إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

أنطون سعاده وساطع الحصري – الحلقة الأولى

نزار فاضل عثمان - البناء

نسخة للطباعة 2012-04-30

في ظلال المجتمع الذي بات ينوء تحت ضربات الاستهدافات الخارجية والداخلية التي تعصف بكيانه وهويته وأصالته ومثله ومعاييره، ومع غلبة المفاهيم الاغترابية من نوع « نهاية الإيديولوجية» و« نهاية التاريخ»، و« نهاية الأمم» و« نهاية الجغرافيا» و« ما بعد الحداثة» و«القرية الكونية» و«النظام العالمي» و«الأسرة الدولية» و«الثورة الرقمية» و« صراع الحضارات» و«القوة الناعمة» وغير ذلك من مصطلحات باتت تزدحم في ذاكرتنا وتذهب بنا بعيدا عن الهدف المنشود بإحياء نهضة أمتنا، نحتاج دوما إلى العودة إلى النصوص والتجارب التي خلفها عظماء مروا وتركوا إرثا ضخما كي يستضاء به في عتمة التحديات لتحقيق المكانة التي تستحقها أمتنا على مسرح الجغرافيا العالمية. من هنا فإن العودة إلى هذه النصوص بالبحث والتنقيب ومحاولة استجلاء الحقائق من طياتها قد تكون من أولى الأولويات للتمسك بأصالة الفكر النابع من صميم مجتمعنا، كي يكون منارة تمخر بنا عباب التحديات، نحو تحقيق الأهداف المنشودة لبلادنا وأمتنا.

لا يختلف إثنان على مكانة الزعيم أنطون سعاده في الفكر والتضحية والايثار في سبيل العقيدة التي آمن بها وقدم عمره لتثبيتها ونشرها وتوطيد أركانها، حتى أضحى مصداقاً للقول والفعل، ومنهاجاً يتبع، وسراجاً يستضاء بمُثُلِهِ في الحالكات. وهو إذ أطلق مجموعة من الدراسات والآراء والخطب والرسائل وغيرها، فضلاً عن المواقف العلمية والفكرية والسياسية والاجتماعية، لم يكن بوجه يقصد تحقيق مجد شخصي زائل لذاته، وإلاّ لما خاض غمار الجهاد النظري والعملي لإحياء أمته واكتفى بالتنظير وإطلاق الافكار من بلاد الاغتراب حيث كان طال به العمر واستفادت الأجيال أكثر من حصيلة عصاراته الفكرية. بل آمن بأن المفكر لا يكون وفياً لآرائه إلاّ إن مارسها وسعى إلى نشرها، حتى انتهت به الحال شهيداً، باذلاً دمه سراجاً ينير درب العبور في اتجاه حياة حرة كريمة للأجيال اللاحقة.

من هنا، وفي عصر ازدحمت فيه الصراعات النظرية والإيديولوجية، كان طبيعياً أن تنشأ خلافات وعداوات فكرية بين الزعيم وعدد لا يحصى من مفكري التيارات الإيديولوجية المختلفة ومنظّريها ووجدت لها صدى في بلادنا، ومن هؤلاء المفكر القومي العربي أبو خلدون ساطع الحصري الذي تناول آراء أنطون سعاده بالقراءة والنقد في كتابه «العروبة بين دعاتها ومعارضيها»، ونشر للمرة الأولى عام 1951، أي بعد استشهاد الزعيم، وألحقه بنقد آخر وجهه إلى من أسماهم « مريدي أنطون سعاده» في كتابه « دفاع عن العروبة» الذي وجد طريقه إلى النشر عام 1956.

