إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الديمقراطية في الطائفة

ميلاد السبعلي

نسخة للطباعة 2019-11-01

إقرأ ايضاً


في منتصف الثمانينات، حضرنا محاضرة لجورج عدوان في الجامعة اللبنانية - كلية الحقوق، جل الديب، بعنوان "الديمقراطية في المجتمع المسيحي"، خلاصتها أن هذه الديمقراطية تعني أن لك الحرية أن تختار بين الاحزاب المسيحية، قوات، كتائب، أحرار، وحتى حراس الارز والتنظيم. أما اذا كنت قومياً أو شيوعياً فسنكسر لك رجليك!! (هو قصده سنقطع رأسك ورأس عائلتك)...

هذا النموذج "الديمقراطي" جداً، اعتقدنا أنه موجود فقط عند الاحزاب اليمينية التي كنا نتهمها بالفاشية. لاحقاً عندما بدأنا بالعمل الحزبي

الأوسع مع بقية الأحزاب في بقية المناطق، وكوننا حزب علماني أعضاؤه من مختلف الطوائف، كنا نلاحظ كيف أن الاحزاب الطائفية غير المسيحية ترحب بالأعضاء المسيحيين بيننا ترحيباً كبيراً، لكنها تتعامل بكره وفوقية وحقد مع رفقائنا الذين ينتمون الى طائفة الحزب المضيف. وتكرر هذا المشهد مع حزب الله، والاشتراكي، وأمل، والمرابطون وغيرهم.

وبعد التمحيص والبحث والنقاشات مع هذه الاحزاب ومع رفقائنا في كافة المناطق، توصلنا الى خلاصة أن الاحزاب الطائفية، تقوم على شد العصب الحزبي الفئوي/الاقطاعي ضمن الطائفة أولاً، فتخوض منافسة شرسة مع أحزاب طائفية أخرى ضمن طائفتها، حتى الصراع الدموي إذا لزم، وقد تتصالح معها قسراً أو طوعاً على قاعدة تبويس اللحى اذا اقتضى الامر. والنماذج على ذلك تمتد من توحيد البندقية المسيحية في 1980، ولاحقاً ثنائية عونيين - قوات التي تجددت مؤخراً، الى تطور علاقات حزب الله مع حركة أمل، الى العلاقة بين الحزب الاشتراكي والديمقراطي، الى الزعامات السنية وتيار المستقبل والاحزاب والتجمعات الناصرية وغيرها ذات الطابع السني.

الهم المشترك بين كل هذه الأحزاب، هو أن لا تدع جمهور طائفتها يخرج من تحت السيطرة الطائفية. وهنا أهمية نظرية جورج عدوان. اذا اردت الخروج على حزب الطائفة الأول، فاذهب الى الثاني. ولكن اياك أن تذهب الى أحزاب تخرجك من نطاق نفوذ الطائفة وعصبيتها، الى رحاب وطنية أو قومية أوسع، أو أن تشارك في انتفاضات شعبية وطنية أوسع من نطاق نفوذ زعماء الطائفة وأحزابها.

في عهود الطائف، ترسخ هذا الواقع من خلال توزيع السلطة فيما بين الاقطاع المتحكم بالطوائف، الى أن ابتدع أحدهم نظرية الاقوياء في كل طائفة يحكمون.

لذلك حوصرت الاحزاب العلمانية وازدهرت أحزاب الطوائف. وتم اختراع الديمقراطية التوافقية، التي هي توافق الاقطاعات الطائفية التي تتقاسم السلطة ومقدرات البلاد على تسيير شؤونهم وشؤون البلاد. فكانت نظرية: إن اختلفوا عطلوا البلد، وان اتفقوا سرقوها... وأصبحت قصة استعادة حقوق طائفة معينة هي عملياً الشراكة في الصفقات بحصة مشابهة للاخرين، أي الفساد المتوازن.

الانتفاضة الشعبية الحاصلة اليوم، هي بالدرجة الأولى انتفاضة على ما انتجه تناتش الدولة بين احزاب الطوائف من فساد ومحميات وتوظيفات وهدر وسرقات ودين عام وضرائب وعجز. لكن هذه كلها نتائج. معالجتها تكمن في معالجة اساس الداء.

وكونها انتفاضة وطنية أخرجت الناس من عباءة الاقطاع الطائفي كل في طائفته، تكتلت بوجهها احزاب السلطة الطائفية، الى أن فاجأهم الحريري بالاستقالة، وايضاً كي يستطيع استرجاع شارعه السني، وليس محبة بالانتفاضة ومطالبها المحقة، التي تطاله وتطال الكثير من اتباعه وحلفائه.

واليوم يجهد كل هؤلاء الى استعادة جمهورهم كل الى طائفته لتعرية الانتفاضة واجهاضها، معتمدين أن هذا الشعب الذي ربوه في مراتع الطوائف، لمئة عام، لن يتحول الى شعب علماني بين ليلة وضحاها. الرهان يبقى على ما في هذا الشعب وأجياله الشابة خاصة من طيبة واصالة وشعور وطني خام، برغم محاولات افساده المستمرة من قبل أحزاب الطوائف. ويتضمن هذا الشعور الخام القدرة على التمييز بين العدو والصديق، وبين المؤامرة والدعم، وبين المقاوم والفاسد، على أن يكون الجميع تحت المساءلة في مسائل الفساد والصفقات.

الجميع اليوم يتكلم عن الدولة المدنية العصرية، وآخرهم رئيس الجمهورية في كلمته المدروسة والمتقنة البارحة. لكن الطريق الى الدولة المدنية العصرية تبدأ بقانون أحزاب يمنع تشكيل أو عمل أحزاب الطوائف، ويدعوها أن تتحول الى أحزاب وطنية تحمل برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية للشعب اللبناني بأكمله، وتكون تركيبة أعضائها متنوعة ومتوازنة مناطقياً وطائفياً، وتكون شعاراتها وبرامجها هذه تهدف الى ترسيخ وحدة الحياة الوطنية لا تعميق الخلافات والاحقاد وإباحة حروب المذاهب واقتسام مرافق البلاد، وصولاً الى تقسيم المناطق الى مناطق طائفية صرفة، تحكمها "ديمقراطية" الطوائفيين.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019