيسانَ.

سينحسرُ الظلامُ والماءُ والمطرْ.

وسيعودُ ملاّحُ السفينة إلى الأرض.

سيعودُ الأطفال على أسرتهم فوق السطوح

وستزورهم الأحلامُ وأنجمُ المجرة في ليالي الصيف.

وستكتنزُ رؤوس السنابل في الحقول

هوذا المقبلُ باسم الربِّ المقدَّسِ مردوخْ.

سيقولُ: إسميَ جلجامش.

أنا الذي ارتقيتُ السماواتَ،

وأمِلَتِ الآلهةُ حلاَفَتي...

مدينتي بلا أسوارٍ

ومملكتي بلا حدودٍ.

لن نُحصيَ أيَّاميَ الريحُ

فأنا قاتلُ التنينِ،

قلبيَ لا يعرفُ الراحةَ،

والمحيطاتُ لن تُحطِّمَ أجنحتي،

الشمسُ لن تسكنَ ، وحدها، في السماء.

والآلهة الصغرى؟....

على عتبات الأبواب، خائبةً ستركنْ ..

عن انتمائه الى الحزب السوري القومي الاجتماعي، يروي الرفيق جورج حادثة حصلت في الحسكة، مسقط رأسه، عام 1956 حين استشهد احد الرفقاء اثناء ملاحقته في الفترة السراجية التي اعقبت اغتيال العقيد عدنان المالكي وما تبعها من ملاحقات وسجون وتعذيب طالت آلاف القوميين الاجتماعيين، كتب الرفيق جورج مقالة صغيرة عن الحادثة، التي حفرت في أعماقه، في مجلة "الدنيا" الصادرة في دمشق لصاحبها عبدالغني العطري، الذي كان من اصدقاء الحزب. اعتقل على اثرها لمدة 4 ايام فقط إذ كان في الرابعة عشر من عمره ولم يكن سنه يسمح للسلطة السراجية بإحالته إلى المحاكمة. إلا أن الأستاذ عبد الغني العطري ذكر هذه الحادثة في مذكراته وقال بأن عبد الحميد السراج إستدعاه من مكتب "الدنيا" في السنجقدار إلى المالكي مشياً على الأقدام وتحت المطر ليستجوبه عن هذه المقالة الصغيرة.

بعد الشهادة الثانوية، اتى الى بيروت ليكمل دراسته في الجامعة اليسوعية – كلية الطب، وقد انتمى الى الحزب فور وصوله عام 1961 والتحق بمديرية الاشرفية الرابعة، وعيّن ناموساً لها، حيث اكمل نضاله رفيقاً قومياً اجتماعياً. كان مقر المديرية في بيت الرفيق لوقا زودو (1). واستمر حتى عام 1970 في عمله مع الطلبة القوميين (حين كانت القيادة في الأسر)، الى ان تخرج طبيباً.

في فترة الستينات، اثر الثورة الانقلابية نشط الرفيق جورج في أوساط الطلبة، ولم يَخِفْ في تلك الظروف الصعبة ايمانه بالقضية القومية الاجتماعية وعمله للحزب. واذ توجه ذات يوم لزيارة أهله في الحسكة اعتقل على الحدود الشامية-اللبنانية وتنقل من سجن الى آخر (الشرطة، البرامكة، المزة والقلعة) وبقي في معتقله شهراً خرج بعدها بكفالة حتى يحين وقت المحاكمة، الى ان كانت حركة 8 آذار، في السنة التالية التي استلم فيها البعث الحكم، فشمله العفو الذي صدر على كل المعتقلين السياسيين. في السجن كتب ثلاثة قصص قصيرة نشرتها لاحقاً مجلة "الدنيا": "جوع إلى المطر" التي وصفت الفترة السراجية، "السماء ليست زرقاء" عن الثورة القومية الثانية و"الحبيبة" وهي عن الثورة السورية عام 1925.

خلال فترة العمل السري في الستينات نشط الرفيق جورج الى جانب عدد من ابرز القوميين الاجتماعيين الذين يذكرهم بالكثير من المودة والاحترام. وحين تسأله عن الاعتقالات في عام 1964-1965 يبدي فرحه تجاه الرفقاء الذين كان يعرفهم ويشير الى ان الفضل يعود اليهم لأنه لم يعتقل في هذه الفترة، فهم لم يعترفوا على الرفقاء الآخرين (2).