بذلك، وانطلاقا من اشتمال آراء الحصري النقدية على كتابين، ما يزيد المشقة في معالجة كل تلك الآراء من خلال دراسة واحدة، فضلاً عن مقالة واحدة، وقع الاختيار على اعتماد أسلوب الحلقات المتتابعة في مناقشة آرائه، وطرح بعض الملاحظات والتحليلات حولها. وعليه، نكتفي في الحلقة الأولى هنا بمعالجة بعض ما ورد في التقديم، في كتابه «العروبة بين دعاتها ومعارضيها» (الأعمال القومية لساطع الحصري – القسم الأول – الطبعة الثانية: بيروت 1990- مركز دراسات الوحدة العربية)، على أن نؤجل النقاط الأخرى إلى الحلقات التالية لارتباطها ارتباطاً وثيقاً بما ورد موسعاً ومستفيضاً في الأبحاث اللاحقة.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه لن يتم تناول بعض الآراء الشخصية التي أوردها الحصري في تقديمه للموضوع، كاستخدامه مصطلح «خميرة الضلال» في الإشارة إلى فكرة القومية السورية، أو لاعتباره شهادة الزعيم « مأساة وملهاة، اشترك في تمثيلها على مسرح السياسة أنطون سعاده وحزبه من ناحية، وحكومتا سورية ولبنان من ناحية أخرى»، لكون الحصري في عداد من رحلوا عن عالمنا، وليس من اللائق إلاّ الترحّم عليه، ومناقشة آرائه الجدية غير الانفعالية.

***

قبل البدء في المعالجة، تبدو ضرورية الإشارة إلى إقرار الحصري، ولو بمنحى أدبي، أن سعاده وحزبه رياديان في الساحة الفكرية والسياسية، إذ يقول: « لم يظهر في العالم العربي إلى الآن، حزب يضاهي الحزب السوري القومي، في الاهتمام بالدعاية المنظمة التي تخاطب العقل والعاطفة معاً، وفي التنظيم الحزبي الذي يعمل بلا انقطاع في السر والعلن» ويتابع: « وقد استطاع هذا الحزب – بفضل تنظيماته – أن يوجد تياراً فكرياً وسياسياً قوياً جداً، في سورية ولبنان». ويقول في مكان آخر: «لا يسعني إلاّ أن أعلن إعجابي بنشاط الرجل (أي سعاده) واندفاعه، وتحبيذي لمعظم المبادئ الإصلاحية التي يذكرها في تعاليمه، كما لا يسعني إلاّ أن أقدر سعيه وراء دعم آرائه السياسية والاجتماعية بنظريات علمية».

***

يفتتح ساطع الحصري بحثه في كتابه «العروبة بين دعاتها ومعارضيها» تحت فصل « نقد آراء أنطون سعاده مؤسس الحزب السوري القومي»، بتقديم عنوانه «أنطون سعاده وحزبه» يذكر فيه اللقاء الذي جمعه بالزعيم في بيروت عام 1948. وانتهى من خلال هذا اللقاء لتأكيد الصورة التي رسمت في ذهنه حول سعاده وحزبه بحسب تعبيره، قائلاً: «أسس سعاده الحزب السوري القومي، لمحاربة روح الطائفية والنزعة الانعزالية اللتين لاحظهما في لبنان، في الوقت الذي ما كان يعرف بعد شيئاً يذكر عن أحوال سائر البلاد العربية. ولذلك أخذ يدعو إلى فكرة القومية السورية مندداً بالانعزالية اللبنانية الضيقة من ناحية، وبالقومية العربية الشاملة من ناحية أخرى». ويتابع: « ظلّ معارضاً لفكرة القومية العربية، ومع هذا أدرك ضرورة تأسيس جبهة عربية، واعتقد أنه يترتب على سورية أن تقوم بالدور الأهم في تكوين وتوجيه هذه الجبهة، مع تقويتها على الدوام». ثم يضيف: «... إن هذه الدراسة (أي دراسته لمبادئ الحزب وتعاليمه) أيدت الرأي الذي كنت توصلت إليه قبلاً. وفضلاً عن ذلك، إنها أطلعتني على السبب الأصلي الذي كان يدفع زعيم الحزب إلى التحامل على فكرة العروبة، ودعوة القومية العربية تحاملاً عنيفاً. وقد علمت أن الدافع الأصلي لذلك كان إساءة فهم المعنى المقصود من كلمة العروبة ومن تعبير القومية العربية. لأني لاحظت بكل وضوح، أن فكرة العروبة كانت تختلط في ذهن أنطون سعاده مع معاني البداوة الصحراوية من ناحية، ومع الحزبية المحمدية من ناحية أخرى...».

