إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

سعاده الإنسان والزعيم

عبد الوهاب بعاج - البناء

نسخة للطباعة 2018-06-09

الارشيف

العامل عند سعاده، هو المنتج، فكراً وصناعة وغلالاً. ويوضح ذلك في بيان صادر في الأول من حزيران 1948، يقول فيه:

إني أخاطبك أنت أيها الشعب السوري العظيم، المؤلّف من الفلاح المنتج بعرق جبينه، والتاجر الساهر على خطط النجاح الاقتصادي، والعامل الدائب على العمل الصناعي، المولد الثروة العامّة. والجندي الواقف على سلاحه، للدفاع عن حقّ الأمة، والعالم المُكبّ على درس طبائع الأشياء ليستخرج منها معظم الفوائد لخير المجتمع وفلاحه، والصناعي الذي يفتح للأمة، موارد جديدة للثروة من جميع المنصرفين عن الكلام إلى العمل المنتج الذي به رفاه الشعب وخير الأمّة، من جميع هؤلاء الذين عددتهم، ويؤلّفون الشعب في حقيقته . آثار ص 31 ج 7 .

العامل عند سعاده هو المنتج، لأيّ نوع من أنواع الإنتاج، الفكري واليدوي، فلّاحاً وراء محراثه، وصانعاً وراء آلته، كلّهم في صف الإنتاج، جزء من كامل الشعب لا تمييز بينهم ولا فوارق طبقيّة، أو مهنيّة.

الاستثناء:

ويستثني سعاده من فئة العمال المنتجين جماعة صناعة الكلام من عهد الانحطاط، الذين لا يعنون بشيء غير الكلام، ولا يقيمون لقيمة من قِيم الحياة، وزناً غير الكلام، فالكلام عندهم هو الفنّ وهو الحياة، ففنّهم في الكلام، وحياتهم، حياة كلام، وكلامهم ثرثرة مضجّة، من الأول إلى الآخر، هذه الجماعة أستثنيها من مجموع الشعب . آثار ج 7 ص 31

خلاص الأمّة:

إنّ توجيه هذا النداء إلى الشعب بكلّ أصناف عمّاله المنتجين، هو الدعوة إلى القومية الاجتماعية، التي فيها الإنقاذ من الإعياء والوهن والشقاء. وفيها وضع مواردنا تحت سيادتنا، فيكون لنا الخير والهناء وبالنتيجة … توزيع غنى لا توزيع فقر . الآثار 16 ص 128 129

في التطبيق العمليّ:

ميزة النظرية، مدى إمكانية تطبيقها على الواقع العملي، فلنر، إن كان سعاده قد طبَّق نظريتيه، وعمل بهما، وما إذا كان نجح في التطبيق.

أنطون هو الولد الأكبر لإخوته الصغار، المتواجدين في الشوير، بعد وفاة الوالدة في مصر، والجدّة الراعية لهم في الشوير، وهم إدوار، وسليم وغريس، بينما الأخوة الكبار، كانوا قد غادروا إلى أميركا سابقاً.

بعد ذلك لم يعد من الممكن البقاء في الوطن، وكان الاتجاه نحو أميركا، نيومكسيكو، ومدينة سبنغر، حيث بيت خالهم سليم نصير، وأخويهم الأكبر، أرنست، وآرثر، الذين يعملون مع خالهم في التجارة، وكانت رحلتهم هذه بدأت بعام 1919، فوصلوا سبنغر بنيسان 1920، وكان عمر أنطون 16، إدوار 11، سليم 9، غريس 5 من السنوات.

وعمل أنطون مراقباً في محطة القطارات، كونه كان يجيد اللغة الإنكليزية.

ولمّا لم يعد بالإمكان البقاء في هذه المدينة بسبب حادث وفاة ابن الخال بخطأ من الأخ إدوار، فقد سافر أنطون وإدوار وسليم إلى البرازيل إلى الوالد، حيث وصلوا بشباط 1921، فالتحق إدوار وسليم بالمدارس، وبقي أنطون يعمل لمساعدة والده في الجريدة، حيث تعدّدت الوظائف التي كان يؤدّيها، والتي تراوحت بين التحرير، والترجمة … ضبط الحسابات، تعيين الموظفين، معالجة شؤون المشتركين، تعلّم التنضيد … إلى درجة كتابة مقالاته مباشرة عند التنضيد . سليم مجاعص أنطون سعاده ص 160