ثقافته الادبية كما العلمية واسعة وعميقة، فبالاضافة الى دراسته هو شاعر وطني يحكي هموم بلاده اينما حلّ. وبين الضغوطات العملية والعائلية يجد دائماً متنفسه في شعره وقلمه. وبوضوح انتمائه القومي الاجتماعي والتزامه بقيم النهضة يروي حكاية تاريخ واساطير شعب بلاده العظيم في قصائده، ليضيء على مآسي وطن جريح يمتد من فلسطين الى العراق. يقول مخاطباً العراق:

تنتظرُ نيسان؟

مقعدةٌ فصولُكَ يا وطن الزيقورة.

أيتها الحقول المرمَّلة والموعودة أبداً بالقيامة.

الليلُ يعشش في الطرقات والمداخلْ

وجموع الرمل تتراكم،

والعذارى صفوفٌ، وجهتها الهيكل.

للآلهة الغضبى وحدها حق النكاح.

ولقوافل الطفولة المذبحُ ومراسم الشهادة.

على المدى حدود الغابة،

ولم يبقَ في الساحات إلا الكواسر.

هي ذي الآلهة الصغرى على السفينة تشدُ الرحال وخلفَ ظهورِها شعبيَ القتيلْ.

نسلُ لوطٍُ(5) لا يسمعُ نحيبَ الأطفال.

آه يا وطن الشرائع... يا أيها الفلك التائهُ، والمسافرُ بلا آفاقْ.

يطارِدُكَ جنونُ الموج ِ وشبقُ الآلههْ.

"في القعرِ امرأةٌ تصرُخُ وقد آلمها المخاض":

أنا الأمُّ، والالهة تأكلُ أولادي.

أنا الأمُّ وسمكُ القرشِ يأكل أولادي.

وحولِيَ الأفاعي، وكلابُ البحرِ، سُلالاتٌ جائعة.

العاصفة تلتهم البلاد، والرياح العتية تضرب أسوار نينوى.

من فجاجِ الأرضِ تتصاعدُ الأرواحَ الشريرة،

وفي الحقول الطلقة حيث كانت السنابل تموج،

وحيث كانتةأهازيج الحصادين تتصاعد،

مرَّتْ قطاراتُ الإنكشاريين محمَّلةً بالجنودِ،

وبالشجر المحترقْ.


أيتها الآلهة المتخمة بصلوات الشيوخِ وشهادات الأطفال!

كما الذباب تحومينَ حول الذبيحِةِ، ولكِ، في كلِ يومٍ، وليمة.

وجهُ تيمورَ الهجينِ يطارد اطفال بلادي.

كلُ دماءِ الشهداءِ لن تروي شقوقَ أرضِنا اليابسة.

المطرُ ضالٌ على الكثبان، وعلى المدى يجوبُ اليبابْ.

الليلُ كما القماط يلفُّ المدينة،

والبطلُ نائمٌ، أعياهُ الرحيلُ، وسلالات الأفاعي على الأرصفة تتقشَّرْ.

لا عشٌ يأوي إليه الحمامُ، ولا سطحٌ يتلطَّى فيه السنونو العائدْ.

نبحثُ عن نجمةٍ، عن كوة في الممر القاتم.

نبحثُ عن قمرٍٍ، عن حمامة تحملُ غصن زيتونة،

وعن عتبةٍ تأوينا.


أما في نيوجرسي التي انتقل اليها للتخصص في جراحة القلب، فقد تميزّ بنشاطه بين الجاليات العربية ومشاركته في العديد من الجمعيات والمنظمات ومنها جمعية محاربة التمييز العنصري (عرفت بالـADC) وكان في مجلسها العام، كذلك منظمة الاطباء العرب، الذي انتخب رئيساً لها فيما بعد وتضم حالياً اكثر من 3000 طبيب.

خلال رئاسته لها عمل على اصدار مجلة "الحكيم" التي احتوت، بالاضافة الى مقالاتها الطبية والعلمية المتخصصة، قسماً باللغة العربية خصص للكتابات الثقافية والسياسية الوطنية التي تصب في المشروع القومي، واستمر اصدارها لمدة 7 سنوات، وهي تحمل تحت اسمها قول سعاده "المجتمع معرفة والمعرفة قوة".

من حديثه تتوضح القيم القومية الاجتماعية التي يحملها ومنها انطلق الى عالم الطب برسالته الانسانية التي يعتبرها من اهم الرسالات ويؤكد بأن عقيدة سعاده هي عقيدة الانسان وبنائه، لذا من المهم ان تكون مهنة الطب انسانية بحتة، ومن هنا يبرر نجاحه فيها وعشقه لها، والذي اورثه لولديه.