لن ندخل في مناقشة موقف سعاده من الروح الطائفية والانعزالية اللبنانية لاعتراف الحصري بأن الزعيم قد وعى خطرهما، ووقف ضدهما، وبالتالي فالحصري لا يتبناهما ولا ينافح عنهما، ما يجعلهما كموضوعاً خارج إطار البحث. لكن، هل كان الزعيم بالفعل لا يعرف شيئاً عن أوضاع البلاد العربية؟ وهل دعوة الزعيم إلى إنشاء جبهة عربية تتعارض مع مفهوم الأمة السورية؟ هل أساء سعاده بالفعل فهم معنى مصطلح العروبة؟ هل هذا المصطلح بعيد حقاً عن معاني البداوة الصحراوية من ناحية و«الحزبية المحمدية» من ناحية أخرى؟ هنا ينبغي التذكير بما سبق عن كوننا لن نتناول إلاّ أجزاء مما ورد في التقديم، وبالتالي لن تكون الإجابة هنا إلاّ عن بعض التساؤلات المطروحة في هذه الفقرة، لارتباط الأجزاء الأخرى مع أبحاث سترد موسعة لاحقاً، لذا نقصر البحث والمعالجة هنا على نقطتين لا أكثر وتتمثلان بمقاربة عدم اعتبار الزعيم على دراية بما كان يجري في البلاد العربية، وإن كان أساء فهم معنى العروبة من ناحية بُعد هذا المصطلح عن معاني البداوة الصحراوية. على أن نؤجل النقطتين الأخريين: دعوة الزعيم إلى إنشاء جبهة عربية وهل تتعارض مع مفهوم الأمة السورية. والتقاء مفهوم العروبة مع «الحزبية المحمدية» أم لا ؟

***

مع ما يظهر من مهزلة وخطل في اعتبار أن الزعيم لم يكن عارفاً ما يجري في البلاد العربية الأخرى، فإن توالي التواريخ يُظهر عدم دقة ما ذهب اليه الحصري من هذه الناحية، إن لم نقل تجنيه، ولا مجال هنا لإيراد ومضات من سيرة حياة الزعيم، وتاريخ تأسيسه للحزب والمدة التي أمضاها قبل التأسيس مهتماً بقضايا فكرية وسياسية واجتماعية تعني سورية الطبيعية والبلاد العربية الأخرى، لكن نورد عدة شواهد قريبة زمنياً من تاريخ تأسيس الحزب تظهر ضحالة الدعوى التي ساقها الحصري بهذا الشأن وضعف مبناها.

1- حديث الزعيم إلى جريدة «الأيام» – دمشق 1936: « سؤال: ما هو نصيب سورية من مشاكل العالم العربي وما هو موقفها العملي من هذه المشاكل؟ جواب: إن مشاكل العالم العربي من وجهة النظر المستقلة هي مشاكل لا يمكن أخذها مجموعة إلاّ من نقطة واحدة، هي مواجهة الأمر الاستعماري الواقع. وفيما سوى هذه النقطة فلكل مجتمع في العالم العربي مشاكله القومية الخاصة التي يعالجها على ما اكتسب من اختبارات خاصة به ضمن حدوده، وسورية تقوم الآن بواسطة الحزب السوري القومي بمعالجة شؤونها ومشاكلها القومية الخاصة. وهي في الوقت نفسه تعمد نفسها للاشتراك في نقطة المصلحة المشتركة بينها وبين شقيقاتها البلدان العربية. وكلما قويت معنوية الأمة السورية ازداد فعلها في حل كل مشكلة سياسية أو حزبية مشتركة». ( أنطون سعاده – الأعمال الكاملة – الطبعة الأولى 2001 – ج 2 ص 25)