في رواية لحبيب أبو حمد، يقول: «ذهبت إلى الدكتور سعاده لمساعدتي في تأمين عمل، فأعطاني بطاقة قائلاً، اذهب إلى المطبعة تجد ابني، قد يستطيع أن يؤمّن لك عملاً، دخلت الغرفة فرأيت شاباً واقفاً أمام أحدها صناديق الحروف منهمكاً في صف حروف إحدى المقالات، وظهره إليّ… التفت إليّ وحدّق بي، وكم كان وقع المفاجأة عليّ إذ عرفت في ذلك الشاب صديقي الحبيب وزميلي في الدراسة أنطون سعاده .

كان هو أيضاً قد عرفني فصاح: حبيب ، وقال لي: ما أستطيع أن أفعله هو تعليمك صفّ الحروف، فيصير بإمكانك العمل في المطبعة، لقاء أجرٍ شهريّ، وأثناء ذلك إلى أن تتعلّم وتتقن المهنة، تنام حيث أنام، وتأكل ممّا آكل على تواضعه، ومن ساواك بنفسه ما ظلمك .

يتابع حبيب: لم يكن يذهب إلى بيت والده لزيارة إخوته، إلّا يومَي السبت والأحد فقط، إذ لم يكن لديه متّسع من الوقت لأنّه كان وحده يرصف الحروف، لثماني صفحات في الجريدة من القطع الكبير يومياً، ولم يكن بوسعي وحيداً أن أقوم بذلك لأنّي لم أكن ماهراً في تلك المهنة، ولم أكن أحسن الرصف بالبورتغالية، إذ كانت تصدر بعض الصفحات بهذه اللغة .

ولا بأس أن أروي هنا قصة قصيرة : كنت صباح ذلك اليوم تموز 1922 في المطبعة منهمكاً برصف مقال طويل للدكتور سعاده، فإذا بي أرى أنطون، يدخل المطبعة مسرعاً كالعاصفة، وهو بادئ الغضب، أحمر الوجه، دون أن يحيّيني، فيقف أمام صندوق الحروف فجأة كأنّه ينقضّ عليه، انقضاضاً ويمسك المصفّ، ويبدأ الصفّ بسرعة مدهشة دون أن يضع أمامه الورقة اللازمة المكتوبة بخطّه، أو خطّ أبيه الحاملة المقال كالعادة .

وبعد الانتهاء من الرصف، طلب إليّ طبع نسخة، للتحقّق من عدم الخطأ، فسألته: أين المقال على الورق؟ فكان جوابه: أتيت به رأساً من هنا أي من رأسه من دون أن أكون بحاجة إلى الورقة كواسطة، لم يكن لديّ وقت للكتابة على الورق يا حبيب، فأملاه عليّ دماغي رأساً بدون وسيط . جريدة البناء عدد 2272 ت 14/1/2017

وهذا ما عمل به سعاده في مغتربه الثاني، حين أسّس جريدتَي: سورية الجديدة

و الزوابع في البرازيل والأرجنتين، وكانت طريقة الطباعة قد تطوّرت، وكان صفّ الحروف على آلة اللينينيف، إلّا أنّ الصعوبة كانت إيجاد عامل على هذه الآلة، إلّا أنّه وبعد الجهد وجدت عاملاً، يمكن الاعتماد عليه، ولكنّه كان غريباً بالكلّية عن هذا العمل، ومع ذلك لم يكن بدّ من الاستناد إليه، فأتى إلى المطبعة واستوضح عن كيفيّة العمل على الآلة وحركاتها، وأخذ يعمل، وأحياناً اضطرّ أن يعمل الليل كلّه، فضلاً عن كل النهار، ليصدر العدد الممتاز المخصّص لأول مارس، وهكذا أمكن صدور العدد، هذا العامل الجديد هو أنطون سعاده . الرسائل ج 2 477

في التدريس:

لم يجمع الدكتور خليل سعاده مالاً، من مهنة الطب، وكان عمله الوطني والسياسي لا يستغرق كلّ ما يحصل عليه، مع قلّته، بل كان يستغرق حتّى ما يحتاجه أبناؤه لمعيشتهم، وأنّ الصحافة التي كان يصدرها، كانت على حساب معيشته وأطفاله. ولم تكن هذه الصحافة دائمة، من هنا و في غياب العمل الصحافي الثابت، كان على أنطون أن ينظر في مورد للرزق يعينه على مساعدة والده المتقدّم في السن، وإخوته الأصغر سنّاً، ولمّا كان يأنف العمل التجاري، ورأى أنّ التدريس في المعاهد السوريّة في البرازيل عمل مناسب لحاجته، من هنا نجده يبدأ التدريس في الكليّة السوريّة البرازيليّة، التي أسّسها في عام 1912 وديع اليازجي، وكان أنطون يدرّس فيها اللغة العربية وآدابها، وتابع التدريس في الكلية حتى عام 1926 حتى أوائل 1928، عندما انتقل إلى مؤسسة سوريّة أخرى، هي الكلية الوطنية للعلوم والآداب التي أسّسها عام 1919 لويس حايك، وتابع التدريس في هذه المدرسة، حتى مغادرته البرازيل عائداً إلى سورية في حزيران 1930 . هذا ما كتبه سليم مجاعص في كتابه أنطون سعاده ص 138

العمل التجاريّ:

ومع أنّه لا يحبّ العمل التجاري، ولا يجيده، إلّا أنّه، وفي الاغتراب الثاني، وهو زعيم للحركة القومية الاجتماعية، إلّا أنّ من أصبحوا منتسبين لحركته، لم يقوموا بتأمين معيشته، وخاصّة بعد أن أصبح ربّ عائلة، حاول إقناع المتموّل فؤاد لطف الله بضرورة المساعدة المستعجلة لإنشاء مطبعة لجريدة الزوبعة وللحركة في المغترب، لمّا كنت احتجت للنزول إلى ميدان التجارة لصيانة مركزي الشخصي، وكرامتي في بيئة لا تقدّر شيئاً تقديرها للمال، ولا تعترف بأيّ تطوّر فكريّ أو اجتماعيّ أو سياسيّ . الآثار ج 13 ص 208 209

ولعدم درايته في التجارة والصناعة، قدم إليه رفيق على أساس لديه اختراع، ليعملا سويّة، واستدان من شقيق زوجته المال، إلّا أنّ هذا الرفيق، كما ظهر يريد التعيّش على حساب مال الزعيم، فتخلّص منه، فوقع في حبائل الخائن مسوح الذي سرقه. ومن هاتين التجربتين والخسارة الكبيرة، ومع كونه بدون خبرة سابقة في معاملات البيئة التجاريّة، وفي أصناف البضاعة، التي بدأت الاتجار بها، فكان عليّ القيام بمجهود عنيف مضنٍ فوق ما أنا فيه . آثار 13 ص 212

إلّا أنّه، وبعد أن أشرف على الخراب، وقفت للأمر التجاري، وحدي بلا خبرة سابقة، ولكنّي أعملت فكري، وسياستي الاقتصادية، واجتهادي، وأنقذت المحلّ التجاري . آثار 13 ص 43

ولمّا كان الخائن جبران مسوح، الذي له إلمام بالعمل التجاري، وأنّ الزعيم لا يعرف هذا العمل، فمن هنا كان استغلاله وسرقته للزعيم، ولمّا بدأ الزعيم منفرداً، أخذ جبران يعلن تحدّيه للزعيم أنّه لن ينجح إلّا أنّ الزعيم تحدّاه، وبيّن له أنّه يفهم أكثر منه ، وكانت المساعدة له تأتي من زوجته الرفيقة جولييت، التي يكلّفها بمتابعة بعض الأعمال، وهي تقوم بها بكلّ جدّ ونشاط.

العمل الفكري:

هل يجوز لنا أن نذكر الإنتاج والعمل الفكري لأنطون سعاده، الذي قدَّم في علم الاجتماع، كتاب نشوء الأمم، وفي الفلسفة، النظرة الروحيّة، الاجتماعية، الإسلام في رسالتيه، والمحاضرات العشر، وفي الأدب الصراع الفكريّ، وقصة حب وعيد سيدة صيدناية. والكثير من المقالات وهو الذي أسّس الحركة القومية الاجتماعية التي لا مثيل لها في هذا العصر.

هذا هو مفهوم العمل والعامل لدى سعاده، وفي الحركة القومية الاجتماعية، فهل من حركة تماثلها نظريةً وتطبيقاً؟

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018