إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الانقلاب على الطائف... ومجلسه

العميد الركن الدكتور امين محمد حطيط

نسخة للطباعة 2005-12-17

اقام اتفاق الطائف نظاماً سياسياً في لبنان، عنوانه الرئيسي المشاركة وعدم استئثار ‏طائفة او حزب او فئة بالقرار الوطني، كما وعدم عزل او تخطي او تهميش اي طائفة او فئة، ‏فكان نظام الكل، المستوعب للكل، غير المستبعد لاحد واسمي هذا النظام - نظام الكل - العيش ‏المشترك، واسقطت مشروعية اي سلطة ان ناقضته (البند من مقدمة الدستور: لا شرعية لأي سلطة ‏تناقض العيش المشترك)، واكدت المادة 95 من الدستور على ان: العيش المشترك يكون بفحواه ‏وجوهره الحقيقي قائماً على إلغاء الطائفية السياسية، ولكن هذا امر يستوجب العمل الهادئ ‏والدؤوب للوصول اليه، وبانتظار ذلك، يكون الاعتراف بالطوائف وجوداً، ثم دوراً ومشاركة في ‏الوزارة، حيث يجب ان تمثل فيها تلك الطوائف بصورة عادلة، ثم كان القرار بأن يكون مجلس ‏الوزراء، هو السلطة التنفيذية.. اي ان الحكومة التي لا تشارك فيها طائفة ما، لا تمتلك ‏شرعية السلطة التنفيذية، لتناقضها مع العيش المشترك.‏


في التطبيق الاول لدستور ما بعد الطائف، كان بعض التجاوز لروح النص، مع مراعاة للشكل، ‏حيث كان تمثيل للطوائف جميعها في الحكومة، ومشاركة من قبل الوزراء في مجلس الوزراء، لكن ‏العيوب في الممارسة تجلّت بأمرين رئيسين: الأول اختيار وزراء، يشك بصحة تمثيل بعضهم ‏لطوائفهم، خاصة قسماً من الوزراء المسيحيين، والثاني وهو الأخطر، هو قيام بدعة الترويكا ‏‏- ثلاثي الرؤساء - الذي اختصر السلطة التنفيذية وبعض السلطة التشريعية، ولو لم يكن ‏هناك ممارسة فاعلة لمجلس شورى الدولة وللمجلس الدستوري، لكان الوضع بلغ درجة من السوء ‏لا يمكن تصورها...‏


ان الممارسة الأولى لنظام الطائف، جاءت بسلبيتين: احباط مسيحي من جهة، واستئثار شخصاني ‏بالسلطة من جهة اخرى.. فأخرجت فئات، وتيارات، من الدولة التي تراجعت فيها فكرة دولة ‏القانون، لتقوم دولة الاشخاص المترجمة بالاستزلام والمحسوبية، ناحرة الكفاءة الا في الواحات ‏النادرة من تلك الصحراء، وناشرة ثقافة الفساد وهدر المال العام... و«ألقي اللوم في كل ‏ذلك على سوريا» لأنها كانت بجيشها تحفظ الأمن، وبرجالها ترعى السياسة اللبنانية، ونسي ‏اللائمون انه ما من قرار أو سلوك نفذ الا بأيدٍ لبنانية «خالصة»...‏


ثم كان الزلزال الذي اعتبر اشارة البدء لأحداث التغيير: فخرجت سوريا من لبنان بعد ان ‏طالبها قسم من الشعب بذلك، وتنفس المحبطون الصعداء، وسارع اركان «النظام الامني» المشكو ‏منه، للانقلاب على ماضيهم، والمجاهرة بعداء من مل وهو يسمع تملقهم، ومديحهم، واستنجادهم ‏به على مواطنيه... خرجت سوريا وانطلق «الانقلاب الابيض»... استقالة الحكومة... تعطيل ‏تشكيل حكومة على قاعدة الوحدة الوطنية... ثم مصادرة القرار الامني والقضائي في الحكومة ‏التي قبل بها... فانتخاب وفقاً لقانون رفضه معظم اللبنانيين.. فحكومة الاغلبية المتمثلة ‏بـ72 نائباً، المتحالفة مع تكتل 32 نائباً.. وتبدأ الممارسة التي اصبحت تخلق الهواجس والخوف ‏على لبنان وسيادته ضمن نظامه ودستوره الذي ارتضاه، شعور يتشكل لدى كل حريص على ‏لبنان:‏


‏1. الدستور يقول: يترأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء عندما يشاء... وينعقد مجلس الوزراء ‏في مقر خاص (ليس القصر الجمهوري كما كان، وطبعاً ليس القصر الحكومي) وتأتي الممارسة... ‏مجالس الوزراء مناصفة بين القصر الجمهوري والقصر الحكومي، فينسف المقر المستقل ليمنع عن ‏رئيس الجمهورية حضور نصف هذه الجلسات، ويفرض عليه حضور النصف الآخر فيتساوى مع رئيس ‏الحكومة في هذا المجال...‏