2- رسالة نيويورك – خمسة عشر ألف دولار تسبب إنفاقها الوفود العروبية على الحفلات والولائم – سورية الجديدة، سان باولو، العدد 1 – 1939. وفيه يظهر الزعيم نقداً للدعاية العروبية لا يتسع المجال لذكرها ومن شاء ليراجع. ( أنطون سعاده – الأعمال الكاملة – الطبعة الاولى 2001 – ج 3 ص 311).

3- مقتطفات من مقالة الدكتور شهبندر المنشورة في جريدة «النهار» البيروتية، والواردة في: المعرض السياسي – الحالة السياسية في الشام – انهيار «الكتلة الوطنية» – امتداد نفوذ الحزب السوري القومي الدكتور عبدالرحمن شهبندر يؤيد الحزب السوري القومي، (سورية الجديدة، سان باولو، العدد 1- 1939): ونوردها كشهادة من أحد الرموز ممن عاصروا سعاده، إذ يقول الدكتور شهبندر: « ولقد سمعت التهم التي توجه إلى الحزب السوري القومي بأنه عدو القضية العربية، ولما باحثت الكثيرين من رؤسائه وأعضائه تبين لي أن هذه التهم لا تستند إلى حق». ( أنطون سعاده – الأعمال الكاملة – الطبعة الاولى 2001 – ج 3 ص 316).

وغير هذا من الشواهد كثير.

***

بعد هذا نسأل: هل أساء سعاده حقاً فهم معنى مصطلح العروبة؟ وهل هذا المصطلح بعيد عن معاني البداوة الصحراوية؟

قد يستدعي البحث في هذه النقطة الاستعانة برأي ابن خلدون، لما يشكله من مرجعية تاريخية، اجتماعية وفكرية، يرضى لها الجميع، وآراء ساطع الحصري نفسه حول هذا الموضوع، ومناقشتها وتحليلها، والانتهاء منها إلى نتيجة.

معلوم أن ابن خلدون عمد إلى تصدير أحكام قاسية بحق العرب في مقدمته المشهورة، مثل: (فصل: في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع اليها الخراب) و(فصل: في أن العرب لا يتغلبون إلاّ على البسائط) وغير ذلك أيضاً مما يضيق المجال بذكره. وكان من ساطع الحصري أن تصدى لتحليل رأي ابن خلدون منتهياً أنه لم يقصد العرب بعمومهم، بل خصوص البدو (الأعمال القومية لساطع الحصري- القسم الثاني – آراء وأحاديث في التاريخ والاجتماع – الطبعة الثانية 1990 – مركز دراسات الوحدة العربية). وأتى على ذلك بشواهد أبرزها:

«أنعموا النظر، مثلاً، في الفصل الذي يقول إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب. لاحظوا الأدلة التي يذكرها لتعليل ذلك تجدوا فيها هذه العبارات «(فغاية الأحوال العادية كلها عندهم الرحلة والتقلب، وذلك مناقض للسكون الذي به العمران ومناف له)، ألا تلمسون بين ثنايا هذه العبارات أنها تشير إلى أعراب البادية وحدهم، ولا تقصد الأمة العربية بأجمعها؟». ويتابع « وإذا خامركم أدنى شك في هذا الباب فاقرأوا العبارات التالية، فستجدون فيها ما يطرد من ذهنكم كل أنواع الشكوك: (فالحجر مثلاً إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافي للقدور، فينقلونها من المباني ويخربونها عليه... والخشب أيضاً إنما حاجتهم إليه ليعمروا به خيامهم، ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم، فيخربون السقف عليه). فهل من مجال للشك في أن مدار البحث هنا لا يتعدى البدو الذين يعيشون تحت الخيام؟».

