إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

النخب الثقافية متى تستفيق.. ويبدأ التغيير؟

د. لور أبي خليل - البناء

نسخة للطباعة 2017-06-08

الارشيف

يُعتبر لبنان دولة نيو- باتريمونيالية مكوّنة من نظام قائم على الاستزلام السياسي، أي على العلاقة التي تنشأ بين النخب والدولة والتي تقوم على الاستفادة من مواردها لتحقيق منافع خاصة. وهذا يتم بوجود أشخاص يتمتّعون بامتيازات تجعلهم فوق القانون، لجهة مقدرتهم على نقض مبدأ احتكار الدولة القانوني لاستخدام العنف.

فالنخب السياسية اللبنانية مكوّنة من رؤساء شبكات ومحاسيب يفرضون أنفسهم بالقوة، خصوصاً أن الأحزاب تسيطر على ثلث أعضاء المجلس النيابي. فهي التي جاءت بهم الى حيث هم وهذا أحد تجليات الانتماء الاولي الذي يكرس الدور العشائري والمناطقي والطائفي. وقد قال مايكل جونستون إن السياسيين اللبنانيين هم مدنيون يحملون السلاح ويجعلون من ذلك مدخلاً للعمل في السياسة وممارسة الشأن العام. وبهذا يمكننا القول إن الممارسة السياسية في لبنان في أوقات السلم تُفضي الى أزمات اجتماعية واحتقانات سياسية تنزع شرعية النخب الثقافية وتعطيها لرجال الدين أو لرؤساء الأحزاب الطائفيين فيصبح العنف ممكناً وتصبح ممارسته واجباً يقوم بها هؤلاء ليبقوا المسيطرين على صناعة القرار السياسي والمحلي.

وتثبت التجربة اللبنانية أن حقبات الأزمات وانعدام السلم الاهلي يجعلان هذه النخبة عاتية على المحاسبة ما يتيح لها التأسيس لحقبة تنطوي على صيانة مصالح افرادها. والذي يؤكد هذا الأمر أن المجتمع اللبناني يشهد العنف وزيادة الديون وتدخل القوى الخارجية في الحياة السياسية التي تجعل من النخب السياسية أدوات بين أيدي الخارج. وهذا يساعد طبعاً على السعي لتقوية وجودهم، رغم أن الإرادة الفعلية للمواطنين لا تعكس على الدوام هذا المنظار. ويكون غالباً الخروج من الأزمة قد مرّ بصيغة لا غالب ولا مغلوب.

يبدأ الحل في لبنان باعتماد المشروع التالي: ما هو؟

لسلامة النظام السياسي اللبناني يفترض اعتماد المشروع اللبيرالي الذي يتطلب إرساء سياسات عامة تأخذ بعين الاعتبار صفة التنوع كي تكون الحرية أكثر شمولية. وهذا الأمر يساعد على تحويل العناصر الرمزية الثقافية مثل المعتقدات الدينية في الاتجاهات التي تنسجم مع طرق الجمهورية الليبيرالية، مما يعني إنشاء نظام عقلاني للحكم قوامه فصل الدين عن الدولة. لأن النظام السياسي، بحسب المفهوم اليوناني هو مفهوم معماري مما يعني أن عناصره تبنى عبر إرساء دعائم الحكم الرشيد، فيكون العنصر الأساسي فيه هو حكم القانون، وتدخّل العناصر الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية كجوانب تابعة أو مرؤوسة من النظام السياسي. وهنا يُفترض بالدين ان يكون مصدراً للتحفظات ضد سلطة الدولة كي يكون النظام سليماً. وكي يكون هناك وحدة وطنية يفترض أن تكون المبادئ السياسية كافة هي مبادئ علمانية تخدم مصلحة المواطن اليومية لتدخل في مسار المسائل العامة.

وهنا نستطيع أن نقول من جراء هذا التحليل أن حياة المواطن مقسومة الى نوعين من المصالح العامة والخاصة. فكل الأمور التي تتعلق بالمؤسسات العامة والممارسات الليبيرالية في السلطة تعتبر شأناً عاماً وكل الأمور التي تتعلق بالالتزامات الدينية تعتبر شأناً خاصاً. فيمكننا أن نؤكد عندئذ أن المشاركة السياسية هي من الأمور العامة ولا يُفترض بالدين أن يتدخل فيها لأن هذا الأمر يؤدي الى الانغلاق والتقوقع داخل الطوائف لا بل أكثر داخل المذاهب، ولكي نكون مواطنين أحراراً يجب أن نبقى مستعدّين لمواجهة المفاهيم الموروثة التي تتعارض مع مفاهيم الحداثة والتطوّر والتغيير. طبعاً، إن مواجهة التدخلات من رجال الدين سوف تصطدم بوسائل القمع، لأن السلطة السياسية في لبنان تتمركز في يد زعماء المناطق الطائفيين وزعماء الطوائف بمساعدة القادة السياسيين الذين هم أيضاً طائفيون. وكي نستطيع توحيد مجتمعنا يفترض بالنخب الثقافية أن تتحرّك وأن تقوم بالمبادرة الأولى عبر ترشّحها في الانتخابات النيابية، لأن النخب هي التي تضع السلوك الاجتماعي والسياسي، وهي مَن يراقب تقيّد الحاكم بهذه القواعد، وهي مَن يكشف العلل التي يعاني منها المجتمع وهي التي تقترح العلاج الملائم لها ولا يتم ذلك إلا بتفعيل دورها عبر المشاركة السياسية التي تحقق العدالة الاجتماعية وتفعّل حكم القانون فنصل الى حرية إيجابية تعمل تحت سقف المواطنة فيكون الافراد كافة داخل المجتمع الواحد متساوين. وعندما تصل النخب الثقافية الى السلطة التشريعية تستطيع تسليط الضوء على مساوئ النظام الطائفي، وبالتالي تسعى الى تعديل بعض مواد الدستور التي تخدم هذا النظام وتقوم بتطوير نظام انتخابي عصري يضمن العدالة الاجتماعية.

ومن الطبيعي أيضاً أن تلغي دور المحاكم الروحية وتربط التقاضي بالمحاكم المدنية، لأن النخب الثقافية تعي خطورة الطائفية على الدولة وعلى المجتمع، ولأنها وحدها فقط تستطيع أن تتأكد من أن القوانين التي تصدر داخل المجلس النيابي تؤمن الوحدة الوطنية والعدالة بين الجميع.

هل ستستفيق النخب الثقافية من نومها العميق وتبدأ بالتغيير؟

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017