‏2 - مجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية هكذا فرض الدستور، وتأتي الممارسة: رئيس الحكومة ‏يقرر (استدعاء الاف.بي.اي قرار المحكمة ذات الطابع الدولي، توسيع عمل لجنة التحقيق ‏الدولية، السلاح الفلسطيني، ترسيم الحدود مع سوريا)، ثم يأتي الى مجلس الوزراء فيحيطه ‏علماً بما قرر، فيحصل على موافقة شكلية لا بد منها... شكونا من الترويكا... فوقعنا في ‏الاحادية الظاهرة...‏


‏3- المجلس الاعلى للدفاع، هو المسؤول عن السياسة الامنية والدفاعية، وهو برئاسة رئيس ‏الجمهورية، ومجلس الامن المركزي هو السلطة العليا في مجال الامن الداخلي.. وهو برئاسة وزير ‏الداخلية... هكذا في القوانين.. اما في الممارسة فالمجلس الاعلى للدفاع لا ينعقد، ومجلس الامن ‏المركزي يستبدل بمجلس آخر فيه نصف اعضاء المجلس الاعلى، ومعظم اعضاء المجلس الآخر، وينعقد ‏برئاسة رئيس الحكومة.. انه استبعاد لرئيس الجمهورية الذي هو القائد الاعلى للقوات ‏المسلحة بحكم الدستور... ‏ ‏ (التتمة صفحة 11)(تتمة الصفحة 1)‏


‏4- «ينشأ مجلس دستوري لمراقبة القوانين، والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن ‏الانتخابات»، هذا هو النص الدستوري، اما الممارسة فتعطيل للنص، عبر شل المجلس الدستوري، ‏ومنعه من ممارسة صلاحياته، وعدم تصدي الحكومة الى تعيين من عليها تعيينهم من اعضاء المجلس ‏رغم مضي ستة اشهر على نيلها ثقة المجلس النيابي...‏

‏5- اعتمد الدستور مبدأ الفصل بين السلطات - والسلطة القضائية لها صلاحياتها التي تستقل في ‏ممارستها وفقا للقانون، وثم يأتي قانون اصول المحاكمات الجزائية ليحدد الجهة القضائية ‏الصالحة للنظر في الجرائم التي تقع على لبنانيين في لبنان، وهي لبنانية لا شريك لها، تأتي ‏الممارسة ومن غير تعديل للدستور او تعديل للقانون، وتعطي الصلاحية لجهة دولية (غير ‏لبنانية) وبقرار من مجلس الوزراء... فيطلب التحقيق الدولي ثم المحاكمة الدولية، لجرائم ‏وقعت على لبنانيين وعلى الارض اللبنانية... لمنع القضاء اللبناني المستقل وصاحب ‏الصلاحية، من ممارسة صلاحية دستورية...‏


‏6- ينسجب وزراء طائفة من جلسة مجلس الوزراء، احتجاجا على الاستفراد بالقرارالوطني، ‏ويعلقون مشاركتهم باعمال مجلس الوزراء لاحقا.. لا يكترث رئيس الحكومة، ولا يلتفت الى خطورة ‏خروج طائفة من السلطة التنفيذية... وما يحتمل معه الطعن بشرعية اعمال هذه السلطة، ثم ‏تكون محاولة لارساء منطق الاغلبية والاقلية في القرار الوطني على انقاض مبدأ الديمقراطية ‏التوافقية...‏


في بداية المرحلة التي نعيش تداعياتها الان، اطلق تعبير «الانقلاب الابيض» لتغيير الوضع ‏السابق، ويبدو ان كثيرا من اهداف الانقلاب هذا قد تحقق بشكل او باخر من خلال النصوص شكلا ‏وجوهرا، او من خلالها شكلا، اما ما لم تتح النصوص في ظاهرها تغييره، فكان لجوء الى سياسة ‏الامر الواقع لخلق سوابق يؤسس عليها ليكون التعديل الدستوري اللاحق ممكنا بعد حين خاصة ‏ان الاغلبية التغييرية، لا تملك القدرة والاصوات اللازمة لتعديل الدستور الان، فهل نستمر في ‏هذه السياسة كما ولو كانت الحكومة مجلس ادارة الانقلاب تتخذ شرعيتها من قوة الدفع ‏الزلزالي، كما كانت شرعية السلطات الانقلابية في العالم الثالث تستمد شرعيتها من القوة ‏التي تملكها... ام نعود الى الدستور ونقلع عن اي تجاوز له؟


شكا لبنان من تفرد رئيس الجمهورية بالحكم قبل الطائف، وكان ما كان من مآس للتصويب..‏


ثم شكا لبنان من الترويكا بعد الطائف، وكان ما كان من خسائر للتقويم..

فهل سنكون امام مرحلة جديدة من الاهوال لنعيد الامور الى نصابها ونقيم العدل للجميع، ‏بعد ان اصبح كثير من الممارسة في اتجاه لا يأتلف والنص؟؟


لبنان اصبح اضعف من ان يحتمل مآسي جديدة... فليتق الله في وطنهم من اوجدوا اليوم في سدة ‏المسؤولية.. فلو دامت لغيرك ما آلت اليك..‏



*استاذ جامعي في القانون (ضابط متقاعد)‏


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021