بعدها ينتقل إلى فصل آخر، فيقول: « (فصل: في أن جيل العرب في الخلقة طبيعي). ألا تجدون أن عنوان هذا الفصل وحده يدعونا إلى التأمل لتعيين المعنى المقصود من كلمة العرب؟ اقرأوا الفصل تجدوا فيه تفاصيل كثيرة من وسائل المعيشة، وعن تأثير هذه الوسائل والنظم في الحياة الاجتماعية، ثم تصلوا إلى العبارات التالية (أما من كان معاشهم من الإبل، فهم أكثر ظعناً وأبعد في القفر مجالاً، فكانوا لذلك أشد الناس توحشاً، وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش غير المقدور عليه والمفترس من الحيوان العجم. وهؤلاء هم العرب، وفي معناهم ظعون البربر وزناتة بالمغرب والأكراد والتركمان والترك بالمشرق. إلاّ أن العرب أبعد نجعة وأشد بداوة، لأنهم مختصون بالقيام على الإبل فقط) ألا تفهمون من هذه العبارات أن ابن خلدون استعمل كلمة العرب هنا أيضاً بمعنى خاص، غير المعنى العام الذي نفهمه الآن؟ ألا ترون أن مؤلفنا عندما كتب ما كتبه في هذا الباب لم يقصد قط أهل المدن والأمصار؟». ثم يوضح: «... فاسمحوا لي أن أقول لكم بأن معاني الكلمات كثيراً ما تتغير وتتطور على مر القرون. إن تاريخ اللغات الأوروبية يذكر لنا أمثلة كثيرة على ذلك، كما أن تاريخ اللغة العربية أيضاً يعطينا أمثلة غير قليلة لذلك. خذوا مثلا كلمتي العجم والروم. لا شك أنكم تعرفون أن كلمة العجم كانت تستعمل بمعنى واسع جداً. فكانت تشمل كل من ليس بعربي على الإطلاق، غير أنها تخصصت مؤخراً، فأصبحت اسما لأمة واحدة من تلك الأمم. كذلك كلمة الروم فإنها كانت تستعمل بمعنى واسع تشمل مجموعة أمم من أديان وأجناس مختلفة، ثم تخصصت بالتدريج للدلالة على أصحاب مذهب معين من جهة، وعلى أفراد أمة معينة من جهة أخرى، فهل من مجال للاستغراب إذا ما تغيّر وتطوّر المعنى المفهوم من كلمة العرب أيضاً على مر القرون؟».

ويتابع في القسم الثاني من بحثه، وعنوانه « عودة إلى مسألة العرب في مقدمة ابن خلدون» بالآتي: « تصفحوا الفصول الباحثة عن اللغة والشعر، تجدوا فيها أيضاً أمثلة صريحة وأدلة حاسمة لذلك. اقرأوا الفصل الخمسين في أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد، تروا أن العنوان نفسه يميز العرب عن أهل الأمصار بصراحة تامة... اقرأوا الفصل نفسه، تجدوا بين سطوره أيضاً ما يؤكد ويؤيد دلالة العنوان: (كذلك الحضر أهل الامصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الاعراب وأكثر الاوضاع والتعاريف، وخالفت أيضاً لغة الجيل من العرب لهذا العهد). ترون من هذه العبارات أن ابن خلدون يميّز لغة الحضر عن لغة العرب لعهده، وهذا التمييز لا يمكن أن يفسر إلاّ باستعمال كلمة العرب مقابلاً لكلمة الحضر».