اما قلمه فله في التاريخ السوري صولات وجولات، وبناء على فكرة التحدي والرد، التي كان يقولُ بها الأمين الراحل أسد الآشقر في كتابه "تاريخ سورية"، استذكر الرفيق جورج يونان المدن التاريخية اللامعة من دمشق، بيروت، انطاكية، بغداد، البصرة، تدمر وبترا وغيرها، ودورها في سياق التاريخ لتبقى هذه المدن السورية في الذاكرة. اذ ينظر الى هذه المدن بانها بداية المدنية الحديثة وللقوميين فيها الكثير من المخزون الثقافي الذي يجب الاعتماد عليه للانطلاق للمستقبل أي ربط الماضي بالحاضر. ويسوق في هذا الصدد المحاولات اليهودية لسرقة التراث السوري في هذه المدن وتشويهه.

اما قصائده فهي من التاريخ والاساطير البابلية والكنعانية، ويعكس مضمون مآسيها كما الامل الذي يطل منها وتكريسها للفكر القومي اي المجتمع. ففي قصيدته عن العراق يختتم المشهد المروع الذي يعيشه بالأمل يطل من ارادة شعب العراق فيقول:

يا سماءَ أربيل، وبحقِّ الآلهة الأربعة، ما برحت نجومُكَ تقودُ ركبي.

صوتٌ من السماءِ آتٍ، وفي المدينة يلوبُ:

هوذا ابني الوحيدِ جلجامش، فأعدوا له أرحام العذارى.

من نسلِهِ ستختصبُ الأرضُ على دجلة.

وستنمو السنابلُ وتمتلأُ الصوامعُ على ضفافِ الفراتِ

ستتكاثرُ القطعانُ وستمطرُ السماءُ سمناً وحليباً وعسلاً

سيعودُ الأطفالُ إلى سفوحِ هكَّاري،

وستعودَ، خائبةً إلى أوجارها، ذئابُ سمرقندْ.


يعمل الرفيق جورج ضمن مقولة سعاده "المعرفة قوة" ويعتبر المعرفة ليست فقط اغناءً للعقل، بل تقترباً من الله، فكلما زادت المعرفة كلما قصرت المسافة بين الإنسان والله. والأمم التي لا تعرف ، تفترس. وهذا ما رأيناه في القصص التوراتية الذي تروي كيف يفترس الأخ اخيه.

الحديث مع الشاعر والطبيب الرفيق جورج يونان والاستماع الى نظرته في الشعر والادب وسعاده يحمل الكثير مما لا يسعنا الحديث عنه في هذه السطور، انما تبقى تجربته في الوطن والاغتراب لتدل على الابداع الذي يتحلى به العقل الغني بالمعرفة خاصة اذا كان مبدئياً من خلال انتمائه للحزب السوري القومي الاجتماعي. كما يأمل الرفيق جورج ان يجمع اشعاره في ديوان في وقت قريب جداً ليتعرف من لا يعرفه على شعره ونضاله وتاريخه وقوميته الاجتماعية، خاصة ما يحمله لفلسطين، التي يقول عنها في قصيدته "مزمور فلسطين":

سبعينَ عاماً يحملُنا التيهُ،

ولا نيسانَ على العتبات.

وحدَه الخريفُ على الأبوابِ يدقُّ.

لا عشَّ يؤوبُ اليه السنونو،

ولا قمرٌ يتدحرجُ على السفوح.

لا صوتَ من السماءِ الاّ نعيبُ الغراب.

ولا صلاةَ على الأرض الاَّ طقوس الجنائز.

سبعين عاماً " مشَت الخيولُ على العصافيرِ الصغيرة ".(4)

سبعون عاماً ؟

تضيقُ بنا الأرضُ،

" وما زال في الدرب دربٌ،

وما زالَ في الدربِ متَّسعٌ للرحيل ".


*

1. من شمال العراق. كان اديباً ومؤرخاً، له العديد من المؤلفات أهمها "المسألة الكردية". توفي في شيكاغو ووري الثرى فيها.

2. من الرفقاء الذين نشطوا معه في تلك الفترة نذكر الامناء لبيب ناصيف، انطون حتي، والرفقاء يرسف المسمار، الدطتور الراحل عساف نعمة، وجوزف بابلو.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021