إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أثر النفط والغاز في رسم المعادلات الجيوسياسية

أسامة العرب - البناء

نسخة للطباعة 2018-04-14

الارشيف

تُعدّ الموارد الطبيعية، لا سيما النفط المحرّك الأول لصراع الدول الكبرى. فهذه المادة تشكل عصب الحياة للدول الغربية، وستبقى كذلك في المدى المنظور، وبالتالي فهي نعمة ونقمة في آن معاً. ومؤخراً برزت مشاريع عديدة لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من الاكتشافات النفطية الجديدة التي وجدت فيه. حيث غدت هذه الثروات عاملاً بالغ الأهمية في رسم الوضع الجيوسياسي والاستراتيجي للمنطقة، وفي عولمة الصراعات وإطالة أمدها. وقد لعبت الجغرافيا دوراً رئيسياً في تبلور مواقف القوى الدولية من هذه الصراعات وفي تحويلها لعبة أمم. فلا يغيب عن أحد أنّ مشروع الشرق الأوسط الكبير كان يهدف بحقيقته لمدّ خطوط أنابيب النفط والغاز من دول المشرق إلى أوروبا بشكل مباشر، تمهيداً لتوجيه ضربة موجعة إلى روسيا، التي تحتكر تصدير حوالي 700 مليار متر مكعب من غازها الخام إلى أوروبا بشكل سنوي. فمنذ الإعلان عن مشروع الشرق الأوسط الجديد، سارع المحللون الدوليون للإشارة إلى أنّ هذا المشروع بني على استراتيجية أميركية للسيطرة على منابع النفط، ولتدعيم النفوذ الأميركي – الأوروبي على المنطقة. غير أن محور المقاومة الوطنية استطاع بفضل جهوده الجبارة أن يمنع المساس بوحدة أراضيه وأن يحافظ على سيادته ويقضي على الإرهاب الآتي من أكثر من ثمانين دولة غربية ومشرقية.

ومن البديهي أنّه وبالرغم من كل القمم التي تعقد بين روسيا وإيران وتركيا لبوتقة تفاهمات بينها، فإن العلاقات بين موسكو وأنقرة، الشريك الصغير للولايات المتحدة في المنطقة، لا يمكن أن تتحسن فعلياً بسبب الصراع الدائر بينهما حول كيفية نقل النفط القزويني إلى الجمهوريات المنفصلة عن الاتحاد السوفياتي سابقاً وإلى أوروبا والعالم الغربي أيضاً. إذ إنّ روسيا تُصرّ على أن يمرّ الأنبوب الرئيسي لنقل النفط والغاز إلى أوروبا عبر أراضيها، وذلك كي تبقى جمهوريات آسيا الوسطى تدور في فلكها، وكي تخضع الدول الأوروبية لنفوذها الإقليمي. في حين أن تركيا المدعومة من الولايات المتحدة تسعى لأن تكون البديل عن روسيا، في مجال احتكار نقل نفط وغاز قزوين وآسيا الوسطى إلى أوروبا والعالم الغربي.

ما معناه أنّ العلاقة بين موسكو وأنقرة، لا يمكن أن تتعدى إطار تفاهمات المصالح الآنية، لا سيما أنّ تركيا لم ترضخ للنفوذ الروسي الإيراني، إلا بسبب خشيتها من تغيّر خارطتها الجغرافية في حال نجح الأكراد بتأسيس كيان مستقل لهم على حدودها، فضلاً عن أن التوتّر ما يزال قائماً بين روسيا وتركيا حول خط باكو – جيحان التركي المدعوم أميركياً، والذي يرمي لضرب الخط الروسي باكو – نورفورسيسك على البحر الأسود، في الوقت الذي تسعى فيه طهران لتدعيم الخط الروسي بخط آخر ينطلق من تركمانستان مروراً بأراضيها وصولاً إلى سائر دول الشرق الأوسط. بالمقابل، نجد أنّ كلاً من جورجيا وأذربيجان وكازخستان وأوزباكستان قد أعلنت دعمها المباشر للخط التركي. وهذا ما يدفع الروس حالياً لبناء خط جديد نحو بحر البلطيق، ولبناء أنبوب آخر لنقل الغاز الكازاخي يَصبّ في مرفأ نورفورسيسك.

وهكذا يتضح لنا بأنّ التنافس حول موارد الطاقة، يزيد العلاقات الأميركية الروسية سوءاً، ويؤدي إلى العودة بالدول الكبرى إلى زمن الحرب الباردة. لا بل حتى المباحثات التي جرت مؤخراً لضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مردّها أيضاً إلى الطاقة، ولتقوية حظوظ الاتحاد في الحصول على ممرّ بديل للطاقة الأوروبية.

أما الولايات المتحدة الأميركية فتبدي تخوّفها الشديد من اختلال ميزان القوى مستقبلاً، وتعلّق آمالاً على لجم النزعة التوسعية لدى خصومها. والأجواء المشحونة بالتوتر الشديد، تَظهر في التخوّف من انقطاع العلاقات الدبلوماسية وتدهور الأوضاع لدرجة لا يعود معها ممكناً إعادة الأمور إلى نصابها من جديد. ولذلك، يجري البحث حالياً عن حلول عقلانية ممكنة، وفي طليعتها الحل الشامل عن طريق التخلي عن مشاريع التقسيم والأحلام التوسعية، والاعتراف بالآخر ومشاركته في صنع القرار، لا سيما في الشرق الأوسط. خصوصاً أنّ الشركات النفطية الأميركية باتت أكثراً إلحاحاً على دولتها في إنهاء الصراعات لتثبيت مصالحها في المنطقة بعدما تم القضاء على الإرهاب، وبعدما باتت المنافسة في أوجها مع شركات أجنبية أخرى.

ما يعنينا في هذا الشأن، أنّ المناقصات التي تجري للتنقيب عن النفط والتي تتضمن شركات أجنبية، والاتفاقات التي تُعقد في هذا المجال، غدا لها مجال في تحقيق الاستقرار والتناغم في المجالات الاقتصادية والسياسية، فالمعادلات القائمة تفرض التعاون وإنهاء الصراعات.

وفي أي حال، لقد حاولت الولايات المتحدة أن تتصرف وكأنها في نظام أحادي القطب، فلقيت استياء القوى الكبرى والإقليمية المنافسة لها، وكان نتاج ذلك أن تفشى الإرهاب وتمدّد وتوغّل، حتى أنّ أياديه القذرة وصلت مؤخراً إلى فرنسا ودول أوروبية أخرى. الأمر الذي يفرض على الدولة العظمى أن تضع خلافاتها جانباً، وأن تسعى لإعادة الاستقرار والأمان إلى منطقتنا، وأن تبقي صراعاتها الدولية في إطار التنافس الاقتصادي والعلمي والتقني، المفضي إلى رخاء البشرية وليس تدميرها. فالانتصار الحقيقي على المستوى الكوني لن يكون بالمشاركة في حروب إقليمية أو عالمية، بل في ساحات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، والحفاظ على نظام القيم الأخلاقية والإنسانية، وإقامة علاقات ندية متوازنة مع الآخرين، حيث في إمكان هذا المشروع أن يتحول صمام أمان في مواجهة الإرهاب، وفي ضمان وحدة المجتمعات والدول في إطار التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة، للشعوب الشرقية والغربية في آن معاً.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018