هنا نأتي لمناقشة رأي الحصري، فحين يقول إن « معاني الكلمات كثيراً ما تتغير...» إلى قوله «على مرّ القرون»، تفهم الإشارة إلى المشترك والمنقول من الألفاظ. أما المشترك فهو اللفظ الذي تعدد معناه وقد وضع للجميع على حدة من قبيل لفظ «العين» الموضوع لحاسة النظر ولينبوع الماء. أما المنقول فيفترق عن المشترك بأن الوضع لأحدهما مسبوق بالوضع للآخر، مع ملاحظة المناسبة بين المعنيين في الوضع اللاحق. مثل لفظة «الحج» التي وضعت أولاً للقصد المطلق ثم نقلت لقصد مكة تحديداً للقيام بالشعائر المعروفة. ويظهر من بيان الحصري أنه يفترض أن لفظة العرب كانت تطلق في الوضع الأول على خصوص البدو، وبعدها نقلت لتشمل العرب بعمومهم من ساكني الحواضر والبوادي. وهنا نسأل: ما الذي كان يطلق على العرب عامةً مقابل الموالي من الفرس والروم، إبان الدولة الإسلامية، أأموية كانت أم عباسية؟ أثمة مصطلح محدد آنذاك نستفيده غير مصطلح العرب، المشتمل على البدو والحضر معاً ؟

ثم يُطرح معنا تساؤل آخر: هل يصح اعتبار لفظتي «البدو» و«العرب» مترادفتين؟ لقد عرّف الفخر الرازي في المزهر الترادف بالقول: «هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد». ووحدة الاعتبار كانت احترازاً من المتباينين كما في حال «السيف» و«الصارم»، فهما وإن دلاّ على شيء واحد، فإن أحدهما يدل على الذات والآخر على الصفة. ويميز أحمد مختار عمر في كتابه «علم الدلالة» بين أنواع مختلفة من الترادف أهمها:

1- الترادف الكامل: وهو أن يتطابق اللفظان تماماً.

2- شبه الترادف: وذلك أن يتقارب اللفظان إلى درجة يصعب معها لغير المختص التفريق بينهما.

3- التقارب الدلالي: وذلك حين تتقارب المعاني لكن كل لفظ يختلف عن الآخر بملمح مهم واحد على الأقل مثل لفظتي «حلم» و « رؤيا».

4- الاستلزام: من قبيل « قام محمد من فراشه الساعة العاشرة» فإن هذا يستلزم التالي « كان محمد في فراشه قبل العاشرة»... فأي وجه من وجوه الترادف يصح على لفظتي «العرب» و« البدو»؟ الجواب: لا وجه.

وبالعودة إلى شواهد الحصري، نذكر بعض الأمثلة المقابلة والمناقضة لها من مقدمة ابن خلدون. فابن خلدون في قوله (في أن الصريح من النسب إنما يوحد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم) إنما هو يقسم العرب إلى متوحشين في القفر (البدو) وإلى غيرهم. وفي تفسير الفصل (أن العرب لا يحصل لهم الملك إلاّ بصبغة دينية من نبوة أو أثر عظيم في الدين على الجملة)، يقول ابن خلدون: (السبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة. فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوءة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة فيهم، فسهل انقيادهم واجتماعهم)، وهنا يذكر العرب كأمة لا كبدو فحسب، ويعتبر أن خلق التوحش طبع فيهم. وهنا نسأل: هل البدو من العرب هم الذين حصل لهم الملك بصبغة دينية؟ أم أهل يثرب؟ وهل يصح أن نصف أهل يثرب بالبدو؟ وإن كانت الحال كذلك، فما تفسير الآية القرآنية (وممن حولكم من الأعراب منافقون) – سورة التوبة آية 101 – لو أخذنا رأي المفسرين فيها أن المقصود من الأعراب هم البدو؟

من هنا يظهر معنا أن ابن خلدون قد رأى البداوة طبعا في العرب، والصحراوية لصيقة بمفهوم العروبة، فهل يصحّ بعد ذلك للحصري أن يسأل مستغرباً إن كان هذا أيضاً رأي أنطون سعاده الذي يعتبر هو الآخر عالماً من علماء السوسيولوجيا المحدثين؟ ومع ذلك نعود لتبيان رأي الزعيم في العروبة والعرب على شكل أكثر تفصيلاً فيما سيأتي.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021